العودة   منتديات عميد التعريب > >

الملاحظات

الشريعة و الحياة كل الديانات و المذاهب لها الحق في النشر هنا بدون تجريح لأي ديانة أو مذهب آخر



إضافة رد

قديم 2010-11-10, 02:52   رقم المشاركة :1
معلومات العضو

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي الرياء وحب الظهور


الرياء وحب الظهور
سلسلة أمراض وعلل
طريف السيد عيسى


- 1 - حب الظهور والسعي نحو المسؤولية
ليس غريبا أن يحرص أهل الدنيا على المسؤولية وحب الظهور , فهؤلاء لايعملون لآخرتهم , فتلك دنياهم التي يتنافسون عليها .
لكن الغريب أن يتسلل هذا الداء لساحة الدعاة والعاملين في حقل الدعوة الإسلامية , حتى يصبح هذا المرض مسيطرا على صاحبه , فلا يتحرك إلا لتحقيق التسلق والوصول للمسؤولية .


وللأسف الشديد إن بعضا ممن ينتسبونإلى الدعوة الإسلامية اليوم يتعاملون مع الدعوة ورجالها بمنطق أبي عامر الفاسقوهو رجلترهب في الجاهلية زعما منه أن يهيئ نفسه للرسالة ،فهو لا ينشط في دعوته إلا إذا كان هو صاحب الإمارةوصاحب المنزلة ، صاحبالتوجيه ،صاحب المقام في قلوب الخلق هو القائل ، وهو المتحدث ،هو الذي يجب أن يشار له بالبنان ,هو الذي يجب أن يظهرويتقدم , هو القائد . المهميكون :هو فقط !!


فإذا كان الأمر كذلك كان النشاط والحركة ،والدعوة والهمة العالية ، العمل الدائب وربما يغلف كل ما سبق من عملوحركة بشيء منالتواضع ، والزهد الزائفين فإذا اهتزت في نفس هذا النمط من الدعاة (أنا) فوجد نفسهنزل من موضعإلى موضع ، أو سبقه من هو دونه، أو لم يحز ما ترنو إليه نفسه ، انقلبتالأمور وهدأت الحركة , وانطفأت شعلة النشاط وبردت جذوة الأمل , وانكفأ إلى بيته ,وعلى أحسن الأحوال أخذ إجازة من الدعوة , تنم عن غضب ومشاحنة ينطوي عليها الصدر , وقد يسوء الحال عن ذلك , فتكون الردة والنكوص عن الطريق كله , ثم
يبدأ البحث عن طريق آخر فيه أنا وأنا فقط .


( الناس هلكى إلا العالمين ، والعالمون هلكي إلا العاملين ، والعاملون هلكى إلا المخلصين ، والمخلصون على خطر عظيم – الإمام الغزالي .
حكمة عظيمة ومقولة جليلة أدركها المصلحون وعاشوا بها وربوا أبناء الأمة عليها ، فكانت الأجيال المؤمنة المغمورة ، التي لا تتبوأ المراكز الاجتماعية المرموقة، ولا تتمتع بصيت ولا شهرة ، ولكن الواحد منهم أقوى نصير للدعوة وأعظم حارس للفكرة ، فهو صاحب مبدأ يدافع عنه ويضحي في سبيله ، ويتجرد له وأمين على العمل والصف الذي ينتمي إليه ، وبأمثال هؤلاء ثبتت الدعوة في أوقات المحن ، وتجاوزت كل الصعاب ، واستعصت على الإقصاء ، إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم فكتب الله لهذه الدعوة البقاء ، فامتدت طولا حتى شملت آباد الزمن ، وامتدت عرضا حتى وسعت آفاق الأمم ، وامتدت عمقا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة . ) الإمام حسن البنا .


ولخطورة هذا المرض أود طرحه مساهمة في عملية التشخيص والعلاج , وسيتم تناول الموضوع من خلال المحاور التالية :
أولا – معنى الرياء وحب الظهور وحكمه .
ثانيا – أعراض ومظاهر وأسباب حب الظهور .
ثالثا – علاج حب الظهور والسعي نحو المسؤولية .
رابعا – نتائج حب الظهور والسعي نحو المسؤولية .
خامسا – نقاط لابد منها .


- 1 -
أولا – معنى الرياء وحب الظهور وحكمه :
الرياء , حب الظهور , السعي نحو الشهرة , حب المديح والثناء والإطراء , كلها مترادفات ترتبط ببعضها وتعطي مفهوما واحدا لها .
الرياء لغة :هو مصدر راءى , وحقيقته لغة أن يري غيره خلاف ماهو عليه .
الرياء شرعا : أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله تعالى , أو يخبر بها أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي .
وجاء في فتح الباري : الرياء مشتق من الرؤية , والمراد به إظهار العبادة ليراها الناس فيحمدوا صاحبها – فتح الباري ج 11 ص 443.
وقيل أيضا : الرياء مأخوذ من الرؤية , والسمعة من السماع , وحد الرياء المذموم إرادة العامل بعبادته غير وجه الله
تعالى

حكم الرياء :
( الرياء من الشرك الأصغر، لأن الإنسان أشرك في عبادته أحداً غير الله، وقد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد مثَّل ابن القيم رحمه الله للشرك الأصغر بـ: "يسير الرياء"، وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر.
قال الله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}، والعمل الصالح ما كان صواباً خالصاً، والخالص ما قصد به وجه الله، والصواب: ما كان على شريعة الله، فما قصد به غير الله فليس بصالح، وما خرج عن شريعة الله فليس بصالح ويكون مردوداً على فاعله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" الحديث.) من فتاوى الشيخ محمد صالح العثيمين .
(ذكر الذهبي الرياء ضمن كبائر الذنوب .. وعده ابن حجر الكبيرة الثانية بعد الشرك بالله(
(اعلم أن الرياء حرام والمرائي عند الله ممقوت وقد شهدت لذلك الآيات والأخباروالآثار‏.‏) الإمام الغزالي – إحياء علوم الدين .


ثانيا – أعراض ومظاهر وأسباب حب الظهور :
لكل مرض أعراض تدل عليه , وكذلك مرض حب الظهور فله أعراض ومظاهر تدل عليه , ويمكن ذكر بعض منها على سبيل المثال لا الحصر :


الأعراض والمظاهر :
1- تتبع الرخص , والفتاوى الشاذة .
2- عند الحديث يكثر من ذكر الضمائر : ( أنا , نحن ) ويكثر من ذكر ( لي , عندي , رأي .... ) .
3- الإكثار من سرد المواقف الشخصية .
4- التذمر عند ذكر منجزات الآخرين , ومحاولة تغيير الموضوع أو محاولة ذكر إنجازاته فقط .
5- محاولة تبني بعض الإنجازات بالكامل , علما أنه يكون له دور بسيط في الإنجاز .
6- الإنزعاج عندما تسند أي مسؤولية لغيره .
7- الإنتقاص من قدرات الآخرين الذين يشاركونه نفس العمل .
8- محاولة نسبة كثير من النجاحات لنفسه .
9- محاولته التصدر في المجالس العامة .
10- إقحام نفسه بكل أمر حتى لو كان لايملك به أي خبرة أو معرفة .
11- إشعار الناس وخاصة المسؤولين أنه صاحب رؤية وخبرة .
12- الثرثرة وكثرة الكلام بحضور شخصيات معروفة .
13- محاولة التقرب للشخصيات المسؤولة وبأي وسيلة .
14- الظهور المفاجئ عند حضور شخص صاحب مسؤولية أو له مكانة إجتماعية .
- 2 –


الأسباب :
1- إنعدام الصدق والإخلاص :
الصدق أمر لازم لكل مسلم , فيجب أن يتمثله في القول والفعل , وفي كل تصرف , فيكون صادقا بلسانه , صادقا في المعاملة , صادقا في النية والإرادة والعزيمة , صادقا في حاله فلا يظهر خلاف مايبطن , صادقا في كل مايتعلق بأمور الدين .

وتكمن أهمية الصدق للمسلم في انه يدخل في كل أمر من الامور، فالعبادة لا تصح الا بالصدق، وكذلك المعاملة والخلق والادب وغير ذلك فاذا فقد الصدق في أمر ما فقد الركن الاعظم الذي لا يصح الشيء الا به، ولهذا جاءت النصوص في الكتاب والسنة تأمر بالصدق وتحث عليه وتأمر بلزوم أهله.

قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوااللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) .
(قال الحارث المحاسبي : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق منأجل صلاح قلبه , ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ولا يكره أن يطلعالناس على السئ من عمله ، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذامن علامات الصادقين .) ابن القيم – مدارج السالكين 2/289
( لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كمايجتمع الماء والنار .) ابن القيم : الفوائد- ص267.

ومهما عمل الإنسان وقدم وضحى فبدون الإخلاص يكون العمل هباء منثورا , فليتعظ كل من يعمل لغير الله , فهو يتعب وينصب ولن يجد يوم الحساب لاجزاء ولا شكورا , لأنه أخذ أجره في الدنيا .

يقول الله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتهمنها وماله في الآخرة من نصيب)
(و لحديث أبي هريرة : قال الله عز وجل : أنا أغنى الشركاء عنِالشرك، فمن عمِل لِي عملاً أشرك فيه معي غيري، فأنا منه بريءٌ، و هو للذي أشرك) أخرجه مسلم

(يقول الشيخ يوسف القرضاوي واصفا الإخلاص : شعبة أساسية من أرفع شعب الإيمان، ومقام من أعظم مقامات الدين، وخلق من أجل أخلاق الربانيين، هو (الإخلاص) الذي لا يقبل الله عملا إلا به، فبغيره لا يكون العمل مرضياعند الله تعالى، كما قال سليمان عليه السلام: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ - ).

فا لإخلاص هو أصل الدين وقاعدته , وهو الركن الأول لقبول العمل , وهو روح العمل وأساسه .
ويحتاج الإخلاص لمداومة مجاهدة النفس حتى لانخسر نتيجة العمل .
فقبل العمل لابد من تحرير وتصفية النية ليكون العمل خالصا لله تعالى وبعيدا عن طلب ملاحظة البشر .
وأثناء العمل يجب المحافظة على صفاء ونقاء النية مهما لاحظنا من اهتمام البشر .
وبعد العمل , نتهم النفس بالتقصير مهما عملت .

( آفة العبد رضاه عن نفسه , ومن نظر إلى نفسه باستحسان شئ منها فقد أهلكها , ومن لم يهتم بنفسه على دوام الأوقات فهو مغرور )
(يقول الفضيل بن عياض موضحا مفهوم الإخلاص :ترك العمل لأجل الناس رياء , والعمل لأجل الناس شرك , والإخلاص أن يعافيك الله منهما ) .
( وقال أحد السلف : واعجبا من أهل الرياء ! على من يبهرجون .. وربك يعلم ماتكن صدورهم ومايعلنون , غلب على المخلصين الخشوع , فجاء المرائي يبهرج فقيل : مهلا فالناقد بصير , لما أخذ دود القز ينسج جاء العنكبوت يتشبه , فنادى لسان الحال :
إذا اشتبهت دموع في خدود ------ تبين من بكى ممن تباكى )
( قيل لذي النون المصري : متى يعلم العبد أنه من المخلصين ؟ فقال : إذا بذل المجهود في الطاعة , وأحب سقوط المنزلة عند الناس )
( قيل ليحيى بن معاذ : متى يكون العبد مخلصا ؟فقال : إذا صار خلقه كخلق الرضيع , لايبالي من مدحه أو ذمه )


2- خلل في التربية والتعليم :
هناك قسم من المربين يركزون على جانب معين من أمور الدين , ولا ننكر أن كل شئ مهم , لكن الدين شامل لكل شئ , فلا يجوز إهمال دورتزكية النفس , ولا الرقائق والآداب , فما الفائدة أن تقف أمام مسلم يحفظ ما يحفظ من العلم , لكنه كيفما تحرك يلتفت يسرة ويمنة ليراه الناس !!!
(علمتنا التجارب أن الدعوة لا تسود ولا تنتشر ولا تعلو كلمتها بتجار المبادئ الذين لا يعملون إلا ليغنموا ويستفيدوا في الدنيا ، ولا بالمرائين الذين لا يعملون إلا ليراهم الناس ويسمعوا بهم ويتحدثوا عنهم ويشيروا إليهم بالبنان ، بل تنتصر الدعوة بالذين يعتنقون المبادئ مؤثرين لا متأثرين ، مضحين لا مستفيدين ، معطين لا آخذين ، وصفهم
الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله : إن الله يحب من عباده الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا
لم يفتقدوا ، أولئك مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة "
ووجه ابن مسعود تلامذته للمعنى نفسه قائلا " كونوا ينابيع العلم ، مصابيح الهدى ، أحلاس البيوت ، سرج الليل ، جدد القلوب ، خلقان الثياب ، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض " ، فتسابق القوم في إخفاء طاعاتهم ، وكان المخلص فيهم من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ، واشتهر علي بن الحسين رضي الله عنه بين الناس بالبخل وبعد موته علم الناس بأنه كان يكفل مائة بيت من بيوت المسلمين ،
ووصف الحسن البصري هؤلاء قائلا " أدركت أقواما كان الرجل ليجلس مع القوم وإنه لفقيه وما يشعر أحد به حتى يقوم ، وإن كان الرجل ليجمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة وما يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبداً " هي ليست دعوة للانطوائية والعزلة - فقد كان قائلوها قادة الدعوة والإصلاح والحركة في المجتمع - ولكنها دعوة اليقظة أمام شهوات النفس الخفية . ) الإمام حسن البنا .
فلابد أن تكون عملية التربية والتوجيه والتعليم , شاملة ولا تقتصر على جانب معين , ويتم التركيز على معاني الصدق والإخلاص , ومجاهدة وتزكية النفس , والتجرد لله تعالى .


3- التوهم بأن خدمة الدين لاتكون إلا بالمسؤولية :
الذين يسعون حثيثا نحو المسؤولية , يبررون للنفس أنه لايمكن العمل وخدمة هذا الدين إلا من خلال التصدر للمسؤولية .
فتراه يزاحم الآخرين , ويتصرف بعض التصرفات التي تؤكد سعيه للمسؤولية , وما إن يصبح صاحب مسؤولية حتى تكتشف أنه لايملك أية قدرات كما كان يدعي ويقول .
هذا الخلل لايتحمله صاحب حب الظهورلوحده بل أصحاب الشأن , عندما لايميزون أثناء عملية الفرز بين من لديه خبرة وكفاءة حقيقية وبين من يدعي ذلك مجرد ادعاء .
وهناك خلل ايضا يقع به أصحاب الشأن , وهو عدم تقديم صاحب التخصص , فمما هو منتشر في ساحة العمل الإسلامي , أنك تجد الشيخ هو الإمام , وهو خطيب الجمعة , وهو الذي يجب ان يكون صاحب القرار في العمل الإداري , وهو يجب ان يكون في كل شئ , وهذل خلل كبير يجب معالجته من خلال تقديم الشخص المناسب للمكان المناسب .
وهناك من يتقدم للمسؤولية وهو ليس بأهل لها , ولأنه صاحب مشاكل ويثير القلاقل فيضطر أصحاب القرار لتقديمه
وبعد فترة يكتشفون الخطأ الفادح الذي وقعوا به , فيعملون على محاولة عزله , فيكتشفون حقيقة هذا الشخص وشدة غضبه فقط لأنه ليس أهلا لتلك المسؤولية فينقلب نمرا متوحش , ويبدأ بعمل التكتلات والمجموعات داعيا للتغيير ,
كون أصحاب القرار ديكتاتوريين , ولا ندري لماذا لم يصحوا إلا عندما اصبح خارج نطاق المسؤولية .
فكم من خفي تقي عمل لهذا الدين وضحى ولم يعلم به أحد إلا بعد وفاته .
فمن أراد أن يعمل ويدعوا فساحة العمل مفتوحة , وليس شرطا أن يكون الإنسان مسؤول حتى يعمل .
(وفي أحد مؤتمرات الدعوة أراد بعض المغرضين إفشاله فقاموا بالهتاف ضد الإمام قائلين يسقط حسن البنا, فثار شباب الإخوان عليهم ، فوقف الإمام البنا هاتفا من فوق المنصة : يسقط حسن البنا ، ثم توجه للجميع قائلا : إن اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون )
( وقيل حب الأضواء ، و شهوة امتطاءصهوة الجياد من الدوافع القوية إلى الرياء, وقد تفطنّ لذلك عابد الحرمينحين جزم قائلا : ما أحب أحد الرئاسة إلاّأحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال ، و يكره أن يذكرالناس أحدا عنده بخير !! و منعشق الرياسة فقد تُودّع من صلاحه ) .


4- الغيرة والغرور من وعلى الأقران :
هناك من تقتله الغيرة من أقرانه الذين وصلوا لمسؤولية ما وهو لم يصلها , فتراه يحاول المستحيل بطريقة مباشرة وغير مباشرة من أجل الوصول لمسؤولية مثلها .
إن ساحة العمل تضم أصناف شتى , ومستويات مختلفة , وأصحاب طاقات محدودة ,وأصحاب طاقات جبارة , ومع ذلك تجد من بين هؤلاء من لايعرف قدر نفسه , ويقارن نفسه مع غيره , فيجد من هو أعلم , ومن هو أقدر منه , فتصيبه الغيرة التي تدفع به نحو التسلق ولو على حساب جثث الآخرين
والغيرة المعتدلة خلق طيب، وهو أحد صفات النفس التي وضعها خالقها تعالى فيها ليؤهلها لحسن الانتفاع بالكون والتمتع به، لأنها تدفع الناس إلى التنافس في الخير والانطلاق في الحياة واستكشاف ما خفي فيها، فيسعدوا في دنياهم ثم آخرتهم بأعلى الدرجات في الجنة إذا استحضروا لانتفاعهم هذا النوايا الصالحة لنفع النفس والآخرين.
لكن الغيرة إذا زادت عن حد الاعتدال أصبحت حالة مرضية تحتاج إلى علاج.
وفي حالة الغيرة فعلى أصحاب الشأن مراعاة ذلك وملاحظته لدى الغيور طالب المسؤولية , فمطلوب منهم العدل
في معاملة الغيور كما يتعاملون مع غيره من أصحاب المسؤوليات , أما تسليمه مسؤولية ما فهذا لايجوز لأن العمل ليس من أجل إرضاء فلان وعلان , والعمل ليس ملكا خاصا ولا مزرعة ليتم توزيع المناصب هكذا مزاجيا , بل يتم الإختيار على أسس علمية من الخبرة والكفاءة .
ومن المؤشرات على الغيرة لدى طالب المسؤولية , أنك تجده ما إن يرى مسؤول صاحب قرار حتى يحاول التقرب منه وملاصقته وملاطفته , عله يحظى بقربى أو بمسؤولية ما , أو ظنا بأنه سيسبق الآخرين .
( قال صلى الله عليه وسلم بعد ان بصق على كفه بصقة ووضع إصبعه عليه . يقول الله تعالى : ابن آدم تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا ؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد ؟ جمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ).

إنه الغرور !!!


( أخرج الدينوري عن محمد بن عمران المخزومي عن أبيه قال : نادى عمر بن الخطاب رضي الله عنه , الصلاة جامعة , فلما اجتمع الناس وكثروا , صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس : لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب فأظل يومي وأي يوم ... ثم نزل , فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين مازدت على أن قمئت نفسك – يعني عبتها وحقرتها – فقال : ويحك يا ابن عوف ... إني خلوت فحدثتني نفسي فقالت : أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك ... فأردت أن أعرفها نفسها )
فصاحب الغرور يحمل نفس طامعة , وقلب مريض , وإيمان ضعيف , ولا مانع لديه أن يعمل في الخفاء وخلف الأبواب المغلقة لتدمير الآخرين والتسلق عن طريق الفتن من أجل خطف الأضواء ولفت النظر إليه والإهتمام به .
( يقول الإمام الغزالي : إعلم ان من غلب قلبه الجاه صار مقصورا لهم على مراعاة الخلق , مشغوفا بالتودد إليهم والمراءات لأجلهم , ولا يزال في أقواله وأفعاله متلفتا إلى مايعظم منزلته عندهم , وذلك بذر النفاق وأصل الفساد , ويجر ذلك إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها , وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى إقتناص القلوب )


ثالثا – علاج حب الظهور والسعي نحو المسؤولية :
لايكفي أن نتحدث عن حب الظهور وخطورته وآثاره السلبية , بل لابد من المعالجة على مستويين , نظري وعملي
ويمكن ذكر بعض الأمور التي تسهم في العلاج .

1- النصيحة والمصارحة :
المسؤولية أمانة , ومن معاني الأمانة وضع الشيء في المكان الجدير به واللائق له، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها، فلا اعتبار للمجاملات والمحسوبيات، حتى الصحبة لا ينظر إليها, انظروا إلى أبي ذر رضي الله عنه:
( حين قال في الحديث الذي رواه مسلم: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب يده على منكبي، ثم قال:
يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)
فمهما تنوعت سبل الاتصال ووسائل الدعوة والتأثير.. فإن الكلمة الصادقة والنصيحة المباشرة المخلصة ستظل تحتل مكانة عالية وأساسية في عالم الدعوة.
وإن المقصود بنصيحة عامة المسلمين كما جاء في الحديث : إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى
عنهم، وتعليمهم ما يجهلونه من دينهم، وإعانتهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم،
وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وتنشيط هممهم إلى الطاعات.
والمصاب بداء حب الظهور أحد عامة المسلمين وربما لايدري أنه مصاب بهذا المرض , لكن من حوله يرون ذلك واضحا جليا , فعليهم مناصحته بهذا المرض سرا وبأسلوب لين وشفوق فيشعر أن الناصح لايريد له إلا الخير .
ولا يجوز ترك المريض حتى يتأصل المرض فيه وعندها يصبح العلاج شاقا وصعبا , فهذه السلبية مرفوضة بالعمل العام .
(وروي أن سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ طالما دعا ربه قائلاً: رَحِمَ الله امرأً أهْدَى إليَّ عيوبي)
ولابأس أن يتولى النصيحة والمصارحة شخص مقرب جدا من المنصوح وفي نفس الوقت يكون صاحب هيبة ومكانة , وأن يختار الوقت المناسب لها .
وفي حال استحالة النصح يشكل مباشر , فيمكن طرح الموضوع في جلسة عامة , وعندها يشعر صاحب المرض بما هو عليه من حب الظهور والرياء والسعي نحو المسؤولية .
(قال على رضي الله عنه : المؤمنون نصحة والمنافقون غششة ، وقال غيره : المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير)


2- التركيز والتوجيه نحو التربية الإيمانية :
الواجب على القائمين على العمل إذا لاحظوا طغيان حب الظهور والسعي نحو المسؤولية , أن يقوموا بعملية تربية وتوجيه مركزة حول معاني : الصدق والإخلاص , التجرد لله تعالى , التواضع , نكران الذات , القناعة بأن العمل الجماعي هو السبيل نحو التقدم والتطور في العمل .
(روى البخاري . قال صلى الله عليه وسلم :طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله , أشعث رأسه , مغبرة قدماه , إن كان في الحراسة كان في الحراسة , وإن كان في الساقة كان في الساقة , إن استأذن لم يؤذن له , وإن شفع لم يشفع )
فالتربية الإيمانية ..هي تلك التربية التي تطهر القلب وتزكيه فلا يكون له تعلق بمال أو جاه أو سلطان أو رفعة أو مكانة أو شهرة


3- التقليل من المدح والثناء :
عند الثناء على أي شخص لابد من مراعاة حالة الشخص , فهناك أشخاص كلما مدحتهم كلما عملوا على التجرد لله تعالى وجاهدوا النفس لتزكيتها وجعل سكناتها وحركاتها خالصة لله تعالى .
بينما هناك أشخاص كلما بالغت بمدحهم والثناء عليهم , كلما كنت عونا للشيطان عليهم , حيث يصيبهم الغرور , ويعتقدون أنهم أصبحوا أفضل ممن حولهم , وبالتالي لابد أن تؤول المسؤولية لهم .

(ويقول ابن القيم رحمة الله عليه :لايجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدحوالثناء والطمع فيما عند الناس ، إلا كما يجتمعالماء والنار والضبُّوالحوت .
فإذا حدَّثتك نفسُك بطلب الإخلاص ، فأقبل على الطمع أولاً فاذبحهبسكين اليأس ، وأقبلعلى المدح والثناء فازهد فيهما زُهد َ عشَّاق الدنيافي الآخرة .

فإذا استقام لك ذبحُ الطمع والزهد في الثناء والمدح ، سَهُلَعليك الإخلاص.
فإن قلت : وما الذي يُسهِّل عليَّ ذبح الطمع والزهد في الثناءوالمدح ؟
قلت : أما ذبح الطمع ، فيُسهِّلُه عليك علمك يقيناً أنه ليس من شيءيطمع فيه إلا وبيد الله وحدهخزائنه ، لايملكها غيره ، ولايُؤتي العبد منهاشيئا سواه .

أما الزهد في الثناء والمدح ، فيُسهِّله عليك علمك أنه ليس أحدينفع مدحه ويزين ، ويضرُّ ذمُّهويشين ، إلا الله وحده .
ولن يقدرأحدٌ على ذلك إلا بالصبر واليقين ، فمتى فقدنا الصبر واليقين كنا كمن أراد السفرفي البحر في غير مركب)

وعندما يصل المدح للحد الذي يصبح فتنة على الممدوح , فهنا الواجب على الممدوح ان يطلب من المادح التوقف
فلا يجوز مدح من لايستحق المدح , كما لايجوز المدح للحد الذي يجعل النفس تطرب للمديح وتطلب المزيد , وكثرة المديح تؤدي لتطاير رذاذ الرياء والإعجاب بالنفس .

( روى الإمام مسلم . عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال فقال : ويحك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مرارا , إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لامحالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحد , أحسبه إن كان يعلم ذاك كذا وكذا )

لكن ذلك لايعني عدم المدح نهائيا , بل يكون المدح بقدر لايؤدي لفتنة الممدوح , وأيضا لابد من الشكر والثناء لمن يستحقه .
( قال صلى الله عليه وسلم : من أسدى إليكم معروفا فكافؤوه , أو كما قال عليه الصلاة والسلام )


4- إعتماد قواعد وأسس للإختيار :
قلنا أن المسؤولية أمانة , ولابد أن تتم عملية الإختيار من أصحاب الخبرة والكفاءة والإختصاص .
بل ربما أحيانا يضطر أصحاب القرار بعدم وضع شخص بعينه في مسؤولية محددة حتى لو كان صاحب خبرة وكفاءة كونه شخص متمرد ومتعب ويريد ان يظهرويتدخل في كل شئ ولا يحترم القسم المسؤول عنه , فمثل هذا الشخص يستفاد منه دون أن يكون في موقع المسؤولية .
ويجب التنبه للمجاملات في إختيار الأشخاص لتحمل المسؤوليات , وأحيانا يصل حد المجاملة أن تجد أصحاب القرار يختارون شخص معين فقط لأنه متعب ويسبب لهم مشاكل فيشترون صمته بهذا المنصب , هذا التفكير يعتبر كارثة في العمل الإسلامي .
( روى الإمام البخاري . قال صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة ).

إن الشخص الغير مؤهل للمسؤولية فتكون فتنة له , فما إن يتعرض لهزة بسيطة حتى يكتشف أصحاب القرار تضخم حب الذات والأنا والظهور عنده .

( يقول المفكر الإسلامي المعروف فتحي يكن في كتابه المتساقطون : أعرف إنسانا تسلق جدار الدعوة بدون جدارة وأصبح داعية قبل الأوان ... وكان يشكو ويعاني من علل وأمراض شتى ... أقلها العجب ومنها حب الظهور ... ولما علت منزلته وارتفعت درجته وارتفع معه عجبه ومكانته لم يعد من الممكن السيطرة عليه وضبطه , مما أدى في النهاية إلى سقوطه وخسارته )
( ويقول أيضا في نفس الكتاب : أحد الإخوة جاء مستاء في أعقاب إجتماع ضمه مع وفد رسمي حيث جاء ترتيب إسمه في الخبر الذي أعطي للصحافة متأخرا , فقال معاتبا : أولم يكن المناسب أن يكون ترتيب الأسماء على غير هذا النحو ؟ قلت : استعذ يا أخي من الشيطان الرجيم واتق الله واذكر قول رسولنا صلى الله عليه وسلم : إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله , أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية .)

5- أن يشعر بسعادة وفرح وانشراح بتفوق الآخرين في أعمالهم، ولا يبخل عليهم بكلمة ثناء وشكر.
6- أن يستشعر أن أي عمل يقوم به إنما هو من توفيق الله عز وجل.
7- أن يواظب على محاسبة نفسه بعد كل عمل لقياس مدى إخلاصه.
8- أن يدعو الله بعد كل عمل بالقبول، وليعلم أنه ربما فتح الله باب الطاعة ولكن لم يفتح له باب القبول.
9- أن يستوي لديه مدح الناس وذمهم؛ ذلك لأنه لا ينظر إلا لله عز وجل في عمله.
10- أن يستوي عنده عمل العلن والخفاء؛ فلا ينشط أمام الناس ويتكاسل إذا كان منفردا.
( روى الإمام مسلم . قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي ).


رابعا – نتائج ومفاسد حب الظهور والسعي نحو المسؤولية :
1- فساد النية , وكل عمل بلا نية صادقة ونقية فهو باطل ومردود على صاحبه .
2- اتباع الهوى ( قال الفضيل بن عياض : ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى , وتبع عيوب الناس , وكره أن يذكر أحد بخير ) كتاب جامع بيان العالم وفضله 1/571.
3- الحرمان من توفيق الله وعونه وتسديده ( فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها )
4- تعريض النفس للفتنة .
5- المسؤولية الشديدة يوم القيامة ( روى الإمام أحمد . قال صلى الله عليه وسلم . ما من أمير إلا ويؤتى به يوم القيامة مغلولا لايفكه إلا العدل , أو يوبقه الجور ) .
6- المداهنة والسكوت عن الخطأ , فالذي يستلم مسؤولية وهو ليس بأهل لها يسكت ويداهن حتى يبقى مسؤولا لأطول فترة ممكنة .
7- توقع سوء العاقبة في الدنيا، وحصول بلاء لا يؤجر عليه،( قال الذهبي: فكم من رجل نطق بالـحــــق وأمر بالـمـعــروف، فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده، وحبه للرئاسة الدينية)
8- الفرد والجماعة كلٌ منهما مؤثر في الآخر متأثر به، فإذا ما وقع الأفراد في مزلق حب الظهور والسعي نحو المسؤولية ، فإن الـــــداء عن الجماعة ليس ببعيد؛ إذ سرعان ما تفسد الأخوة، وتَحل الخلافات، ويسهل اختراق الصف الإسلامي، وتحصل الشماتة به وبأهله.


خامسا – نقاط لابد منها :
1- الشخص الذي يحب الظهور ويسعى للمسؤولية , يتبع أساليب غير مقبولة لدى الناس , مما يجعله غير مقدر عندهم , حتى لو بشوا وتبسموا بوجهه , وشخص من هذا النوع يكون كالسلعة المتدنية الثمن , فقيمته تتراوح بين الحاجة إليه وبين الإستغناء عنه .
2- مهما اتخذت من تدابير وبذلت من جهود للحد من ظاهرة حب الظهور , فسيبقى أشخاص يسعون لذلك , لكن بقاءهم لايجعلنا نيأس , وخاصة أن باب التوبة مفتوح .
( روى البخاري . قال صلى الله عليه وسلم : إنكم ستحرصون على الإمارة , وستكون ندامة يوم القيامة , فنعم المرضعة , وبئست الفاطمة ) .
3- لابد من الموازنة بين حب الظهور وبين تحمل المسؤولية بثقة وصدق وإخلاص .
إن أي عمل لايمكن ان يقوم ويستمر بدون مناصب ومسؤوليات , كما لايمكن قتل روح الطموح والتطور عند البشر , ولايمكن دعوة الناس للخمول والكسل والقعود .
لكن الأمر يحتاج لتوازن وفقه في الأنفس والناس .

فليس كل طالب للمسؤولية هو ممن يحب التصدر والظهور .
( يقول الإمام الغزالي :ولعل القليل البصيرة يرى ماورد من فضل الإمارة مع ماورد من النهي عنها متناقضا , وليس كذلك , بل الحق فيه أن الخواص الأقوياء في الدين لاينبغي أن يمتنعون من تقلد الولايات , وأن الضعفاء لاينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا , وأعني بالقوي الذي لاتميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في الله لومة لائم , وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم , وزهدوا في الدنيا وتبرموا منها , وبمخالطة الخلق قهروا أنفسهم وملوكها , وقمعوا الشيطان فآيس منهم , فهؤلاء لايحركهم إلا الحق , ولا يسكنهم إلا الحق , ولو زهقت فيه أرواحهم , فهم أهل نيل الفضل في الإمارة )

ويمكن الإستفادة من أصحاب الخبرات والكفاءة دون أن يكونوا على رأس أي مسؤولية .
( يقول ابن القيم : الناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه , فلا يضره أن يكون ذلك بسببه وأن يكون قدوة في الخير , أما طالب الرياسة فهو ساع في حظوظ دنياه , ولذا ترتب على قصده مفاسد لاحصر لها ) كتاب الروح ص 560-562 .
فالصادق المخلص تظهرقدراته دونما تلك الأساليب التي يتبعها عشاق حب الظهور , فيأتيه أصحاب القرار يطلبون خبرته .
( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) سورة يوسف – آية 55.

4- ليس بالضرورة أن كل شيخ يجب ان يكون هو المؤذن وهو الإمام وهو خطيب الجمعة , وهو مسؤول في الإدارة , وهو من له يد في كل شئ , فليس من أعطى درسا أو موعظة أو خطبة جمعة فأصبح اهلا للمسؤولية , بل هناك من يعتبر نفسه هو الأحق بالمسؤولية فقط لأنه شيخ !!!

5- بعض المسؤولين يعتقدون أن إبعاد صاحب حب الظهور عن المسؤوليات هو إقصاء , أو ان العمل سيخسر الطاقات .
عندما نحاول العلاج بكل الوسائل ولا تنفع , فليس أمام أصحاب القرار إلا : آخر الدواء الكي , لأن الأضرار التي ستنتج في حال بقاء صاحب حب الظهور والشهرة أكثر بكثير من تجريده من المسؤولية , لأنه سوف يعمل على إقصاء غيره ليثبت ذاته , وسوف يحاول فرض آرائه ليؤكد اهليته للمسؤولية , وهذا سيؤدي لخلافات ومشاحناتومن ثم تعطل العمل .
فالطبيب يمنع المريض من تناول طعام معين حفاظا على حياة المريض , وكذلك حجب المسؤولية عن المريض بحب الظهور يكون من أجل الحفاظ عليه وتربيته .

( ففي الحديث المتفق عليه . عن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي , فقال أحدهما : يارسول الله أمرنا على بعض ماولاك الله عز وجل , وقال الآخر مثل ذلك , فقال صلى الله عليه وسلم : إنا والله لانولي هذا العمل أحدا سأله أو احدا حرص عليه )
وختاما قصة تغني عن الكثير من القول :


إنها قصة صاحب النقب :
(حاصر المسلمون حصنا في إحدى غزواتهم إلا أن هذا الحصن لميفتح.. فقام قائد جيش المسلمين (مسلمة بن عبد الملك) مناديا.. من منكم سيدخل النقب (وهي فتحة إلقاء الفضلات والقاذورات إلى الخارج) فإن كتبت له الشهادة فاز بالجنةوإن كتبت له النجاة ذهب لباب الحصن فيفتحه ويكبر فيدخل جند الإسلام منتصرين بإذنالله.
فخرج رجل ملثم وقال أنا من سيدخل النقب.

تقدم الرجل من الحصن ودخلالنقب وسمع المسلمون صوت التكبير ورأوا البابيفتح فدخلوا وفتحوا الحصن.
يقفقائد المسلمين وينادي صاحب النقب ليخرج له.. إلا أنه لم يخرج أحد.. فيقف في اليومالتالي وينادي.. ولكن أحدا لم يخرج.. فيقف في اليوم التالي ويقسم على صاحب النقببأن يأتيه في أي وقت يشاء من ليل أو نهار.
وبينما القائد جالسا في خيمته إذ يدخلعليه رجل ملثم.. فيقول مسلمة: هل أنت صاحب النقب.. فيرد الرجل: أنا رسول منه وهويشترط ثلاثة شروط حتى تراه.. فقال مسلمة: ما هي.. فقال الرجل: أن لا تكافؤه علىفعله، وأن لا تميزه عن غيره من الجند، وأن لا ترفع اسمه للخليفة.. فقال مسلمة: لهما طلب.. فأماط الرجل اللثام وقال أنا صاحب النقب.
فكان مسلمة يدعوا بعدها: ربياحشرني مع صاحب النقب)

إنهم أناس يسيرونعلى الأرض,ارتقت قلوبهم حتى ارتبطتبخالقها, وارتفعت جباههم حتى لامست السحبفصاروا لا يرون أحداً منالبشر
هدفهم واضح... رضا الله وفقطلا غير .. الناس والبشرآخر همهم.

فلنكثرمن الدعاء الذي يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه.
والحمد لله رب العالمين .






ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قديم 2010-11-10, 03:07   رقم المشاركة :2
معلومات العضو
ali harbi
الإدارة
 
الصورة الرمزية ali harbi
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
ali harbi is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

إرسال رسالة عبر MSN إلى ali harbi
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


مشكوووووور والله يعطيك العافيه
بارك الله فيك على الطرح الرائع دائما مميز
تحياتي


ali harbi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-11-13, 06:10   رقم المشاركة :3
معلومات العضو
أسيرالشوق
الإدارة
 
الصورة الرمزية أسيرالشوق
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
أسيرالشوق is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


بارك الله فيك

شكرا لك على الموضوع الرائع


ألف ألف ألف مبروك الترقية

تستاهل أكثر من ذلك ونتمنى لك التوفيق


أسيرالشوق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-07, 11:18   رقم المشاركة :4
معلومات العضو
عوض الغامدي
دائما معكم
 
الصورة الرمزية عوض الغامدي
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
عوض الغامدي is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الشريعة و الحياة
افتراضي


عاجز عن شكرك على موضوعك الرائع .... بارك الله فيك و أحسن الله إليك

أحسنت .... الله يعطيك الف عافيه

جزاك الله كل خير و أحسن الله إليك


عوض الغامدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 00:07

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها .. ولا تعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى بأي شكل من الأشكال



ساهم معنا
تبرع لتساعد على الاستمرار ومواصلة تعريب البرامج للعالم العربي.
ساهم في صمود وبقاء ونشر اللغة العربية في العالم من أجل الأجيال القادمة.
تودع مبالغ التبرعات في احد الحسابات التالية
اسم البنك
رقم الحساب
بنك الراجحي _ من خارج السعودية
IBAN - SA2880000141608010128882
بنك الراجحى _ من داخل السعودية 141608010128882



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimisation provided by DragonByte SEO (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لموقع منتديات عميد التعريب 2010 - 2017 ©