العودة   منتديات عميد التعريب > >

الملاحظات

الشريعة و الحياة كل الديانات و المذاهب لها الحق في النشر هنا بدون تجريح لأي ديانة أو مذهب آخر



إضافة رد

قديم 2010-11-20, 06:27   رقم المشاركة :1
معلومات العضو

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ


" اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ‏" (العلق:1،2).


بقلم : د زغلول النجار -



هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في مطلع سورة العلق‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها تسع عشرة‏ ,‏ وبها سجدة تلاوة واحدة‏ ,‏ وهي آخر سجدة تلاوة في المصحف الشريف‏ .‏
وقد سميت السورة باسم العلق لورود الإشارة في مطلعها إلى هذه المرحلة من مراحل خلق الإنسان‏ ,‏ والتي يشبه فيها الجنين دودة العلق في شكلها وطريقة غذائها .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة العلق حول بدء نزول الوحي على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ وما صاحبه من أمر بالإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ وتأكيد على أنه خالق كل شيء وربه ومليكه‏ ,‏ وأنه‏ (جل جلاله‏)‏ خلق الإنسان من علق‏ ,‏ وأمر باكتساب العلم والمعرفة‏ ,‏ وأشاد بالقراءة والقلم‏ ,‏ وأكد أن الله‏ (سبحانه‏)‏ هو مصدر كل علم مفيد‏ ,‏ ومعرفة صحيحة فهو‏ (تعالى‏)‏ الذي علم الإنسان ما لم يعلم .‏ وكان من مقتضيات ذلك أن يعبد الإنسان ربه‏ ,‏ ويلتزم أوامره‏ ,‏ ويتجنب نواهيه‏ ,‏ ولكن الإنسان كثيرا ما يطغيه الثراء والجاه والسلطان فينسي أنها من نعم الله المنعم المتفضل على عباده‏ ,‏ ويطغيه ذلك بدلا من أن يسجده لله‏ (تعالى‏)‏ عبودية وحمدا‏ ,‏ وينسيه الرجوع إلى الله‏ (تبارك وتعالى‏)‏ مهما طال الأجل‏ ,‏ وبذلك تؤكد السورة الكريمة حتمية الآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاء‏ .‏
وتعرض الآيات في سورة العلق لعدد من الأحداث في حياة رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ يري كل شيء‏ ,‏ ومهددة الكفار والمشركين بعذاب من الله إليهم‏ ,‏ وآمرة الرسول الخاتم وجميع من آمن به واتبعه بمداومة السجود لله‏ (تعالى‏)‏ والتقرب إليه بالعبادة والطاعة رغم أنوف الكافرين والمشركين والمتشككين‏ .‏.

عرض موجز لسورة العلق :
بعد بسم الله الرحمن الرحيم يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في مطلع سورة العلق‏:‏
" اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ
وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏" ‏(‏العلق‏:1‏-‏5)‏ , وهذه الآيات الخمس هي أول ما نزل من القرآن الكريم باتفاق العلماء‏ .‏ وفي ذلك يروى عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏ (رضي الله عنها‏)‏ أنها قالت‏ :‏ " أول ما بدأ به رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم‏ ,‏ فكان لا يري رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح‏ ,‏ ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد‏ ,‏ ويتزود لذلك‏ .‏ ثم يرجع إلى خديجة ـ أم المؤمنين ـ فيتزود لمثلها حتى فاجأه الوحي‏ ,‏ وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه‏ ,‏ فقال ‏:‏ اقرأ‏ ,‏ قال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ " فقلت ‏:‏ ما أنا بقارئ ـ قال ـ فأخذني فغطني‏ ,‏ حتى بلغ مني الجهد‏ ,‏ ثم أرسلني فقال‏ :‏ اقرأ‏ ,‏ فقلت ‏:‏ ما أنا بقارئ‏ ,‏ فغطني الثانية‏ ,‏ حتى بلغ مني الجهد‏ ,‏ ثم أرسلني فقال اقرأ‏ ,‏ فقلت ‏:‏ ما أنا بقارئ‏ ,‏ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد‏ ,‏ ثم أرسلني‏ ,‏ فقال ‏: " اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ـ حتى بلغ ـ مَا لَمْ يَعْلَمْ" ,‏ فرجع بها رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال‏:" زملوني زملوني "‏ فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال‏ :‏ " يا خديجة‏ :‏ ما لي‏‏؟‏!‏ وأخبرها الخبر‏ ,‏ وقال‏ : "‏ قد خشيت على نفسي " .‏ فقالت له ‏:‏ كلا‏!‏ أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا‏ ,‏ إنك لتصل الرحم‏ ,‏ وتصدق الحديث‏ ,‏ وتحمل الكل‏ ,‏ وتقري الضيف‏ ,‏ وتعين على نوائب الحق‏ ,‏ ثم انطلقت به حتى أتت‏ (ورقة بن نوفل‏)‏ بن أسد بن عبد العزى بن قصي‏ ,‏ وهو ابن عم خديجة أخي أبيها‏ , ...‏ وكان شيخا كبيرا قد عمي‏ ,‏ فقالت خديجة ‏:‏ أي ابن عم‏ ,‏ اسمع من ابن أخيك‏ .‏ فقال ورقة‏ :‏ ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بما رأى فقال ورقة‏ :‏ هذا الناموس الذي أنزل على موسى‏ ,‏ ليتني فيها جذعا‏ ,‏ ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك‏ ,‏ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ " أومخرجي هم؟ " فقال ورقة ‏:‏ نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي‏ ,‏ وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا‏ .‏ ثم لم ينشب ورقة أن توفي‏ ,‏ وفتر الوحي "(‏أخرجه الشيخان والإمام أحمد واللفظ له‏)‏ , فكانت هذه الآيات الخمس من مطلع سورة العلق أول ما نزل من القرآن الكريم‏ .‏ هذا الوحي الخاتم الذي أكمل الله‏ (تعالى‏)‏ فيه رسالته إلى خلقه‏ ,‏ وأتم عليهم نعمه بنزوله وحفظه‏ ,‏ ورضي لهم الإسلام دينا‏ .‏
وكان من أبلغ الشهادات على أن هذا الوحي هو كلام الله الخالق تلك اللفتة المعجزة إلى خلق الإنسان من علق‏ ,‏ وهي مرحلة من مراحل خلق الجنين البشري‏ ,‏ يتراوح طول الجنين فيها بين ‏0 , 7‏ ـ مم‏ ,3 ,5‏ مم‏ ,‏ ولم يتعرف الإنسان عليها إلا في القرن العشرين‏ ,‏ ووصف القرآن الكريم لها من قبل أربعة عشر قرنا بهذا النعت الذي يتسم بالدقة والشمول والكمال‏ ,‏ وفي زمن لم يتوافر للإنسان أية وسيلة من وسائل التكبير أو التصوير أو الكشف يعتبر من أوضح المعجزات العلمية في كتاب الله العزيز‏ ,‏ خاصة وأن هذا الزمن قد ساد الاعتقاد فيه بالعديد من الخرافات والأساطير من مثل خلق الإنسان من دم الحيض فقط‏ ,‏ أو من ماء الرجل فقط‏ ,‏ خلقا متكاملا في حجم متناهي الضآلة يزداد في أبعاده بالتدريج حتى يصل إلى حجم الجنين البالغ النضج قبل الميلاد‏ .‏
وكان في ذلك البرهان الساطع لكل ذي بصيرة على أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ .‏
وكان في تأكيد هذه الآيات على قيمة العلم‏ ,‏ والإشادة بأهم أدوات اكتسابه وهي القراءة والكتابة تعظيم لأقدار العلماء‏ ,‏ ودعوة من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى الخلق كافة لاكتساب المعرفة والحرص عليها‏ ,‏ وتأكيد على أن الإسلام العظيم لا يُبنى على جهالة أبدا‏ ,‏ ولكن على علم والتزام‏ ,‏ وأن العلم النافع يهبه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لمن يشاء من عباده كما وهبه لأبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏ .‏ وكان هذا العلم الوهبي هو الأساس الذي بنيت عليه كل المعارف البشرية‏ .‏ ومن هنا كان هذا النداء الإلهي إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في أولى لحظات اتصاله بالملأ الأعلى أن يقرأ باسم الله الخالق‏ ,‏ الذي خلق كل شيء فأتقنه‏ ,‏ وجعل من مراحل خلق الإنسان مرحلة العلق التي منها خلق هذا المخلوق المكرم الذي وهبه الله‏ (تعالى‏)‏ القدرة على اكتساب المعرفة والعلم‏ .‏
وكانت إرادة الله أن يكون هذا النبي والرسول الخاتم من غير ين بالقلم‏ ,‏ ومن هنا كانت هذه الإشارة من الدلائل الناصعة على صدق نبوته‏ ,‏ وعلى صدق الوحي الذي أوحي إليه به‏ ,‏ لأن أهمية القراءة والكتابة بالقلم ما كانت لتبرز هذا البروز لو كان القرآن الكريم من صناعته كما يدعي المبطلون‏ .‏
وبهذه الآيات الخمس التي كانت أول ما نزل من القرآن الكريم وضعت أول قاعدة من قواعد الإيمان بالله الخالق ‏:‏ رب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ الذي يجب أن تكون كل حركات الإنسان وسكناته باسمه ومتوجهة إليه‏ ,‏ وطالبة لمرضاته‏ ,‏ ومنتهية إليه فهو الذي خلق فسوى‏ ,‏ وهو الذي قدر فهدى‏ ,‏ وهو الذي "‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏ " ‏ وكان من مقتضيات هذه الأفضال الإلهية أن يعرف العبد ربه‏ ,‏ وأن يخضع لجلاله بالطاعة والعبادة والتقوى الخالصة لله‏ ,‏ ولكن كثيرا من الناس لا يشكرون‏ ,‏ تبطرهم النعمة فينسون المنعم‏ ,‏ ويطغيهم الجاه والسلطان فيتجاوزون حدود الرحمة والعدل‏ ,‏ وينسون حتمية الرجوع إلى الله وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
" كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى . أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى . إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى "‏ (العلق:6-8)وهذا الحكم شاءت إرادة الله‏ (تعالى‏)‏ أن تتبعه بواقعة تاريخية وقعت لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في بدء دعوته‏ ,‏ فقد أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ قال ‏:‏ " قال أبو جهل‏ :‏ لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة لأطأن على عنقه‏ ,‏ فبلغ ذلك النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فقال ‏:‏ " لئن فعل لأخذته الملائكة ‏" .
وأخرج كل من الإمامين أحمد والترمذي عن ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ أنه قال ‏:‏ "كان رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يصلى عند المقام‏ ,‏ فمر به أبو جهل ابن هشام‏ ,‏ فقال‏ :‏ يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وانتهره‏ ,‏ فقال ‏:‏ يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا‏ ,‏ فأنزل الله‏ (تعالى‏)‏ قوله العزيز‏ : " فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ "‏ (العلق‏:18,17) ,‏ وقال ابن عباس‏ :‏ لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته " .
وروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة‏ (رضي الله عنه‏)‏ قال ‏: ‏" قال أبو جهل ‏:‏ هل يعفر محمد وجهه‏ (أي يصلي‏)‏ بين أظهركم؟ قالوا ‏:‏ نعم‏ ,‏ فقال‏ :‏ واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته‏ ,‏ ولأعفرن وجهه في التراب‏ ,‏ فآتى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو يصلي ليطأ على رقبته‏ ,‏ قال‏ :‏ فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه‏ ,‏ قال ‏:‏ فقيل له ‏:‏ مالك؟ فقال أبو جهل‏ :‏ إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة‏!!!‏ قال أبو هريرة ‏:‏ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا‏ ,‏ قال‏ :‏ وأنزل الله‏ : "‏ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى " ‏إلى آخر السورة " .
وفي ختام سورة العلق يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى . عَبْداً إِذَا صَلَّى . أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى . أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى . كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ . كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ " (العلق‏:9‏-‏19) .‏





وهذه الآيات تتعلق بحادثة نهي أبي جهل عن الصلاة عند البيت الحرام‏ ,‏ فوعظه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ أولا بالتي هي أحسن‏ ,‏ ثم هدده وتوعده بأنه‏ (تعالى‏)‏ يراه ويسمع كلامه‏ ,‏ وسيجازيه على إجرامه أشد الجزاء فيقول له ‏:‏ إن لم ترجع عن غطرستك وتكبرك على الحق لنأخذن بناصيتك‏ ,‏ ولنسحبنك بها إلى نار جهنم‏ ,‏ ولنذلنك بذلك أشد الإذلال‏ . (والسفع‏)‏ هو القبض على الشيء بشدة وجذبه‏ ,‏ وهو الاحتراق بالنار إلى حد السواد والتفحم‏ .‏ و‏(‏الناصية‏)‏ هي شعر مقدم الرأس‏ ,‏ ووصف الناصية بأنها‏ (كاذبة خاطئة‏)‏ أي كاذبة في بيانها‏ ,‏ متعمدة الخطأ في أفعالها‏ ,‏ وفي ذلك إشارة إلى وجود الفص الجبهي من المخ تحت الناصية مباشرة‏ ,‏ وهو مركز الوظائف العقلية العليا من مثل التقدير والتدبير‏ ,‏ والاختيار بين البدائل‏ ,‏ ووضع الخطط‏ ,‏ واتخاذ القرارات‏ ,‏ والتواؤم مع الواقع‏ ,‏ وهذه الحقيقة لم تتوافر للعلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها هو بالقطع من معجزاته العلمية القاطعة والشاهدة بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ وأنه هو الصورة الوحيدة من وحي السماء المحفوظة بين أيدي الناس اليوم بنفس لغة وحيها لأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قد تعهد بحفظها فحفظت‏ ,‏ بينما ترك غيرها من صور الوحي السابقة لحفظ أصحابها فضيعوها‏ ,‏ وملأوا ما بقي منها من ذكريات ـ نقلت شفاها عبر القرون ـ بقدر كبير من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني‏ ,‏ وجعلها عاجزة كل العجز عن هداية أصحابها‏ .‏ ولذلك ختمت سورة العلق بأمر من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بألا يطيع طاغية مثل أبي جهل في نهيه له عن الصلاة عند البيت الحرام‏ ,‏ وتأمره بالمداومة على عبادة الله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ وبإكثار السجود له‏ (سبحانه‏)‏ والتقرب إليه‏ ,‏ وإقام الصلاة حيث يشاء دون أدنى مبالاة من جبابرة الأرض وطغاتها أمثال أبي جهل المشرك ـ وما أكثر أمثاله في هذه الأيام ـ وذلك لأن الله‏ (تعالى‏)‏ حافظ خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وناصره‏ ,‏ ومؤيده‏ ,‏ ومؤازره‏ ,‏ وعاصمه من الناس ـ والخطاب من الله تعالى إلى نبيه ورسوله الخاتم هو خطاب إلى كل مؤمن به وبرسالته ولذلك ختمت سورة العلق بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : " كَلاَّ لاَ تُطِعْهُوَاسْجُدْوَاقْتَرِبْ " ‏‏(‏العلق‏:19) .‏
وعن أبي هريرة‏ (رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال ‏: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء‏ " .‏

من ركائز العقيدة في سورة العلق :
(1)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وعلى ذلك فهو وحده المستوجب الخضوع لجلاله بالعبادة والطاعة‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) .‏
‏(2)‏ التسليم بأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يخلق ـ الإنسان في عدد من الأطوار المتتالية التي من أوائلها طور العلق‏ ,‏ وهي أطوار متناهية الضآلة في الحجم‏ ,‏ والذي هذا أصله لا يجوز له التطاول على الله‏ (تعالى‏)‏ بالمعاصي ولا على خلقه بالتجبر والمظالم‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بأن الله الخالق هو الرزاق ذو القوة المتين‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ أكرم الأكرمين‏ ,‏ فلا يجوز اللجوء إلا إليه‏ ,‏ ولا يجوز السؤال إلا منه‏ ,‏ ولا تجوز الاستعانة إلا به‏ (جل جلاله‏) .‏
‏(4)‏ اليقين بأن العلم من فيض الله العليم الحكيم على عباده‏ ,‏ علمه لأبيهم آدم‏ (عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏ ,‏ وعلمه آدم لنسله من بعده‏ .‏
‏(5)‏ التسليم بأن الله‏ (تعالى‏)‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بالآخرة وبما فيها من بعث‏ ,‏ وحشر‏ ,‏ ورجوع إلى الله‏ ,‏ وحساب وجزاء‏ .‏
‏(7)‏ اليقين بأن الله تعالى هو السميع‏ ,‏ البصير‏ ,‏ العليم الذي يرى كل شيء‏ ,‏ ويسمع كل همس‏ .‏

من ركائز العبادة في سورة العلق :
(1)‏ ضرورة استفتاح كل عمل باسم الله‏ (تعالى‏)‏ فكل عمل لا يبدأ باسمه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ فهو أبتر‏ .‏
‏(2)‏ الحرص على تعلم العلم النافع‏ ,‏ ووسيلة الإنسان في ذلك القراءة والكتابة‏ .‏
‏(3)‏ التحذير من أن يكون الغنى بالمال أو الجاه أو السلطان مدعاة للطغيان على عباد الله والتجبر عليهم‏ .‏
‏(4)‏ النهي عن تعطيل عبادة من العبادات المفروضة واعتبار ذلك من الجرائم التي يعاقب عليها الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
‏(5)‏ الأمر بالإكثار من السجود لله‏ (تعالى‏)‏ والضراعة إليه بالدعاء في هذا المقام فأقرب ما يكون العبد بين يدي الله وهو ساجد‏ .‏
من الإشارات الكونية في سورة العلق :
(1)‏ التأكيد على حقيقة الخلق‏ ,‏ وعلى أن الله الخالق البارئ المصور هو خالق كل شيء‏ ,‏ ورب كل شيء ومليكه‏ .‏
‏(2)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان من طور يشبه دودة العلق تماما في شكله وفي طرائق تغذيته‏ .‏
‏(3)‏ التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو مصدر كل علم نافع ومعرفة صحيحة‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ " عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏" (العلق:4،5) .
(4)‏ الإشارة إلى أن من طبائع النفس البشرية الميل إلى الطغيان عند الغني‏ .‏


‏(5)‏ التأكيد على حتمية البعث والرجوع إلى الله‏ (تعالى‏) .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى أن الناصية هي موضع اتخاذ القرار‏ .‏
‏(7)‏ التلميح إلى قيمة السجود في صلة العبد بالله‏ (تعالى‏) .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثانية من القائمة السابقة والتي جاءت في الآية الثانية من سورة العلق‏ .
من الدلالات اللغوية للآية الكريمة :
أولاً ‏: (خلق‏) :‏
أصل‏ (الخلق‏)‏ هو الإبداع والتقدير المستقيم‏ ,‏ ويستعمل في إبداع الشيء على غير مثال سابق‏ ,‏ أي من غير أصل ولا احتذاء‏ ,‏ وذلك من مثل قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏):‏ " خلق السماوات والأرض " أي أبدعهما بدلالة وصفه لذاته العلية بصفة بديع السماوات والأرض‏ .‏
ويستعمل الفعل‏ (خلق‏)‏ في التعبير عن إيجاد شيء من شيء آخر‏ ,‏ وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍوَاحِدَةٍوَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ‏" (‏النساء‏:1)‏
و‏ (الخلق‏)‏ الذي يقصد به الإبداع لا يكون إلا لله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ولذلك وصف ذاته العلية بـ‏ (الخالق‏)‏ و‏ (الخلاق‏) ,‏ وقال في محكم كتابه ‏:‏ " أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ "‏(‏النحل‏:17)‏ .و‏ (الخلق‏)‏ لا يستعمل في حق المخلوقين إلا على وجهين‏ :‏ أحدهما بمعني التقدير‏ ,‏ والثاني في التعبير عن الكذب بمعني الاختلاق والافتراء وذلك من مثل قوله تعالى‏ : ‏" وتخلقون إفكا‏ ‏" (العنكبوت:17) , فإن قيل في قوله‏ (تعالى‏) " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ "‏ (المؤمنون:14)‏ إمكانية الدلالة على أنه يجوز أن يوصف غير الله بالخلق‏ ,‏ قلنا إن ذلك معناه أحسن المقدرين‏ .‏
و‏(‏الخلق‏)‏ يقال في معنى المخلوق‏ ,‏ والخلق و‏(‏الخلق‏)‏ في الأصل واحد‏ ,‏ ولكن خص‏ (الخلق‏)‏ بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر‏ ,‏ وخص الخلق بالصفات والسجايا المدركة بالبصيرة‏ ,‏ و‏(‏الخلاق‏)‏ هو ما يكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه و‏ (الخليقة‏)‏ و‏ (الخلائق‏)‏ هم خلق الله‏ ,‏ و‏ (الخلقة‏)‏ هي الفطرة‏ .
ويقال ‏:‏ فلان‏ (خليق‏)‏ بكذا ‏:‏ أي جدير به‏ ,‏ كأنه مخلوق فيه ذلك‏ ,‏ أو كأنه مجبول على ذلك‏ ,‏ أو مدعو إليه بالفطرة‏ .‏ والخلوق ضرب من الطيب‏ ,‏ و‏(‏الخلاق‏)‏ هو النصيب‏ .‏
ثانيا ‏: (علق‏) :‏
يقال‏ (علق‏)‏ بالشيء‏ (علوقا‏)‏ أي تعلق‏ أو تشبث به‏ ,‏ و‏ (العلق‏)‏ التشبث بالشيء‏ ,‏ و‏(‏المعلاق‏)‏ و‏ (المعلق‏)‏ ما‏ (يعلق‏)‏ به‏ ,‏ و‏( (العلقه‏)‏ ما يتمسك به‏ ,‏ وكل شيء‏ (علق‏)‏ به شيء فهو‏ (معلاقه‏) ,‏ و‏ (العلىق‏)‏ نبت يتعلق بالشجر‏ .‏ و‏(‏العلقة‏)‏ دودة مائية تعيش في البرك متطفلة على غيرها من الحيوانات‏ ,‏ تعلق بها لتتغذي بامتصاص دمائها‏ ,‏ والجمع‏ (علق‏) ,‏ و‏ (الإعلاق‏)‏ إرسال دود العلق على موضع محدد من الجسم ليمص الدم منه‏ .‏ ويقال‏: (علقت‏)‏ الدابة إذا نشبت بها دودة العلق أثناء شربها للماء‏ .‏ و‏ (العلقة‏)‏ من الأطوار الابتدائية للجنين البشري‏ .‏
ثالثا‏ :‏ الإنسان‏ :‏
(‏الإنس‏)‏ خلاف الجن‏ ,‏ وكلاهما من الخلق المكلف‏ ,‏ و‏(‏الإنس‏)‏ هو مجموع البشر‏ ,‏ والواحد‏ (انسي‏) ,‏ بكسر الألف وسكون النون‏ ,‏ أو‏ (أنسي‏)‏ بفتحتين‏ ,‏ والجمع‏ (أناسي‏) ,‏ قال تعالى ‏:‏ " وأناسي كثيرا‏ " (الفرقان:49) ,‏ وكذا‏ (الأناسية‏)‏ مثل الصيارفة والصياقلة‏ .‏
يقال للمرأة‏ (إنسان‏) ,‏ ولا يقال لها‏ (إنسانة‏) .‏ وهو وصف لمن‏ (يؤنس‏)‏ به أو يكثر أنسه ولذلك قيل إن‏ (الإنسان‏)‏ سمي‏ (إنسانا‏)‏ لأنه‏ (يؤنس‏)‏ به‏ ,‏ حيث إنه خلق خلقة لا قوام لها إلا بـ‏ (أنس‏)‏ بعضهم ببعض‏ ,‏ ولهذا قيل‏: (الإنسان‏)‏ مدني بالطبع‏ ,‏ حيث لا يمكنه القيام بجميع أسبابه بمفرده‏ ,‏ لاحتياج بعض الناس بعضا‏ .‏ وقيل‏:‏ إنه سمي‏ (إنسانا‏)‏ لأنه‏ (يأنس‏)‏ بكل ما يألفه‏ .‏ وقيل‏:‏ إن أصل التسمية‏ (إنسيان‏)‏ على وزن‏ (إفعلان‏)‏ من النسيان لأن آدم‏ (عليه السلام‏)‏ عهد إليه فنسي‏ ,‏ قال تعالى ‏:‏
" وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ‏" (طه‏:115) .
وتصغير لفظة‏ (إنسان‏)‏ هو‏ (أنيسان‏) ,‏ و‏(‏الأناس‏)‏ بالضم لغة في‏ (الناس‏)‏ وهو الأصل‏ .
و‏(‏الإيناس‏)‏ و‏(‏التأنيس‏)‏ خلاف الإيحاش‏ ,‏ و‏(‏الأنس‏)‏ خلاف الوحشة‏ .‏ يقال‏: (أنس‏)‏ به و‏(‏أنس‏)‏ به‏ (يأنس‏)‏ بالكسر‏ (أنسا‏)‏ بالضم‏ .‏
و‏(‏الأناسي‏) ,‏ و‏(‏الناس‏) ,‏ و‏(‏الأنس‏) ,‏ هم الخلق المكلف من نسل أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ والمقابل للمخلوقات الغيبية المكلفة مثل الجن‏ ,‏ والعاقلة المسخرة مثل الملائكة‏ .‏ وبهذا نزل القرآن الكريم وعلى هذا بنيت عقيدة الأمة سلفا وخلفا‏ .‏ فالبشر والإنسان وصفان لموصوف واحد‏ .‏ وقد عبر عن‏ (الإنسان‏)‏ بـ‏ (البشر‏)‏ لظهور جلده بخلاف الحيوانات التي يغطي جلدها بالشعر أو الصوف أو الوبر‏ ,‏ و‏(‏البشرة‏)‏ ظاهر الجلد‏ ,‏ والأدمة باطنه‏ .‏
والمقصود بـ‏ (الإنسان‏)‏ في القرآن الكريم كله ــ نوع الإنسان أي جميع بني آدم‏ ,‏ وخصه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بالذكر لكونه أشرف المخلوقات وأحسنها بناء جسديا‏ ,‏ وقدرات عقلية وحسية وعاطفية وإمكانيات لكسب المعارف والمهارات وتعليمها‏ ,‏ وعلى الانفعال‏ ,‏ والتعبير عن الذات وغير ذلك مما ميزه به الخالق سبحانه وتعالى‏ .‏
وجاءت لفظة‏ (علق‏)‏ بالجمع لتتوافق مع بلايين البشر من بني آدم الذين عاشوا وماتوا‏ ,‏ والبلايين التي تملأ جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ والتي سوف تأتي من بعدنا إلى قيام الساعة‏ ,‏ وهذا من دقة الصياغة القرآنية المعجزة وشدة إحكامها‏ .‏





لفظتا‏ (علقة‏)‏ و‏(‏علق‏)‏ في القرآن الكريم :
الآيتان اللتان نحن بصددهما جاءتا في سورة العلق التي يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في مطلعها‏:‏ " اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ " (العلق‏:2,1)‏.وهي المرة الوحيدة التي جاء فيها ذكر اللفظة‏ (علق‏)‏ بصيغة الجمع في القرآن الكريم كله‏ ,‏ ولكن جاء لفظ‏ (علقة‏)‏ بالإفراد خمس مرات على النحو التالي ‏:‏
(1) " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْفِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ " (الحج‏:5) .‏
(2)" ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً " (المؤمنون‏:14) .‏
(3)" هَوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ " (غافر‏:67) .‏
(4)‏ " أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَوَالأُنثَى "‏ (القيامة‏:37‏-39) .
وفي جميع هذه الحالات الست قصد باللفظ‏ (علقة‏)‏ و‏(‏علق‏)‏ مرحلة محددة من مراحل تطور الجنين البشري‏ ,‏ يأخذ فيها الجنين‏ (الكيسة الأرومية‏)‏ شكل دودة العلق ‏(Leech)ويتعلق بجدار الرحم تماما كما تتعلق الدودة بعائلها‏ ,‏ ويتغذي الجنين في مرحلة العلقة على دم الأم‏ ,‏ كما تتغذي دودة العلق على دم عائلها تماما‏ .‏
وسبق القرآن الكريم بوصف مراحل الجنين في الإنسان بهذه الدقة الفائقة من قبل أربعة عشر قرنا‏ , (وهي مراحل متناهية الضآلة في الحجم‏)‏ في زمن لم يتوافر للإنسان أي وسيلة من وسائل التكبير أو الكشف أو التصوير يعتبر من أوضح جوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله خاصة وأن هذه المراحل لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ ,‏ ووصفتها بعمر كل مرحلة بالأيام والأسابيع‏ ,‏ حيث لم تتمكن بعد من وصفها الوصف الكامل‏ .‏ وطول العلقة يتراوح بين ‏0 ,7‏ مم‏ ,3 ,5‏ مم‏ ,‏ وهي أطوال لا يمكن أن تراها العين المجردة في السقط الذي ينزل من المرأة مغمورا بالدماء وبأشلاء الأنسجة‏ ,‏ ومن هنا كانت الإشارات القرآنية الكريمة إلى مراحل الجنين في الإنسان بأوصاف محددة‏ ,‏ ومراحل متتالية منتظمة من أعظم الشهادات على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ وأن سيدنا محمدا بن عبد الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ هو خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وأنه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ ,‏ وذلك لأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لهذا العلم الراقي‏ ,‏ المحكم‏ ,‏ الدقيق في هذا الزمن القديم السحيق غير الله الخالق الذي أحاط بكل شيء علما‏ .
من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
تشير الآيتان الكريمتان اللتان اخترناهما عنوانا لهذا المقال إلى خلق الإنسان‏ (أي جميع بني آدم‏)‏ عبر مرحلة جنينية محددة سماها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ باسم مرحلة العلق‏ ,‏ والعلق من الديدان الحلقية ‏(Annelida)‏ أو ما يعرف باسم العلقيات‏(Class مرحباrudinia) والتي عادة ما تحيا في الماء العذب وإن كانت أنواع قليلة منها تحيا في الماء المالح أو حتى على اليابسة في الغابات الاستوائية وشبه الاستوائية الرطبة‏ .‏ وتعيش ديدان العلق متطفلة على العديد من العوائل الفقارية بإلصاق نفسها بجسم العائل بقرصين ماصين قويين عند كل من طرفيها تمتص دمه‏ ,‏ أو تعيش كحيوانات مفترسة أو رمية على غير الفقاريات من القواقع‏ ,‏ وقد زود الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ديدان العلق الماصة للدماء بعدد من المركبات الكيميائية التي تمنع تجلط الدم حتى تتمكن من امتصاص القدر اللازم لاحتياجاتها‏ ,‏ وتعرف باسم مركبات الهيرودين‏ (مرحباrudin)‏ والتي اشتق منها اسم طائفة العلقيات ‏(Class مرحباrudinia) .‏
وقد استخدمت هذه الديدان الماصة في القديم‏ ,‏ ولا تزال تستخدم في علاج العديد من الأمراض‏ ,‏ وذلك بامتصاص الدم الزائد عن حاجة المريض‏ .‏ ومن العجيب أن يكتشف دارسو عالم الأجنة البشرية في القرن العشرين أنه في خلال الأسبوعين الأولين من حياة الجنين تتم عملية تعلق الكيسة الأرومية بجدار الرحم بواسطة المشيمة الابتدائية التي تتحول فيما بعد إلى الحبل السري‏ .‏ وباطراد عملية النمو‏ ,‏ وتعدد الخلايا‏ ,‏ وبدء تكون الأجهزة المختلفة‏ (وفي مقدمتها الجهاز العصبي ممثلا بالحبل الظهري‏ ,‏ والجهاز الدوري الابتدائي ممثلا بأنابيب القلب‏ ,‏ وحزمة من الأوردة والشرايين‏)‏ فإن الجنين يستطيل في مطلع الأسبوع الثالث‏ (من اليوم الحادي والعشرين إلى اليوم الخامس والعشرين من عمره‏)‏ ليأخذ هيئة دودة العلق‏
(
Leech)‏ في شكلها‏ ,‏ وفي تعلقها بجسم العائل لأن الجنين يتعلق بجدار الرحم‏ ,‏ وفي تغذيتها على دم العائل لأن الجنين يتغذي على دم الأم‏ .‏ وعلى ذلك فإن الوصف القرآني لهذا الطور من أطوار الجنين البشري بتعبير‏ (خلق الإنسان من علق‏)‏ في زمن لم يكن هناك وجود لأي وسيلة من وسائل الكشف أو التكبير أو التصوير لطور يتراوح طوله بين‏(0 ,7‏ مم‏) ,(3 ,5‏ مم‏)‏ يعتبر أمرا معجزا حقا‏ .‏ وتعرف هذه المرحلة باسم مرحلة الالتصاق والانغراز أو الحرث ‏(The Attachment and Implantation) .‏
ويحدث فيها اقتراب الأرومة الجرثومية ‏(Blastula)‏ من الغشاء المخاطي المبطن للرحم حتى تلتصق في جزئه العلوي‏ ,‏ بعد ستة إلى سبعة أيام من تاريخ الإخصاب ثم تقوم الخلايا الخارجية للأرومة الجرثومية بقضم جدار الرحم والانغراز فيه بواسطة عدد من الخملات الدقيقة‏ ,‏ الغارقة في بحر من الدماء‏ ,‏ وبذلك يكون الاتصال بين الجنين ودماء الأم اتصالا مباشرا فتتغذي عليه العلقة وعلى لبن الرحم الذي تفرزه آلاف من الغدد الرحمية‏ .‏
وفي حوالي اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر من تاريخ الإخصاب تقفل الفتحة التي دخلت منها الأرومة الجرثومية في غشاء جدار الرحم بعدد من الخلايا الليفية والدموية‏ ,‏ ثم تغطي بعدد من الخلايا الطلائية المكونة لبطانة الرحم الغشائية‏ .‏

وبعد هذه المرحلة الأولي من تعلق الجنين بجدار الرحم‏ ,‏ وانغراسه فيه‏ ,‏ يبدأ الغشاء المشيمي ‏(Chorion)‏ في التكون من الخلايا الخارجية للأرومة الجرثومية‏ ,‏ كما يتكون معلاق موصل بين الجنين وبين الغشاء المشيمي‏ ,‏ تنشأ فيه الأوعية الدموية السرية المغذية للجنين لتأكيد تعلق الجنين بجدار الرحم‏ .‏
ويستمر طور العلقة من اليوم الخامس عشر إلى اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين تقريبا بعد إتمام عملية الإخصاب‏ ,‏ وعلى الرغم من ضآلته فإن أساتذة علم الأجنة لاحظوا التكاثر المتسارع للخلايا‏ ,‏ ونشاطها في تكوين أجهزة الجسم‏ ,‏ وبدء ظهور شق عصبي عميق عند نهاية الطرف الخلفي للجنين‏ ,‏ وتكون عدد قليل من الفلقات‏ ,‏ ووضوح ثنية الرأس‏ ,‏ لينتقل هذا الطور إلى الطور الذي يليه وهو طور المضغة الذي سوف نناقشه في مقال قادم بإذن الله‏ .‏
من هذا الاستعراض يتضح لنا أن الوصف القرآني لمراحل الجنين في الإنسان يبلغ من الدقة والشمول والكمال ما لم يبلغه العلم الحديث‏ ,‏ وهذا الوصف الذي أنزل من قبل أربعة عشر قرنا‏ ,‏ في زمن لم يكن متوفرا فيه أي من وسائل الرؤية‏ ,‏ أو التكبير‏ ,‏ أو التصوير يعتبر من أعظم جوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله‏ ,‏ وهو إعجاز يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه المحيط بكل شيء‏ ,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية‏ . .‏ وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها‏ .‏






ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قديم 2010-11-20, 09:26   رقم المشاركة :2
معلومات العضو
سوم12
عميد
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
سوم12 is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه


سوم12 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-11-20, 10:53   رقم المشاركة :3
معلومات العضو
أسيرالشوق
الإدارة
 
الصورة الرمزية أسيرالشوق
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
أسيرالشوق is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


سبحان الله العظيم

سبحان الله وبحمده




أسيرالشوق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-11-20, 17:47   رقم المشاركة :4
معلومات العضو
ali harbi
الإدارة
 
الصورة الرمزية ali harbi
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
ali harbi is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

إرسال رسالة عبر MSN إلى ali harbi
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


مشكوووووور والله يعطيك العافيه
بارك الله فيك على الطرح الرائع
تحياتي


ali harbi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-11-20, 21:45   رقم المشاركة :5
معلومات العضو
عبدالقوى
الإدارة
 
الصورة الرمزية عبدالقوى
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
عبدالقوى is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

إرسال رسالة عبر MSN إلى عبدالقوى إرسال رسالة عبر Yahoo إلى عبدالقوى
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

سبحان الله


__________________
((مصر فجر التاريخ و فخر العرب))
منورة يا مصر ...

كل تحياتى للغالى
الاستاذ عوض الغامدى


عبدالقوى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-11-22, 07:44   رقم المشاركة :6
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


شكرا على المرور العطر
بارك الله فيكم


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-07, 11:12   رقم المشاركة :7
معلومات العضو
عوض الغامدي
دائما معكم
 
الصورة الرمزية عوض الغامدي
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
عوض الغامدي is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


عاجز عن شكرك على موضوعك الرائع .... بارك الله فيك و أحسن الله إليك

أحسنت .... الله يعطيك الف عافيه

جزاك الله كل خير و أحسن الله إليك


عوض الغامدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:32

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها .. ولا تعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى بأي شكل من الأشكال



ساهم معنا
تبرع لتساعد على الاستمرار ومواصلة تعريب البرامج للعالم العربي.
ساهم في صمود وبقاء ونشر اللغة العربية في العالم من أجل الأجيال القادمة.
تودع مبالغ التبرعات في احد الحسابات التالية
اسم البنك
رقم الحساب
بنك الراجحي _ من خارج السعودية
IBAN - SA2880000141608010128882
بنك الراجحى _ من داخل السعودية 141608010128882



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimisation provided by DragonByte SEO (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لموقع منتديات عميد التعريب 2010 - 2017 ©