العودة   منتديات عميد التعريب > >

الملاحظات

أدب و أدباء الروايات القصيرة و المقالات الأدبية, الأدب, الخواطر, قصص قصيرة, قصة, روايات, مقالات, ادب الطفل



إضافة رد

قديم 2015-11-11, 22:20   رقم المشاركة :1
معلومات العضو
عميد
إحصائية العضو




مستوى التقييم: 8
hearer is on a distinguished road
المنتدى : أدب و أدباء
Wink ـ دوائر عدم الاطمئنان


خواطر أدبية


دوائر عدم الاطمئنان

جو ربيعي رائق، بنسائمه ، أشعرني بالانتعاش، خيوط شمسه الذهبية الدافئة حركت في فضولا ظل قابعا في أعماق نفسي زمنا، ها الهاجع في يستيقظ. تمد الرغبة يدها إلى سلمي الأثري، تحفزني على ارتقائه، هو سلم توارثناه أبا عن جد، ورغم أني لا أعرف كيف حافظنا عليه، بعد أن ضيعنا رفيق دربه في الفتح، المنجنيق العجيب؛ لكنني أجده واقفا بشموخ لم يفقده، رغم توالي الزمان وأحداثه الجسام، أمامي، يقوي في رغبة الاكتشاف. وللعلم، يا سادة، فهذا السلم الخشبي المصنوع من أشجار الصنوبر، مازالت تنبعث منه رائخة الأطلس الشامخ، كان لأحد أجدادي، ساعده، صحبة آخرين، على ارتقاء السور العالي، واختراق الحصن المنيع، ومن ثم سقوط القلعة بسهولة، أكسبت جدي، ذاك، مكانة واحتراما.
ها أنا أقف، أسير باتجاهه بكل عزم، لقد قويت إرادتي، واشتعلت رغبتي، أمسك به، وأرتقي أدراجه، وبي سؤال حارق؛ أن أعرف ما يوجد وراء هذا السور العابث؟ فقد ظل لفترة طويلة يحتويني تحت جناحيه. وجدت بحرا هادئا بنعومة، لما أبصرني، فتح ذراعيه اشتياقا وناداني، لبيت النداء بالارتماء في أحضانه، وسبحت مدة، لأجد نفسي في يا بسة، فوق رمالها المنعشة تتمدد حوريات يأخذن حمام شمس، أحسست بتخمرهن، وبصعود رائحة الشهوة منهن، وحين أبصرنني تحركت لديهن غريزة الحب، ظننني أني فحل آت من أدغال إفريقيا لأرواء عطشهن، ونسين أنني من سلالة طارق. شمخت بأنفي وتابعت مسيري، لم يستوقفني سوى صافرة على إثرها تجمعت الصبايا في طوابير، بعد أن تلفعن بأردية سوداء أخفت معالمهن، وطمست جمالهن الفاحش، ثم سرن في طرق مختلفة. وإذ اختفين. مطارق التعب أيقظت في الرغبة في النوم، فاستجبت طائعا. كم لبثت؟ يوما أو بعض يوم، لا أدري، كل ما أدريه أن الزمن نهر دائم الجريان، يتجدد ماؤه، لا يأسن أبدا. كل ما أدريه أنني أكملت طريقي وقد استبدت بي الحيرة والاندهاش، واتسعت دائرتهما وأنا أبصر حرائق من كل الجهات تأتي بطرفة عين على الحقول كلها، والجنان، فما عدت أرى تلك الأشجار الباسقة، والطيور المغردة، كل شيء جميل صار أثرا بعد عين، وأنا أبصر خيولا جامحة فرت من قسورة، ولم أر عليها فوارس، وبعدها بقليل أبصرت رجلا من الذين أنعم الله عليهم بالخوف، يعدو بكل ما أوتي من رغبة في الحياة، والدماء تسيل من جسده المكلوم، قدرت أنه فارس قد أضاع نصره، لما أبصرني قال: انج سعد، فقد هلك سعيد. وما كنت لا سعدا ولا سعيدا. لحظتها علمت أنني قد جئت مكانا تزامن وسقوط ممالكه، وفقد سؤدده. أكاد أجزم أنه يشبه ساكن أغمات، ذاك الذي أثر في نظمه، كنت حينها سجين مقاعد الدرس، وهو يرى أقدام بناته تخوض في الطين . وعلمت سر نظرات صبايا الشاطئ، أين أضعت نخوتي ؟ لقد عرتني تلك النظرات المستنجدة، أبانت عورتي ضعفي وجبني. بمجرد وعيي بالحدث العظيم، خرج من مكان مظلم رجلان قويان، أمسكا بي بقوة، وحملاني مرغما، فلا قيمة للمقاومة حين السقوط، إلى دير عجيب، كل رهبانه غريبو الأطوار، مررنا بممر حف من الجانبين بزنازن تصدح بالألم، زرعت في نسي الخوف، وفي نهايتة، أودعت زنزانة فسيحة، أرغمت على الجلوس على كرسي مهترئ، بحاستي أدركت، رغم ضوء المصباح المسلط على عيني، أنني في حضرة رجال يتابعون استنطاقي، وإن لم يتكلم سوى واحد منهما، كان صوته أجشا، لم يطرح علي سوي سؤال واحد، غريب وعجيب: هل المسيح صلب أم رفعه الله ؟
وبسرعة أجبت، لأني ألفت الجواب، واقتنعت به: رفع.
ولم أحس بنفسي إلا وقد رفعت، كما ترفع الشاة أثناء السلخ، رجلي في الأعلى ورأسي في الأسفل. ولا يعتقدن منكم أحد أن ذلك من أجل جعل منيي يغذي دماغي وينعشه، ويعيد إليه توازه المختل، ومن ثم، يطيل في عمري. فالأمر يسبر باتجاه القتل لا الحياة. سمعت أقدام المغادرين تحتك بالأرض المبلطة، وكأنها تسعى إلى الرفع من حدة توتري، ثم سمعت الباب يغلق بعنف.
بقيت أتأرجح كالبندول لفترة؛ وفد استبدت بي كومة أسئلة، قبل أن أسمع الباب يفتح من جديد، ليدخل رجل بوزرة بيضاء، ووجه باسم، وقد حمل أدوات حادة. هي النهاية الأليمة إذن، عزمت على الصبر حتى لا أقدم للجناة فرصة فرح. قام الرجل بنزع ثيابي، الآن، فقط، عرفت لم تم القبض علي، بإحداث ثقوب عدة في جسدي، والحق أنه لم يؤلمني البتة، لو كنت حرا لقدمت له شكري الحار على إنجازه الباهر، فقد أشعرني ذلك براحة نفسية كنت بحاجة إليها، هي تشبه الحجامة، تخفف الإنسان من دمه الفاسد، فيستعيد انتعاشه...


بعد عمله الناجح، غادر من دون أن تبدر منه كلمة واحدة، إنه رجل صموت، بقدر عمله، ويحترم ضحاياه، لا يلوث الحضور بالثرثرة. كم أحببته، إنه، فعلا، رجل يفرض عليك احترامه.
وبمجرد سكون الزنزانة بدأت أولى قطرات دمي في النزول ...
وفي القطرة الأخيرة ما قبل الشهقة النهائية، كان فمي عامرا بالعناد وبكلمة: رفع، لكني لم أعرف إن قلتها أم قلت: ورغم ذلك تدور. وإذا بي أسقط من أسفل السلم إلى أعلى الجنون.






hearer غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 18:20

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها .. ولا تعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى بأي شكل من الأشكال



ساهم معنا
تبرع لتساعد على الاستمرار ومواصلة تعريب البرامج للعالم العربي.
ساهم في صمود وبقاء ونشر اللغة العربية في العالم من أجل الأجيال القادمة.
تودع مبالغ التبرعات في احد الحسابات التالية
اسم البنك
رقم الحساب
بنك الراجحي _ من خارج السعودية
IBAN - SA2880000141608010128882
بنك الراجحى _ من داخل السعودية 141608010128882



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimisation provided by DragonByte SEO (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لموقع منتديات عميد التعريب 2010 - 2017 ©