العودة   منتديات عميد التعريب > >

الملاحظات

تاريخ و تراث التاريخ . المراجع المعتمدة. تعريف التاريخ. الفرق بين التاريخ والتأريخ, علاقة التاريخ بالعلوم الأخرى, المصادر التاريخية



إضافة رد

قديم 2010-12-28, 14:15   رقم المشاركة :1
معلومات العضو

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
المنتدى : تاريخ و تراث
Post الحضارة الإنسانية


الحضارة الإنسانية


أسطورة آلهات الفن


في الأساطير اليونانية يقال :



إن للفنون الجميلة تسع ربات هي ثمرات ليال من ليالي الحب بين أبيهن - تزوس- وأمهن فيموزيتا- هذه الربات تؤلف موكب شرف في حضرة أبولون وأمرهن لا يقتصر على الغناء للآلهات،‏

إنما تقضي الربات نهارهن عندما ينام الشعراء بالاستحمام في مياه الوعد الصافية في ينبوع عبقر وهذا الينبوع انحبس عندما ضرب الحصان العجيب بحافره سطح الجبل ضرباً إيقاعياً .‏

أما الليل ففيه آلهات الفن تهبط ملتفة برداء السحب وتأتي لتجلس عن نحو لا مرئي على مقربة من المصباح الذي ينير الظلام للفنانين وتحمل إلى من تلهمه الأفكار الجميلة ، والألفاظ المتناغمة ، هذه الجوقة الإلهية تعزف لتوحي بكل جوانب الابداع ، فيتجلى الشعر في أفكار بليغة، وبصورة شعرية نبيلة .‏

فالحب بحد ذاته خشن فقير يعوزه الجمال، وهو كائن وسط بين الالهي والإنساني ، بين الجمال والقبح ، بين الجهل والعلم وتتجلى وظيفة الحب في انجاب الجمال بحسب : الروح والجسد، والتغلب على الموت وبلوغ الخلود ، من هنا نشأ سر الحب لأنه ينطلق من حب جسد جميل ويرقى إلى الجمال الحسي ، ثم إلى جمال الروح حتى يبلغ الجمال المحض ، وهو الجمال الذي يملأ حضوره النفوس بنشوة غامرة .‏

وهو هذيان صادر عن افروديت ، آلهة الحب والجمال هذا الهذيان يتبع بنية النفس وظروفها لأن النفس خالدة، وكل حركة تتصل بها هي حركة لا نهاية لها، مثل الكواكب التي هي أكثر النفوس اتصافاً بالصفة الإلهية ، لأنها تجري في حركتها بنظام أبدي .‏

وكانت الأرواح تجري في السماء بصحبة الآلهة، ولكنها في بعض الأحيان تفقد أجنحتها فتسقط في الفراغ وتنحدر إلى أجساد الأحياء الفانين.‏

وعندما تلمح بعض الأرواح الحقيقية تتجسد في جسم الإنسان وهو الإنسان المبدع المحب للمعرفة والشغوف بحب الجمال .‏

فالحب ينشأ عن ذكرى الجمال الذي كانت النفس قد لمحته عندما كانت روحاً في صحبة الآلهة في السماء والهذيان الرائع للحب يعمل على أن تنبت أجنحة الروح فترقى نحو الجمال المطلق .‏

وربما في الأرض لا ندرك سوى سبحه ومحاكاته .‏

فالحب الحقيقي ينتزعنا من الجسد ويسمو بنا إلى الجمال المطلق، فيرقى المحب بالمحبوب حين يقوم بين الروحين ويظهر في قلب المحبوب حب هو صدى العاشق: وهذا سر الهام الفنان والمبدع .‏

ولكل فنان آلهته ، والآلهات هي الربات التي تخيلها الإغريق لأشكال الفن الكبرى ، ولأنماط المعرفة‏

هذا الاسم يدل على الآلهة .‏

وكما قال أفلاطون يدل على الهذيان وعلى الحس الناجم عنه، لذا يطلق اسم آلهة على الإلهام الذي يدين له الشعراء والفنانون .‏

مبدعو الآثار الفكرية العظيمة .‏

ونقول عن كل شاعر موهوب بأن آلهته تزوره ولكل فنان آلهة فنه، والآلهة جميلة في عيون الفنان، وتظل في نظره وحدها حقيقية ويظل يجهد في استرجاع آثارها وذكراها ويحس دائماً بحاجته إلى استطالة الساعة الأولى أو التذكر بها، ويتفانى كي يجددها دائماً في الساعات المبعثرة دونها، فهي وعد للمغامرة ، وهي ينبوع متيمته ومصدره، ووحيه، فينصب لها في فؤاده تمثالاً يعبده، ويخلقه بشتى الصور حتى إذا غابت الملهمة تغذى بذكراها .‏

والفنان يتجسد مثله الأعلى في شخص مرئي ويحلم بالكائن المحال المشخص بنقاوة الذات وحين يعجز عن إيجاده يخلقه على هواه فتجربة الفنان هي مزيج من عشق وترصد ، وجمال وهو دور الكشف الروحي في الحسي .‏

والفنان يزدهر ويزهو مع ملهمته دائماً، والمبدع يدهش بابداعه ، وبالأفكار والأعمال التي تستقي أصالتها من التجديد والابتكار، وذلك بمحاربة الجمود والتكرار، لأن التكرار المألوف وتقليده يقلص الشعور، ويمحو الدهشة والاستغراب ، فالإنسان حليف ما يألف .‏

الفنان الحقيقي يخلق حالة الدهشة في اللوحة أو القصيدة أو اللحن، ولا يجعلنا نرى اللوحة أو نقرأ الحقيقة أو نسمع اللحن، إنما يولد لدينا إحساساً بالجمال وشعورنا بالتواصل الدائم مع ابداعه، وهو يستكشف من عالم ذاته أو ما يسمى (بلغز الابداع)، والوحي والاشراق .‏

واستشفاف الجمال في كل ما يخلق من أنواع الفن هذا الاحساس يعيد إلى الرسومات بهاءها بالتغيير والتطور، فيبدع الأصالة في فنه ويجعلنا نعيشه ونحياه، ويشعر الفنان بالغربة عن المألوف في مجتمعه ، لأنه مجدد دائم يكسر بعض القيم ليقيم قيماً جديدة لم يألفها البشر، فيغدو منفياً عن زمانه وعصره فيبحث عن مصدر إلهامه، وينشد التواصل والاتحاد به مهما كانت الصعوبات التي تعترضه لأنه في هذا التواصل الروحي حقق الوجد مع سر إلهامه لذات كل مبدع يصطفي امرأة ويحبها ، ويجعلها سر إلهامه فالموسيقا ، والشاعر ، والمفكر، والرسام ، يخلد ملهمته من سحرها الخاص وأثرها في ابداعه ومنذ أقدم العصور شغلت مشكلة عبقر الذهن العربي وما زالت تراوح في فهم العبقرية وصلتها بالإلهام والعرب تقول : جن عبقر- شيطان عبقر .‏



ويقول الأصفهاني:‏

العرب نسبوا كل شيء في الجودة إلى عبقر حتى أصبح يقال: لم أرَ عبقرياً مثله- واختلفوا في فهم المعنى، وتعيين نسبته، فمنهم قال: إن عبقر في أرض اليمن، أو في اليمامة ومنهم قال: إن عبقر اسم جبل في الجزيرة العربية .‏

أما الياقوت - في معجم البلدان فيقول : لعل عبقر كان بلداً قديماً وتخرب، ولما لم يعرفوه نسبوه إلى الجن، ونسب كل شيء جيد إلى عبقر .‏



أما المعاجم اللغوية تقول :‏

إن عبقر قرية يسكنها الجن وينسب إليها كل عمل عظيم أما الأب الكرملي يقول :‏

إن عبقر يونانية الأصل وهي بمعنى - الحامية، القوية القديرة .‏

أما الشعراء فكانوا يزعمون أن الشياطين تلقى على أفواهها الشعر، ولكل شاعر شيطانه، ومن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود .‏



والعرب عرفوا صلة الشاعر بمصدر وحيه وهذا المصدر منهل العبقرية .‏

أما في العصور الحالية فكان الكشف عن جوهر الإلهام من الناحية النفسية من ذات الفنان المتواصلة مع ذات أخرى هي ربة شعره .‏

قال ميخائيل نعيمة: المهم عندي أن أخلق لا أن أتجسس على كل حس من أحاسيسي، وخلجة من خلجاتي، والثقافة العربية تلتقي بالثقافات الأخرى في نقطة عميقة تجعل الشاعر أو الفنان يستمد ابداعه من ذاته الإنسانية ، وتجربته الخاصة .‏

أما عند أفلاطون - فمشكلة الإلهام وقف على الأنوثة الخالدة ومفتاحها هو الحب وجوهره دائرة .‏

الفن كالحب حالة لا تفسير لها لأنه يسمو فوق الواقع ويصنع واقعه الخاص ، والفنان يلقي غايته في مجال آثاره ، فالرسام في رسومه يصبح ذاته كلها والشاعر في قصائده ، والموسيقار في ألحانه يقول بودلير - عالم الحب هو الخصب المستمر لولادة فن كبير، فالمبدع ينفق قدراً من الفن في الحب يعادل قدر الحب في الفن، ومعايشة الفن والحب تنشأ عنها تحولات عميقة في الطبيعة الخاصة بعناصرها .‏

ويقول مورياك- الفنان محبوس في دائرة الفن والحب .‏

وهناك تعايش مدهش بين الفن والحب وعشق الروح الجميلة فالحب هو الذي ينجب الجمال، ويصحب الفن وكأنه ايقاعه الموسيقي الطبيعي .‏

فالابداع الشعري والالهام والموسيقا والرسم تلتقي بأن الفن يتبع بنيته النفس المحبة لأن النفس خالدة وكل ما تنطوي عليه قصص الفنانين من اخلاص إنما هو اخلاص للفن .‏

ميكيل انجلو- طغى بآثاره مما لا تستطيع الصلاة أن تقوله وحدها، ألم يكن يتعبد بيديه ؟ ويصلي بإبداعه؟‏

ويبقى الحب مع ذات الفنان في قلب يحترق به ، وللفن موهبة قداسة الدموع .‏

وتبقى المرأة الأزلية التي تجسدت فيها آلهة الفن ويبقى الفنان يحب الوعد لا الكشف والأثر الفني هو انجاز هذا الوعد .‏



ويقول : أندريه جيد ، من لا يضحي بكل شيء في سبيل الفن لن يدخل ملكوت الخلود ، وهناك الكثير من قصص الحب وتأثيرها في الابداع سواء في الشرق أو الغرب ، لور وبترارك، فاغنر ومتيلد، قيس وليلى، جميل وبثنية، ولادة وابن زيدون ، غوته وليلى ، أوغست كونت وكلوتيد ... الخ‏





نشيد الخصوبة من بعل إلى عناة


«إني أقول لك أيها الأمير بعل، إني أكرر يا فارس الغيوم: هوذا عدوك يا بعل. هوذا عدوك سوف تقتله؛ ها أعداؤك سوف تفنيهم؛ ولسوف تفوز بالمُلْك إلى الأبد،‏ وتبسط سيادتك على الكل دوماً».

ثم أنزل كوثر هراوتين وأعلن اسميهما: أنت فليكن اسمك َ العاصف؛ اعصف بيم، ادفع به عن كرسيه؛ ادفع بالقاضي نهر عن عرش سلطانه. سوف تنطلق من يد بعل، وكالصقر تندفع من بين أصابعه، فتصيب كتفي الأمير يم، صدر القاضي نهر».



فانطلق السلاح من يد بعل، وكالصقر اندفع من بين أصابعه، فضرب كتفي الأمير يم، وصدر القاضي نهر. غير أن يم كان قوياً، فلم يلن ولم يضعف؛ لم تتخاذل مفاصله، ولم تهو قامته. فأنزل كوثر هراوة ثانية وأعلن اسمها: «أما أنتَ فليكن اسمك الصاعق. اصعق يم، ادفع به عن كرسيه؛ ادفع بالقاضي نهر عن عرش سلطانه؛ سوف تنطلق من يد بعل، وكالصقر تندفع من بين أصابعه، فتضرب يم في رأسه، تصيبه بين العينين».

فانطلق السلاح من يد بعل، وكالصقر اندفع من بين أصابعه، ضرب يم في رأسه، أصابه بين العينين؛ فتخاذلت مفاصله، وهوت قامته. ، من تخشاه الجموع، سلموا إليَّ بعل وغيومه؛ سلموا ابن داجون فأرث فأسه» فأجابه أبوه الثور إيل: «ليكن بعل عبداً لك إلى الأبد، يا يم. ليكن ابن داجون أسيرك أيها القاضي نهر؛ وكجميع الآلهة سوف يقدم لك الطاعة، نعم، وسيبذل لك التقدمات كأبناء القدوس». فأخذ بعل بيمينه حربة وبالأخرى خنجراً، وهَمَّ بقتل الرسولين.

ولكن عناة أمسكت بيده اليمنى، عستارت أمسكت بيده اليسرى: «كيف تصرع رُسُل يم؟ كيف تقتل مبعوثي القاضي نهر؟» هنا يهدأ غضب بعل ويرسل مع المبعوثين رسالة يدعو فيها يم إلى المنازلة، ثم يأخذ بالاستعداد للمعركة يساعده في ذلك إله الصناعة والحرف اليدوية المدعو كوثر - حاسيس (أي الماهر - الحكيم)، الذي صنع له هراوتين أمده بهما مع ابتداء الصراع واحداً بعد آخر.

دعا الأول «عاصف» والثاني «صاعق» وهو يقول له: جر بعل يم وشتته، قضى على القاضي نهر. في ذلك الوقت كانت عناة تقاتل أنصار الإله يم وتخوض في دمائهم. وبينما هي تقوم بتطهير نفسها من آثار المعركة، يبعث إليها بعل رُسله برسالة قوامها أنشودة غنائية تعد من عيون الأدب الأوغاريتي: عند قدمي عناة انحنيا واركعا، اسجدا وبجلاها وقولا للعذراء عناة، أعلنا لسيدة الأبطال رسالة بعل العلي، وكلمة بعل الظافر: «أن أقيمي في الأرض وئاماً، وابذري في التراب محبة، واسكبي السلام في كبد الأرض، وليهطل الحُب مخترقاً جوف الحقول، وإليَّ فلتسرع قدماك، تسابقي إليَّ تحملك ساقاك، فعندي كلمة أقولها لك، عندي قصة أسردها عليك؛ إنها كلمة الشجر ووشوشه الحجر، همسة السماء إلى الأرض، ونجوى البحار إلى النجوم؛ فأنا أفهم البرق الذي لا تدرك السماء كنهه، وعندي من الأسرار ما لا يدركه البشر؛ هلمي إليَّ فأكشف لك كل ما لديّ».

تطير عناة إلى بعل قاطعة مئات الأميال. وعندما يراها قادمة من بعيد يرسل جمعاً من النساء لاستقبالها، ويذبح من أجلها ثوراً ويحتفل بقدومها. ثم يطلب منها أن تتدخل لدى الإله إيل ليوافق على بناء بيت لبعل. والبيت هنا يعني المعبد الذي يرمز إلى قوة الإله وسيادته: «ليس لبعل بيت كبقية الآلهة، ولا هيكل كأبناء عشيرة؛ ليس له مسكن كإيل، ولا كبيوت أبناء إيل». فأجابت عناة العذراء: سيهتم أبي الثور إيل بالأمر، من أجلي سيهتم أبي بالأمر، وإلا رميته إلى الأرض كحملٍ صغير، وجعلت الدم يخضب شعره الأشيب، وجعلت النجيع يصبغ لحيته البيضاء».

ثم رفست عناة الأرض بقدميها، فارتجت الأرض، ثم توجهتْ نحو إيل، عند منبع النهرين، وسط مجرى الغمرين ودخلت حمى إيل، دخلت قصر الملك أبي السنين: «لا تفرح، ولا تبتهج بشموخ هيكلك، فبقوة ذراعي الطويلة أسحقك، أجعل الدم يخضب شعرك الأشيب، وأجعل النجيع يصبغ لحيتك البيضاء» فأجابها إيل من وراء غرفه السبع، من داخل غرفته الثامنة: «أعرفك أنيسة يا ابنتي، وأعرف أن ليس في الإلهات لؤم؛ فماذا تبتغين أيتها العذراء عناة» أجابت عناة العذراء: «عاقلة كلمتك يا إيل، وأبدية حكمتك. إن الظافر بعل ملكنا وقاضينا؛ ليس له بيت كبقية الآلهة، ولا هيكل كأبناء عشيرة» قبل أن يعطي إيل موافقته، تتدخل زوجته عشيرة وتتشفع لبعل أيضاً: أنت إيل العظيم، إنك حقاً لحكيم. لحيتك الرمادية، حقاً، توجه خطاك. هوذا بعل الآن سيبتدئ، موسم الأمطار، موسم الوديان التي يغمرها فيض الماء. سوف تردد الغيوم صدى صوته، ويضيء الأرض ببرقه. دعه يصنع بيته من خشب الأرز، دعه يرفع بيته من لبنات القرميد. يعطي إيل موافقته على بناء البيت، وتعود عناة بالأخبار السارة إلى بعل الذي يبدأ بجمع مواد البناء اللازمة من فضة وذهب ولازورد، ويكلف إله الحِرف والصناعة كوثر – حاسيس بعملية البناء. وفيما هما يناقشان المخطط يوصي كوثر بفتح نافذة في البيت، ولكن بعل يرفض الفكرة.

بعد الانتهاء من رفع هيكل بعل، يحتفل بعل بالمناسبة ويدعو الآلهة إلى وليمة عامرة، يقوم بعدها بجولة في أنحاء مملكته. ولسبب غير واضح، يغير بعل رأيه بخصوص النافذة ويطلب من كوثر بعد عودته أن يفتح له واحدة. ومن هذه النافذة التي توصف بشكل ملائم على أنها شق في الغيوم، يصدر صوت بعل هادراً راعداً، فتهتز الأرض، ويولي أعداؤه الإدبار. عندها يكتمل تتويجه ملكاً، ويبدأ بتنظيم دورة الفصول ويركب الغيوم يسوقها ليسقي بمطرها الأرض العطشى، وينزل الثلج في أوانه، ويبدو لأول مرة أن نظام الطبيعة قد استقر، بعد القضاء على قوى الفوضى والشَوَاش التي تهدده، واستتباب الأمر لبعل الملك.‏‏





البدء كانت الاسطورة

من أدب الحكمة الرافدي


وصايا وحِكَمْ وأمثال: إلى وقت ليس بالبعيد كان سفر الأمثال في التوراة العبرانية يُعَدُّ أقدم مجموعة من الحِكَمْ والأمثال التي دونها الإنسان. وعندما بدأت آثار الحضارة المصرية القديمة تتكشف من تحت التراب تم العثور على مجموعات من أدب الحكمة تسبق سفر الأمثال بقرون كثيرة.

ثم جاء اكتشاف الحضارة السومرية ليعرفنا على أقدم مجموعات أدب الحكمة في التاريخ الإنساني. ولكن لسوء الحظ فإن الرُقُمْ التي وصلتنا من هذه المجموعات متشظية وغير صالحة للقراءة في معظمها. إن النص المعروف بعنوان «وصايا شوروباك»، على سبيل المثال، ترجع أصوله إلى نحو عام 2500ق.م، ولكن لم يصلنا منه إلا بضعة سطور من افتتاحيته على الرغم من أنه كان يحتوي في الأصل على نحو مئتين من السطور.

في هذا النص، يقدم شوروباك ابن أوبارا توتو، بطل قصة الطوفان السومرية، إلى ابنه مجموعة من الحِكَم والنصائح التي يسترشد بها في حياته وتعينه على حكم مدينته.

وهذه ترجمة لما بقي منها: شوروباك قدم لابنه وصاياه. شوروباك بن أوبارا- توتو، قدم وصاياه لابنه زيوسودرا قائلاً: أي بني، سأعطيك هذه الوصايا، فخذ بوصاياي. زيوسودرا سوف أنطق أمامك بكلمات، فاصغ إليها. لا تهمل وصاياي، ولا تصرف سمعك عن كلماتي.

يلي ذلك بضع وصايا غير واضحة، ثم ينكسر الرقيم ويضيع معه أول نموذج في أدب الحكمة الإنسانية.

إلى جانب هذا النوع من أدب الحكمة، فقد ترك لنا السومريون مئات من كِسَر الألواح التي تحتوي أمثالاً تعكس نظرتهم إلى الحياة، وهي لا تختلف كثيراً عن نظرتنا الراهنة، ولا عن سجايانا وأخلاقنا المعاصرة.

ولكن لسوء الحظ فإن قلة من هذه الأمثال كان واضحاً للقراءة بالنسبة لعلماء السومريات، أسوق فيما يلي أكثرها وضوحاً: لو وضعته في الماء (= المرء الفاشل) لفسد الماء، ولو وضعته في البستان لبدأت ثماره تتعفن. واحسرتاه على الفقير. إذا حصل على الخبز عدِم الملح، وإذا حصل على الملح عدِمَ الخبز. وإذا حصل على اللحم يكون قد فقد الخروف، وإذا أبقى على الخروف فقدَ اللحم. من امتلك الفضة قد يكون سعيداً، ومن امتلك شعيراً كثيراً قد يكون سعيداً. ولكن من لا يملك شيئاً في وسعه أن ينام. إنني جواد أصيل ولكنني رُبِطتُ مع البغل. من يأكل كثيراً لا يستطيع النوم. إن الذي تتحرك يده بسرعة فمه، هو كاتب حقاً. من لم يُعِلْ زوجة أو طفلاً، سَلِمَ أنفه من حبل الجر. من أجل المتعة: الزواج. ومع بعض التفكير: الطلاق. في يوم العرس، القلب الفرح: العروس، والقلب المغتم: العريس. الزوجة مستقبل الرجل، والابنة خلاص الرجل، والابن ملجأ الرجل، أما الكنة فشيطان الرجل. تدوم الصداقة يوماً، ولكن القرابة باقية إلى الأبد. الثور يحرث والكلب يخرب خطوط الحراثة العميقة. لا يستطيع كلب الحداد أن يقلب السندان، ولذا فإنه يقلب سطل الماء. على الرغم من أنه لم يمسك بالثعلب، إلا أنه أعد له الحبل الذي سيضعه في رقبته. هربتُ من الثور البري فواجهتني البقرة البرية. يد إلى يد يمكنها أن تبنى بيتاً، ومعدة إلى معدة تخرب بيت المرء. من بنى بيتاً كبيوت الأمراء عاش مثل العبد، ومن بنى بيتاً كبيوت العبيد عاشَ أميراً. قد يكون لك سيد، أو قد يكون لك ملك، ولكن الرجل الذي تخشاه فعلاً هو جابي الضريبة. لا تقل لي ماذا كسبت بل قل لي ماذا خسرت. ليس القلب هو الذي يصنع العداوة بل اللسان. عندما تتعود على الكذب لن يصدقوك عندما تقول الحقيقة. الذبابة تقع في الفم المفتوح. الكلمة الحلوة صديق لكل يوم. المكان الذي يخلو من كلاب الحراسة تسوده الثعالب. القلب المحب يبني البيت، والقلب الكاره يهدمه. المال مثل السنونو الطائر الذي لا يجد مكاناً يحط فيه.



ومن الأدب البابلي وصلنا نص على جانب كبير من الأهمية يلقي ضوءاً على المنظومة الأخلاقية للإنسان المشرقي القديم، وهو عبارة عن وصايا يوجهها أب إلى ابنه، ويرجع بتاريخه إلى النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد.

وبما أن بداية النص مفقودة، فإننا لا نعرف هوية الأب ولا هوية الابن وهذه ترجمة لمعظم سطوره البالغة نحو خمسين سطراً:

حواريَّة السيد والعبد: في مقابل الوصايا التي تُعلي من شأن الحياة الأخلاقية وتؤمن بجدواها، لدينا نص بابلي يبدو لأول وهلة وكأنه يشكك في وجود قاعدة ثابتة يرتكز عليها الخيار الأخلاقي، ويرى إلى كل سلوك في قيمته النسبية. والنص موضوع في صيغة حوارية بين السيد وعبده. في كل مرة يقول السيد لعبده أنه سيقوم بعمل ما، يعمد العبد إلى تزيين العمل لسيده ويبرز محاسنه ويعدد الفوائد التي تعود عليه منه. بعد ذلك يقول السيد لعبده أنه لا يريد بالفعل القيام بهذا العمل. فيعمد العبد إلى صرف نظر سيده عنه ويبرز مساوئه ويعدد سلبياته.

وهذه ترجمتي للنص الكامل: أيها الخادم، اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. أحضر لي عربة وشد إليها الجياد، فإني سأتوجه إلى القصر الملكي. اذهب يا سيدي إلى القصر، اذهب. فهناك سوف تتحقق كل رغباتك، وسوف يكون الملك كريماً معك. كلا أيها الخادم، لن أذهب إلى القصر. لا تذهب إلى القصر يا سيدي، لا تذهب. فهناك سوف يرسل بك الملك في مهمة إلى بلاد لا تعرفها. عندها سوف تؤسر وتقضي ليلك ونهارك في عُسر ومشقة. أيها الخادم، اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. أحضر لي ماءً لأغسل يديَّ وأتعشى. تعشّ سيدي تعشّ. إن تناول العشاء بانتظام يُفرح القلب، والإله شَمَشْ يأتي إلى العشاء الذي يؤكل بسعادة وبأيدي مغسولة. كلا أيها الخادم، لن أتعشى. لا تتعشَّ يا سيدي، لا تتعشَّ. فإن الأفضل للإنسان أن يأكل فقط عندما يجوع، ويشرب فقط عندما يعطش. أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. أحضر لي عربة وشدّ إليها الجياد، فإني لذاهب في نزهة خلوية إلى البراري. اذهب إلى البراري سيدي، اذهب إلى البراري. فبطن الصياد هناك دوماً ممتلئة، و[المعنى غير واضح في جواب الخادم كلا أيها الخادم، لن أذهب إلى البراري. لا تذهب إلى البراري سيدي، لا تذهب إلى البراري. فذهن الذي يطوف البراري يزيغ ويتعكر و [المعنى غير واضح في جواب الخادم (عدة أسطر مخرومة وغير واضحة المعنى). أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. سوف أسكت عما يقوله أعدائي ضدي. اسكت يا سيدي، اسكت. فالصمت أفضل من الكلام. كلا أيها الخادم، لن أسكت عما يقوله أعدائي ضدي. لا تسكت سيدي، لا تسكت. لأنك إذا لم تتكلم ... أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. سأقوم بأعمال غير مستقيمة. افعل ذلك سيدي، افعل. وإلا فمن أين لك بلباسك، ومن يقدم لك ما يملأ معدتك. كلا أيها الخادم لن أقول بأعمال غير مستقيمة. لا تقم بأعمال غير مستقيمة سيدي، لا تقم. من يفعل ذلك إما أن يُقتل، أو يُسلخ جلده، أو تُقتلع عيناه ويرمى في السجن. أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. أريد أن أحب امرأة. افعل ذلك سيدي، افعل. فإن الرجل الذي يحب ينسى همومه ومتاعبه. كلا أيها الخادم، لن أحب امرأة. لا تحب امرأة يا سيدي، لا تحب. فالمرأة حفرة وشَرَك. إنها خنجر حاد يحز رقبة الرجل. أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. اجلب لي ماءً لأغسل يدي، وأقدم قرباناً لإلهي. قدم قربانك سيدي، قدم قربانك. إن من يقدم قرباناً لإلهه يعطيه قرضاً، وينام مرتاح البال. كلا أيها الخادم، لن أقدم قرباناً لإلهي. لا تقدم القربان لإلهك، سيدي، لا تقدم. لأنك إذا لم تفعل سوف تُعلِّم إلهك أن يتبعك مثل الكلب، وهو يطلب منك إقامة الشعائر، أو الاستخارة واستطلاع الفأل، وما إلى ذلك. أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. سوف أقدم للناس قروضاً (من الحبوب). قدِّم للناس قروضاً يا سيدي، قدم لهم قروضاً. إن من يقدم قرضاً يحافظ على محصوله من الحبوب، ويجني فوق ذلك فائدة عليها. كلا أيها الخادم، لن أقدم للناس قروضاً. لا تقدم قروضاً للناس، سيدي، لا تقدم قروضاً. إن تقديم القرض سهل مثل الجماع، ولكن استرداده صعب مثل الحمل والولادة. سوف يفيد الناس من قرضك، ثم يتذمرون عليك، ولن تجني بعد ذلك فائدة بل وستخسر ما أقرضت. أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. سأقوم بعمل صالح يخدم بلادي. افعل ذلك سيدي، افعل. إن من يقدم خدمة لبلده يجزيه بها الإله مردوخ. كلا أيها الخادم، لن أقوم بعمل صالح يخدم بلادي. لا تفعل ذلك، سيدي، لا تفعل. اذهب إلى خرائب المدن القديمة وتجول بينها. انظر إلى جمجمة الإنسان الوضيع وجمجمة الإنسان العظيم، هل تستطيع التفريق بينها؟ هل تستطيع التمييز بين من قدم خدمة لبلاده ومن قدم سيئة؟ أيها الخادم اصغ إليَّ وأطعني. سمعاً وطاعةً يا سيدي. فيمَ الخير إذن؟ أن تُدَقَّ مني ومنك العنق ونرمى في النهر. فمن يستطيع أن يتطاول فيرقى إلى السماء، أو يتسع فيحيط بالأرض؟ كلا أيها الخادم، سوف أقتلك أولاً وأجعلك تسبقني. إذا فعلت ذلك، فإنك لن تعيش بعدي أكثر من ثلاثة أيام.

هذه الخاتمة غير المتوقعة للحوار فتحت الباب واسعاً أمام المفسرين لطرح تفسيرات ينحو معظمها نحو التوكيد على الطابع التشاؤمي لهذا النص.

فالسؤال الذي يوجهه السيد إلى خادمه في نهاية الحوار: «فيمَ الخير إذن؟» يجيب عليه الخادم في أنه لا خير في هذه الحياة إلا في الموت، لأن الإنسان لا يستطيع من خلال أي عمل له أن يغير شيئاً في طبيعة الحياة ومسارها، وليس هنالك في الواقع من سلوك أخلاقي وآخر غير أخلاقي، لأن مسألة الأخلاق هي شأن نسبي يعتمد على زاوية النظر إليه.

ولكنني أرى أن هذا النص يطرح تساؤلاً وجودياً أساسياً بخصوص ماهية الخير من وجهة نظر إنسانية بحتة، لا تأخذ مسألة الثواب العقاب بالحسبان، ولا ترى إلى السلوك الإنساني في ما يعود على صاحبه من مردود مادي أو معنوي. ومع ذلك فإن النص يبقى إشكالياً ومفتوحاً على تفسيرات شتى.






ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قديم 2010-12-28, 14:17   رقم المشاركة :2
معلومات العضو
أسيرالشوق
الإدارة
 
الصورة الرمزية أسيرالشوق
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
أسيرالشوق is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : تاريخ و تراث
افتراضي


بارك الله فيك يا أبو هيثم

مشكور على الموضوع الرائع


أسيرالشوق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-28, 14:41   رقم المشاركة :3
معلومات العضو
ali harbi
الإدارة
 
الصورة الرمزية ali harbi
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
ali harbi is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

إرسال رسالة عبر MSN إلى ali harbi
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : تاريخ و تراث
افتراضي


مشكور الله يعطيك العافيه
بارك الله فيك على الموضوع الرائع

تحياتي


ali harbi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-28, 15:08   رقم المشاركة :4
معلومات العضو
محمد أحمد
عميد
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
محمد أحمد is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : تاريخ و تراث
افتراضي


بارك الله فيك

على موضوع رائع


محمد أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 21:05

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها .. ولا تعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى بأي شكل من الأشكال



ساهم معنا
تبرع لتساعد على الاستمرار ومواصلة تعريب البرامج للعالم العربي.
ساهم في صمود وبقاء ونشر اللغة العربية في العالم من أجل الأجيال القادمة.
تودع مبالغ التبرعات في احد الحسابات التالية
اسم البنك
رقم الحساب
بنك الراجحي _ من خارج السعودية
IBAN - SA2880000141608010128882
بنك الراجحى _ من داخل السعودية 141608010128882



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimisation provided by DragonByte SEO (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لموقع منتديات عميد التعريب 2010 - 2017 ©