العودة   منتديات عميد التعريب > >

الملاحظات

الربح من الانترنت علم النفس, علم الإجتماع. علم فلسفة و مفهوم كل منها و علاقة بعضها مع بعض بالإضافة إلى علم المنطق كل ذلك تجده هنا



إضافة رد

قديم 2010-12-29, 15:57   رقم المشاركة :1
معلومات العضو

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
المنتدى : الربح من الانترنت
Post النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية


النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية




اقدم لكم على حلقات كتاب الفيلسوف اللبناني حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية .

الباب الأول
المقدمات الذاتية
المؤسس الأول : قصي بن كلاب مائة وخمسون عاماً انقضت ، بين وضع البذرة في الأرض وبين حصاد الزرع وجني الثمار ، بين الحلم والحقيقة ، بين رمي أحجار الأساس وبين استكمال البناء والانتفاع به وسكناه ، هذه المدة هي التي تفصل بين وفاة قصي بن كلاب في الحجون في مكة عام 480 م ، وبين قيام دولة قريش في يثرب على يد حفيده محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( ص ) بدءاً من عام 622م ، فقصي هو المؤسس الأول لتلك الدولة فهو الذي وضع اللبنات الأولى في صرحها ثم تابع أولاده وأحفاده من بعده ، على الأخص هاشم وعبد المطلب تعلية البنيان حتى اكتمل بمعرفة حفيده محمد ( ص ) ويتعين أن نلم بسيرة قصي ، لنحايثه في خطواته ، وهو يؤسس دولة قريش ويحولها من قبيلة مستضعفة تسكن الجبال والشعاب وأطراف مكة إلى القبيلة الحاكمة التي تمسك بزمام السلطة والثروة في العاصمة الدينية المقدسة ، وتسكن الأبطح أكرم بقاعها وتقيم بيوتها في الحرم ذاته ، وتغدو أشرف قبائل جزيرة العرب ، ويطلق على أفرادها " أهل الحرم " ويصبح الإصهار إليهم مكانة رفيعة تتطاول إليها أعناق شيوخ القبائل الأخرى ، وكما تحيط الشعوب في مختلف بقاع الأرض ميلاد زعمائها وقادتها بحكايات عجيبة خارقة للمألوف : الهنود مع بوذا وبنو إسرائيل مع موسى والنصارى مع عيسى أحاطت قريش ميلاد قصي بأسطورة مماثلة ولكنها ساذجة تتفق مع ثقافة عرب الجزيرة آنذاك ، وسوف نرى أن الأسطورة عينها تتكرر مع حفيده عبد المطلب أحد الذين لعبوا دوراً مميزاً في قيام دولة قريش . والحق أنني لم أجد فيما قرأت عن قصي ، خيراً مما خططه الإمام محمد ابن يوسف الصالحي الشامي ، وهو من مؤرخي القرن العاشر الهجري ، وربما أتاح تأخره النسبي الاطلاع على كتب التواريخ والسير ، منذ عصر التدوين حتى زمانه ، فألف موسوعة ضخمة في سيرة النبي العربي محمد ( ص ) أطلق عليها " سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد " وهذا ما جاء بها عن قصي بن كلاب : ( قال الرشاطي ـ رحمه الله تعالى ـ : وإنما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج فاطمة بنت سعد بن سيل ، لقب باسم جبل لطوله واسمه خير ضد شر، ويقال أن سعداً هذا أول من حلى السيوف بالفضة والذهب فولدت له زهرة وقصياً ، فهلك كلاب وقصي صغير ، وقال السهيلي رضيع ، وقال الرشاطي : فتزوج فاطمة أم قصي ربيعة بن حرام بن ضبة فاحتملها ربيعة ومعها قصي ، فولدت فاطمة لربيعة رزاحاً ، وكان أخاه لأمه ، فربى في حجر ربيعة فسمي قصياً لبعده عن دار قومه ، وقال الخطابي : سمي قصياً لأنه قصا قومه أي تقصاهم بالشام ، فنقلهم إلى مكة ، وقال الرشاطي : وأن زيداً وقع بينه وبين آل ربيعة شر فقيل له : ألا تلحق بقومك ؟ وعير بالغربة ، وكان لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة ، فرجع إلى أمه وشكا إليها ما قيل له ، فقالت : يا بني أنت أكرم نفساً وأباً ، أنت ابن كلاب بن مرة ، وقومك بمكة عند البيت الحرام ، فأجمع قصي على الخروج فقالت له أمه : أقم حتى يدخل الشهر الحرام ، فتخرج في حاج العرب ، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة ، فحج وأقام فعرفت له قريش قدره وفضله وعظمته وأقرت له بالرياسة والسؤدد ، وكان أبعدها رأيا وأصدقها لهجة وأوسعها بذلاً وأبينها عفافاً ، وكان أول مال أصابه مال رجل قدم مكة بأدم ( جلود ) كثير فباعه وحضرته الوفاة ولا وارث له فوهبه لقصي ودفعه له . وكانت خزاعة مستولية على الأبطح وكانت قريش تنزل الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها ، فخطب قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حـُبـَّى ، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته وحليل يلي الكعبة وأمر مكة فأقام قصي معه ، وولدت له حبى أولاده ، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه ، هلك حليل وأوصى بولاية البيت لابنته حبى ، فقالت : لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه ، فجعل ذلك إلى أبي غبشان واسمه المحترش بن حليل وكان في عقله خلل ، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود ، فضربت به العرب المثل فقالت : أخسر صفقة من أبي غبشان . فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه ، أنكرت خزاعة ذلك ، وكثر كلامها وأجمعوا على حرب قصي وقريش ، وطردهم من مكة وماوالاها . فبادر قصي فاستصرخ أخاه وزاح بن ربيعة فحضر هو واخوته ، وكانت بنوصوفة تدفع الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منى ، فلم يجسر أحد من الناس أن ينفر ولا يرمي حتى يرموا ، فلما كان هذا العام فعلت بنو صوفة كما كانت تفعل ، فأتاهم قصي بمن معه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة ، فقال لبني صوفة : نحن أولى بهذا منكم فقاتلوه ، فاقتتل الناس قتالاً شديداً وكثر القتل في الفريقين فانهزمت صوفة وغلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك ، فانحازت خزاعة وبنو بكر عن قصي ، وعلموا أنه سيمنعهم كما منع من ذلك بني صوفة ، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فاجتمع لحربهم فخرجت خزاعة وبنو بكر ، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً ثم أنهم تداعوا إلى الصبح وأن يحكموا رجلاً من العرب فحكموا يعمر بن عوف بن كعب المعروف بـ " الشداخ " فقضى بينهم بأن قصياً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة ، وأن أي دم أصابته قريش من خزاعة ، موضوع يشدخه تحت قدميه ، وأن ما أصابته خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة ففيه الدية ، فودوا 520 دية ، و30 جريحاً وأن يخلي بين قصي وبين البيت فسعى يعمر بن عوف بـ " الشداخ " لما شدخ من الدماء ووضع . فولى قصي أمر الكعبة ومكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة ، فملكوه عليهم ، ولم تكن مكة بها بيت في الحرم ، وإنما كانوا يكونون بها ، حتى إذا أمسوا خرجوا ، لا يستحلون أن يصيبوا فيها جنابة ، ولم يكن بها بيت قديم . فلما جمع قصي قريشا ـ وكان أدهى من رئي من العرب ـ قال لهم : هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت ؟ فوالله لا يستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون إخراجكم منه ، وتسكنونه فتسودوا العرب أبداً ، فقالوا : أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك ، فجمعهم ثم أصبح في الحرم حول الكعبة ، وكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه ، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء ، وحاز شرف مكة كله جميعاً فسمي " مجمعاً " لجمعه قومه وفي ذلك قال الشاعر : أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً : به جمع الله القبائل من فهر .وبنى دار الندوة والندوة في اللغة : الاجتماع لأنهم كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغير ذلك ، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش ، ولا يتشاورون في الأمر ، إلا في داره ولا يعقدون لواء حرب إلا فيها يعقدها لهم قصي ، أو بعض بنيه . قال أبو عبيدة : ولما ولى قصي أمر مكة قال : يا معشر قريش إنكم جيران الله وجيران بيته وأهل حرمه ، وإن الحجاج زوار بيت الله فهم أضياف الله وأحق الأضياف بالكرامة أضياف الله فترافدوا فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج حتى يصدروا ، ولو كان مالي يسع ذلك قمت به ، ففرض عليهم خراجاً تخرجه مرتين من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاماً وشراباً ولبناً وغير ذلك للحاج بمكة وعرفة ، فجرى ذلك من أمره حتى قام الإسلام ، قال السهيلي رحمه الله تعالى : وكان قصي يسقي الحجيج في حياض من أدم ينقل إليها من بئر ميمون وغيرها خارج مكة وذلك قبل أن يحفر - العجول ، وروى البلاذري عن معروف بن خربوذ وغيره قالوا : كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة ومن حياض ومن مصانع على رؤوس الجبال ، ومن بئر حفرها مرة بن كعب مما يلي عرفة ، فحفر قصي بئراً سماها " العجول " هي أول بئر حفرتها قريش بمكة ومنها يقول رجاز الحاج :نروي من العجول ثم ننطلق إن قصيا قد وفى وقد صدقبالشبع للناس وري مغتبق
ويروي أن قصياً قد أحدث وقود النار بالمزدلفة ليراها من دفع من عرفة .وقسم قصي مكارمه بين ولده : فأعطى عبد مناف السقاية والندوة فكانت فيهم النبوة والثروة ، وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى ، فكانوا لا يجيزون إلا بأمره ثم مات قصي بمكة فأقام بنوه بأمر مكة بعده في قومهم ودفن بالحجون فتدافن الناس بعده بالحجون . أطلق الدكتور سيد القمني على قصي لقب " دكتاتور مكة " ولكننا نخالفه في ذلك فـ ( هو وصف نرى أنه لا ينطبق تماماً خاصة وأن الحياة القبلية في الجزيرة ـ جزيرة العرب ـ كانت لا تطيق الدكتاتورية ولعل هذا أوضح ما يكون فيما سمي بـ " أيام العرب " الذي يعد سجلاً للمعارك التي دارت بين القبائل العربية بعضها البعض ، أو بينها وبين بعض ملوك فارس ، وكان مرجعها النفور الشديد من أي ممارسة دكتاتورية ولو أن قصياً كان يتمتع بالشمائل التي امتاز بها مؤسسو الدول عادة من قوة الشكيمة ومضاء العزيمة ، بالإضافة إلى سعة الأفق ونفاذ البصيرة ) .. ولعل القارئ يلاحظ ما وصف به الإمام محمد بن يوسف الصالحي قصياً ، أنه كان أدهى من رئى من العرب - ولسنا في حاجة إلى التدليل على تلك الملكات التي تمتع بها المؤسس الأول قصي . ومنعاً للإطالة ، خاصة وأن النص الذي نقلناه من كتاب " سبيل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد " قد استغرق حيزاً كبيراً ، نكتفي في إيجاز بالإشارة إلى الخطوات التي رسمها ونفذها قصي بدهاء شديد نحو تحول قريش من قبيلة مشتتة ومتفرقة لا مكانة لها إلا رؤوس الجبال ، إلى قبيلة قوية تسكن أحسن بقعة في مكة ، وهي " الأبطح " والاتجاه إلى تكوين أول دولة غربية في وسط شبه الجزيرة العربية : ( أ ) أول ما فعله هو أنه أصهر إلى رأس قبيلة خزاعة وسيد مكة ، صاحب ولاية الكعبة حليل بن حبشية الخزاعي في ابنته " حبى " ثم توصل إلى ولاية الكعبة ، البيت الحرام الذي تعظمه قبائل جزيرة العرب على بكرة أبيها ، وكان القسم به هو اليمين الحاسمة التي يحرم الحنث فيها :فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهمولما أدركت خزاعة خطورة هذا الأمر ، لأن الذي يمسك بولاية الكعبة يحكم مكة عزمت على قتاله فاستعان بأخيه من أمه رزاح بن ربيعة فأعانه واخوته على ذلك ، ثم انتزع من بني صوفة الوظيفة الدينية التي كانت بيدهم وهي دفع الحجاج من عرفة بعد معركة طاحنة ، وقصي ( هو أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم ) وهيمن على حجابة البيت وسقاية الحجاج والرفادة وفرض على قريش خراجاً تدفعه إليه من أموالها فيصنع به طعاماً وشراباً للحجاج في مكة وعرفة ، وهو لم يكتف بذلك بل حفر بئراً سماها " العجول " لسقي الحاج والمعتمر كما أمر بإيقاد النيران على جبال ومرتفعات المزدلفة ليراها من دفع من عرفة كل هذا يدل على أن قصياً أولى " الحج " عناية فائقة ، لأنه الملتقى السنوي لقبائل جزيرة العرب كافة ، من شتى أقطارها وفيه تروج التجارة وتنعقد عدة " أسواق " قرب مكة وما حولها مثل سوق عكاظ وذي المجنة وفيها - علاوة على التجارة - كان يتبارى الشعراء في عرض قصائدهم فالحج إذن موسم ديني تجاري ثقافي ، وكانت ممارسات قصي تلك التي ذكرناها بمثابة إعلان للعرب أن دولة مركزية قامت في مكة وإعلام أن قريشاً تحولت من قبيلة مستضعفة إلى دولة تحكم البيت الحرام ، وفي سبيلها إلى حكم الجزيرة كلها ، عن طريق جمع شمل كل القبائل تماماً مثلما للفرس دولة وللروم دولة . وثمة ملاحظة في هذا المقام وهي أن هذه الخطوة المبكرة من قبل قصي في الاهتمام بشعيرة الحج وهي من الشعائر القليلة إن لم تكن الشعيرة الوحيدة التي كانت موضع إجماع من قبائل الجزيرة حتى تلك التي كان يفشو فيها دين سماوي مثل اليهودية والنصرانية ـ هذه الخطوة المبكرة من قبل قصي كانت الالتفافة الأولى لأهمية " المقدس " واستخدمه كمدماك لشد أزر " الدولة " وهو ما سيواصل العمل به في طريقه ، أحفاده من بعده باقتدار عجيب . ( يهتم علم الاجتماع الديني اهتماماً كبيراً ، بدراسة العلاقة بين الدين وبعض مجالات الحياة الاجتماعية كالعلاقة بين الدين والنظام الاقتصادي والكنيسة والدولة والدين والسياسة ، والدين والأسرة ...الخ ) وكانت وجهة نظر علماء الأنثروبولوجية هي تبيان وظيفة الدين في المجتمعات القديمة أو البدائية أو اللاكتابية أو الأمية سواء في البني التحتية أو البنى الفوقية ( لقد أوضح الأنثروبولوجيون اللاحقون أمثال مالنسكوفي وراد كليف براون في دراساتهم الحقلية ، أن الدين يمارس وظيفة هامة في المجتمعات البدائية هي تدعيم التماسك الاجتماعي وضبط سلوك الأفراد ) . هذا هو أثر الدين في الأنساق الاجتماعية القاعدية ، ولكن ما هو أثره على البني السلطوية ؟ أو بمعنى آخر ما هي العلاقة بين الدين والسلطة ؟ وما هو موقع استراتيجية المقدس من استراتيجية السلطة ؟ ( المقدس هو أحد أبعاد الحقل السياسي ويمكن أن يكون الدين أداة للسلطة ضماناً لشرعيتها ، وإحدى الوسائل المستخدمة في إطار المنافسات السياسية ) ( جورج بالاندييه في الأنثروبولوجيا السياسية ، ترجمة جورج أبي صالح ، ص 93 الطبعة الأولى 1986 ، منشورات مركز الإنماء القومي بيروت ) ، وقد أوضحت الدراسات التي أجريت على كثير من المجتمعات القديمة ( أن البنى الطقوسية والبنى السلطوية مرتبطة ارتباطا وثيقاً وأن ثمة اتصالاً بين دينامياتهما الخاصة ) ( وأن السلطة السياسية تملك السيطرة العامة على المقدس وتستطيع استخدامه لصالحها في جميع الأحوال ) . إذن بدأ قصي في السير في طريق استخدام الدين ، واستثمار المقدس في أمرين : ( أ ) نشر التماسك بين قبائل العرب عن طريق شعيرة الحج باعتبارها الشعيرة المجمع عليها من القبائل كافة بخلاف الأصنام التي كانت تتعدد فيها ، ثم الانتقال من وتيرة التماسك إلى مرحلة التوحيد تحت هيمنة قريش .( ب ) توظيفه كرافعة شديدة الفعالية وذات أثر سحري في النفوس في يد السلطة والإلحاح على هذه الدعوى حتى ترسخت وأصبح القرشيون ذاتهم شخوصاً مقدسة أو على أقل القليل تخالطهم قداسة ملموسة ومن ثم أطلق عليهم " أهل الحرم " ومن البديهي أن شيخهم أو رئيسهم يتمتع بقدر أوفر من القداسة ولذلك ليس اعتباطاً ما قاله المؤرخون عن قصي بن كلاب " كان أمره في قريش في حياته ومن بعد موته كالدين المتبع فلا يعمل بغيره " وصار توظيف الدين سنة من بعده ، اتبعها أبناؤه وأحفاده بذكاء بالغ . ثانياً : جمع بطون أفخاذ قبيلة قريش التي كانت مستضعفة ومشتتة تسكن الشعاب ورؤوس الجبال وأطراف مكة ، وأتاح لها سكنى أشرف بقعة في البلد الحرام " الأبطح " ومن ثم سمى " مجمعاً " وبعد ذلك خطا خطوة جريئة ، وهي أنه أمرهم أن يبنوا بيوتهم في الحرم ، وحول البيت وعلله بجملة وردت على لسانه كشفت عما كان يخطط له وهي قوله " فوالله لا تستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون إخراجكم فتسودوا العرب أبداً " فأجابوه لذلك وسيادة قريش لكل العرب كان هو الهاجس الأقوى الذي ملك على قصي لبه وعقله وكل تفكيره والهدف الذي نذر حياته له ، ومن ثم أخذ يحكم التدبير له ، ثم أكمل الخطة من بعده ، أولاده وأحفاده والسيادة على عرب الجزيرة لا تتم إلا بإنشاء دولة مركزية في مكة على غرار الروم والفرس . ثالثاً : بنى قصي دار الندوة وفيها كانت تتم المشاورات لا بين شيوخ قريش فحسب ، بل بين شيوخ القبائل الأخرى ( فكان بيته عبارة عن " ناد للعرب " بل ملجؤهم في جميع المشكلات سواء كانت هذه المشكلات قومية أو شخصية ) ولم تكن دار الندوة للشورى فقط ، بل كانت جميع الأمور الهامة تتم بين جدرانها : عقد أولوية الحرب ، خروج قوافل التجارة ، إبرام عقود النكاح ، وبذلك عدت دار الندوة مقراً للحكم المركزي الوليد ، إذ لم يحدثنا التاريخ العربي عن دار مثلها في أي بقع في جزيرة العرب وهذا كله يفسر لنا مقولة التي كررها الإخباريون كثيراً عن قصي أنه " أول من أصاب ملكاً أطاع به قومه " .وهذا ما أجمع عليه الاخباريون بلا خوف .فكان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا وأطاع له قومه فكانت له الحجابة والرفادة والسقاية والثروة واللواء والقيادة فلما جمع قصي قريشاً بمكة سمي مجمعاً .



الخلائــف يواصلون المسيرة

أولا : هاشم : يوضح القسمات من عادة العرب أن يختص الأب ابنه الأكبر ، بكرائم ما خلفه من منصب أو جاه أو غيره على سائر أبنائه باعتباره " ولي العهد " ، ولا زالت هذه العادات متأصلة في المجتمع العربي حتى الآن ، وهي ليست مقصورة على العرب وحدهم بل أنها موجودة في كثير من المجتمعات ويطلق عليها علماء الاجتماع " التعاقب " وهو انتقال حقوق المنصب والدرجة والجاه والوضع ، ويؤكد د . مصطفى الخشاب أن بقايا هذه الظاهرة ( ورواسبها موجودة في كثير من المجتمعات المعاصرة مثل وراثة المهنة والوضع الاجتماعي ووراثة الفرق الدينية ومشايخ الصوفية والطوائف الحرفية وما إليها ) وجرياً على هذه القاعدة جعل قصي إلى بكره عبد الدار : الحجابة والرفادة والسقاية واللواء والندوة ، ويرى الإخباريون أنه فعل ذلك حتى يسامي عبد الدار اخوته في الشرف ، إذ أنهم في حياة أبيهم ارتفعت مكانتهم الاجتماعية في قريش دونه ، ولم يستطع هؤلاء أن يعارضوا أباهم صاحب الكلمة النافذة خاصة وأن ذلك كان تقليداً عربياً مستقراً كما ذكرنا ، ولكن الجيل الذي خلفهم تمرد على هذا الوضع وثار عليه، بعد أن انتقلت تلك المآثر التي اختص بها قصي عبد الدار إلى بنيه من بعده ، ويبدو أنه ورثهم معها الخمول وعدم نباهة الذكر ، ولذلك فإن هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بن عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا من بني عبد الدار بن قصي ما كان قصي جعله إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والرفادة والسقاية والندوة ورأوا أنهم أحق بها منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم، وكان الذي قام بأمرهم هاشم بن عبد مناف ) .

انقسمت قريش إلى ثلاثة فرقاء : أولهم انحاز إلى بني عبد الدار والآخر إلى بني عبد مناف والثالث وقف على الحياد وسمي بنو مناف ومن والاهم بـ " المطيبين " وسمي بنو عبد الدار ومن آزرهم بـ " الأحلاف أو لعقة الدم " واستعد كل فريق لحرب الآخر ، ولكنهم أخيراً تداعوا إلى الصلح واتفقوا على أن يأخذ بنو مناف السقاية والرفادة والباقي يظل في أيدي بني عبد الدار .

لقد أمعنت النظر في هذه القسمة ، وتساءلت : كيف يترك لـ " بني عبد الدار " وهم الأقل شرفاً والأخفض مكانة والأدنى منزلة ، الوظائف السياسية والعسكرية الهامة مثل : اللواء والندوة ويكتفي " بنو عبد مناف " بـ " الرفادة والسقاية " وهما عملان أصغر مرتبة ، ولا يدخلان في بابي السياسة والحرب ، وفيم إذن كان الشقاق الذي كاد أن يرتفع إلى حد امتشاق السيوف وإراقة الدماء ؟؟؟
توصلت إلى إجابة لعلها تكون صحيحة :بادئ ذي بدء ، المجتمع العربي في الجزيرة كان ولا يزال حتى الآن وإن بصورة أبهت ، يقدر الكرم ويعتبره فضيلة يعلي من شأن من يتحلى بها ويضعه في مكان أعلى ، والسقاية والرفادة وظيفتان لحمتاهما الجود وسداهما البذل والعطاء ومن ثم فإن القائم بهما تلهج بذكره والثناء عليه ركبان الحجيج و المعتمرين .هذه واحدة . أما الأخرى فهذان العملان يتصلان مباشرة بشعيرة الحج التي تقدسها العرب ، وتؤديها قبائل شبه الجزيرة العربية كافة ، بمقولة أنها من إرث إبراهيم وولده إسماعيل ، الجد الأعلى للعرب المستعربة ، حتى القبائل التي فشت فيها اليهودية والنصرانية يحدثنا الإخباريين أنها كانت تحج .
الحج فريضة دينية ، والدين رافعة من أهم الروافع التي أولاها مؤسسو دولة قريش عناية فائقة ورعاية مكثفة وقد بدأ هذا الاتجاه " قصي " ، المؤسس الأول كما فصلنا القول فلما انتقلت الراية إلى هاشم ، سار على الدرب نفسها ، وتعمق على يد عبد المطلب وازداد ضوحاً ، بل أصبح " الدين " هو الفعالية الأولى ، لإنشاء دولة قريش على يد الحفيد محمد عليه السلام من هذا المنطلق كان رضاء هاشم قائد بني عبد مناف بـ " السقاية والرفادة " .

أما اللواء فإن قريشاً قبيلة تجارة في المقام الأول ، وإن نبغ فيها أبطال حرب قبل الإسلام وبعده . أما الندوة فسوف نعرف فيما يلي أن هاشماً وضع يده عليها في هدوء ودون جلبة ، واتخذها مقراً للحكم كما كان يفعل جده " قصي " هذا بالإضافة إلى أن دار الندوة وإن كانت مملوكة لبني عبد الدار فهي مشاع لمشيخة قريش يجتمعون فيها ، بل أن بعض الباحثين يرى أنها كانت نادياً للعرب جميعهم . أما الحجابة فهي أشبه بالعمالة الإدارية ، حقيقة أن من يتولاها تكون في يده مفاتيح الكعبة ، كعبة مكة ، أقدس الكعبات في الجزيرة العربية آنذاك ، ولكن فتح الكعبة وغلقها مسألة ليست ذات خطر ، فالطواف حولها والدعاء عندها والذبح للأصنام والاستقسام بالأزلام بجوارها ، كل ذلك كان يتم سواء كانت مفتوحة أو مغلقة رضى حاجبها أم سخط فالحجابة إذن عمل شرفي لا فعالية له . هذا في رأينا اختيار " بني عبد مناف " وزعيمهم هاشم لتينك المأثرتين : الرفادة والسقاية ، وإطلاق أيدي " بني عبد الدار " فيما خلاهما .*****

( كان هاشم موسراً ، إذا حضر الحج قام صبيحة هلال ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشاً ويحض على رفادة الحاج التي سنها قصي ، فكانت بنو كعب بن لؤي وسائر قريش يجتهدون في ذلك ، ويترافدون ويخرجون ذلك من أموالهم حتى يأتوا به هاشماً ، فيضعه في داره وكان يأمر بحياض من أدم ، فتجعل في موضع زمزم قبل أن تحفر فيستقي فيها من البيار التي بمكة فيشرب الحج وكان يطعمهم بمكة قبل التروية بيوم ثم بمنى وجمع وعرفة ، يثرد لهم الخبز واللحم والجبن والسمن والسويق والتمر ، ويحمل لهم الماء فيطعمهم ويسقيهم حتى يصدروا أي يرجعوا ) . هكذا نرى هاشماً يهتم بأمر الحاج الوافد على مكة ، فيطعمه ويسقيه ويدفع القرشيين إلى المساهمة في دفع تكاليف الرفادة كل حسب طاقته ، وتبدأ هذه الضيافة في اليوم السابع من هلال ذي الحجة أي قبل يوم التروية وهو اليوم الثامن ويستمر ذلك حتى يصدر الحاج أي يعود إلى بلده ويتتبعه في أماكن تواجده : مكة ومنى وجمع عرفات وكان الطعام الذي يقدم إليه من أجود الأنواع أما الماء فكان يجلبه له من جميع بيار مكة ( لم تكن زمزم قد حفرت بعد ، إذ المعروف أن الذي حفرها هو عبد المطلب ) وحفر هاشم لهذا الغرض بيراً سميت بـ " بذر " وكان ( هاشم يخرج في كل سنة مالاً كثيراً ) . إن اهتمام هاشم بحجاج البيت الحرام فضلاً على دلالته سجية الكرم المتأصلة فيه ، وحثه القرشيين على المساهمة في الرفادة ، يقطع بوعيه التام ، بما في ذلك من إعلام للحجاج الذين يقصدون مكة من شتى نواحي شبه الجزيرة العربية ، أن في مكة حكومة تبسط سلطانها على المدينة المقدسة ، وأنها جديرة بحكم العرب الجزيرة كلهم ، والإحساس العميق بسيادته على مكة امتداداً للسلطان الذي أسسه جده قصي ، ولإشعار جميع من فيها بهذه الهيمنة وعندما حدثت فيما بعد مجاعة سافر إلى الشام ( غزة بفلسطين ) واشترى دقيقاً كثيراً فأمر به ، وعمل ثريداً هشم وأطعم المكيين ومن ثم سمي هاشماً إذ أن اسمه عمرو وقد سجل الشاعر هذه الواقعة في قصيدة منها :عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف(مسنتون إي أصابتهم سنة مجاعة ) ولا نريد أن نكرر ما سبق أن قلناه إن عناية هاشم بأمر الحجيج وتيسير شعيرة الحج لكل العرب الجزيرة العربية حتى الفقراء منهم بإمدادهم بالطعام الجيد والماء الوفير لهم طوال موسم الحج ، تأكيد من جانبه أن الدين ركيزة متينة من ركائز دولة قريش ، وهذا المنهج استنه كما ذكرنا في البحث الخاص بـ " قصي " ، قصى نفسه ، وقد سار على هذه الوتيرة من بعد هاشم ابنه عبد المطلب بل توسع فيها كما سيجيء في الكلام عليه ، ثم جاء من بعدهم الحفيد محمد ( ص ) فغدا على يديه " الدين " هو شعار دولة قريش التي أقامها في يثرب . ******

إذا كان قصي هو الذي أرسى حجر الأساس لـ " دولة قريش " فإن هاشماً هو الذي أوضح معالمها وأبرز قسماتها وظل دوره فعالاً حتى إنشائها على يد حفيده محمد عليه السلام ، ذلك أن هاشماً كان صاحب نظرة شمولية بمعنى أن نشاطه المتوثب والمتولد عن همة عالية امتد لأكثر من ناحية في تدعيم الدولة التي كانت في طور البروز فبدأ بـ " الاقتصاد " الذي هو عماد أي دولة فقد حول تجارة مكة من المحلية ( ذلك أن قريشاً كانوا قوماً تجاراً ، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة ، إنما يقدم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ويتبايعون فيما بينهم ، ويبيعون من حوله من العرب ، فلم يزالوا كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام ، وطلب من قيصر أماناً لقومه ليقدموا بلاده لتجاراتهم فأجابه لذلك ، وكتب لهم قيصر كتاب أمان لمن أتى بهم ، فأقبل هاشم بذلك الكتاب ، فكلما مر بحي من أحياء العرب أخذ من الأشراف إيلافاً لقومه ، يأمنون به عندهم وفي أرضهم من غير حلف ، إنما هو أمان الطريق واستوفى أخذ ذلك ممن بين مكة والشام ، فأتى قومه بأعظم شيء أتوا به بركة فخرجوا بتجارة عظيمة ) .
( وقال الرشاطي : كانت قريش تجارتهم لا تعدو مكة حتى نشأ هاشم بن عبد مناف ، وربل وعظم قدره ) . ثم يسوق الصالحي قصة ركوب هاشم إلى الشام ودخوله على قيصر فـ ( كلمه فأعجبه كلامه ، وأعجب به وجعل يرسل إليه ويدخل عليه ) وأخذ منه كتاب أمان لمن أتى منهم إلى البلاد ، وأخذ الإيلاف من أشراف القبائل ما بين مكة والشام فكان ذلك أعظم بركة ( ثم خرجوا أي القرشيون بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذلهم من العرب ، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام ) ، ولم يكتف هاشم بذلك بل دفع إخوته الثلاثة إلى أن يأخذوا أماناً ويعقدوا عقوداً مع سائر الملوك الذين كانوا على حوافي جزيرة العرب فـ ( خرج المطلب بن عبد مناف ) وهو يسمى الفيض لسماحته وفضله إلى اليمن ، فأخذ من ملكهم أماناً لمن تجر من قومه إلى بلادهم ، ثم أقبل يأخذ لهم الإيلاف ممن كانوا على طريقه من العرب ، وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه أماناً كذلك لمن تجر من قربش إلى بلاده ، ثم أخذ الإيلاف من العرب الذين على الطريق وخرج نوفل ابن عبد مناف وكان أصغرهم إلى العراق أخذ عهداً من كسري لتجار قريش ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب ، فجبر الله قريشاً بهؤلاء النفر الأربعة من بني عبد مناف فنمت تجارتهم واتسعت تجارتهم ، فكان بنو مناف يسمون لذلك " المجيرين " أو " المجيزين " والعرب تسميهم ( أقداح النضار ) لطيب أحسابهم وكرم أفعالهم ) .



بهذا تحولت مكة من قرية صغيرة من قرى القوافل يقنع أهلها بما تنقله القوافل التي تمر بها من بضائع يتجرون فيها مع جيرانهم في يثرب والطائف وأعراب البوادي والوافدين للحج والعمرة ، إلى مدينة كبيرة لها علاقات تجارية مع أكبر القوى الاقتصادية المحيطة بها ، وفي مقدمتها الدولتان العظيمتان في ذلك الزمان : فارس والروم . كذلك نمت ثروات سادات قريش وعظم مالهم ، الأمر الذي سارع في تفكيك البنية القبلية ، ونمى فيهم روح الملكية الخاصة والفردية ، بدلاً من الملكية المشاعية أو شبه المشاعية التي تتميز بها الحياة القبلية ، كل هذا ساعد على بذر بذور الحياة المدينية التي تحتم وجود حكومة تضبط أمورها ولم تعد سلطة شيخ القبيلة كافية ولا مناسبة للحياة الجديدة مما ساعد على قبول فكرة حكومة مركزية تهيمن على المدينة المقدسة ، التي غدت بذلك أو إلى جانب ذلك مدينة التجارة العالمية والثروات الواسعة ، التي لم يكن للعرب عهد بها قبل ذلك فضلاً عن أن ذلك أفرز أيضاً آثاراً جانبية مثل انقسام المجتمع الملكي إلى ملأ يملكون المال الوفير وإلى فقراء حتى من قريش ذاتها بعد نماء الثروات لذلك الحد، وكل هذا سوف يكون موضع دراسة موسعة إلى حد ما في الأبحاث القادمة .
والإيلاف الذي أخذه الأبناء الأربعة ـ علامة على عهود الأمان التي أعطاها لهم الملوك ـ كان له أثر كبير في حركة قوافل قريش داخل الجزيرة ، في الطريق من وإلى الشام والعراق واليمن والحبشة ، ذلك أن القبائل كانت تسترزق من نهب القوافل التي تمر بأرضها ، ولكن الإيلاف منعهم من ذلك ( فكان التجار قريش يختلفون إلى الأمصار بحبل هؤلاء الإخوة فلا يتعرض لهم ) وفي تفسير الإيلاف قال الخليل بن أحمد الفراهيدي : آلف يؤالف وقال الأزهري : الإيلاف شبه الإجارة بالخفارة ، وسواء كان هذا أم ذاك فإن الإيلاف ضرب من المال ، يدفع طواعية كهدايا أو منح لرؤساء القبائل التي تمر بحرمها القوافل التجارية القرشية ، ولكن يمتنع في الإيلاف عنصر الالتزام أو الإكراه لمكانة بني مناف الأربعة لدى أولئك الرؤساء ولأن العرب كانت تعظم القرشيين وتدعوهم " أهل الحرم " ويرى الإمام محمد بن يوسف أن ( الإيلاف أن يأمونا عندهم وفي طريقهم وأرضهم بغير حلف إنما هو أمان الطريق ) ، ويوافقه على ذلك الفيروز آبادي وذهب إلى أن الإيلاف الذي جاء في سورة قريش هو العهد وأن اللام في ( لإيلاف قريش ) للتعجب أي اعجبوا لإيلاف قريش ، وبعد أن ذكر الايلافات التي أخذها الاخوة الأربعة بنو عبد مناف أضاف ( وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار : الشام ، الحبشة ، اليمن ، فارس ، بحبال هذه الأخوة فلا يتعرض لهم وكأن أخ أخذ حبلاً من ملك ناحيه سفره أماناً له ) . ويؤكد الفيروز آبادي ذلك بقوله ( وتأويله أنهم كانوا سكان الحرم آمنين في امتيارهم وتنقلاتهم شتاء وصيف والناس يتخطفون من حولهم فإذا عرض لهم عارض قالوا : نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم أحد ) .

وعودتنا إلى ذكر الإيلاف مرة أخرى ، هو تبيان هدف آخر بخلاف الغرض الظاهر ، حماية قوافل قريش وتجاراتها ، ونعني به هو أن قريشاً بهذه الإيلافات قد غدت متميزة عن سائر العرب ، إذ أن القبائل كانت تستقضي جعلاً من كل من يمر بحماها أو أرضها ، حتى كسري نفسه عندما كان يبعث بتجارة داخل الجزيرة العربية كان يدفع جعلاً لكل قبيلة تمر هذه التجارة بأرضها برغم أنها كانت محروسة بـ " أساورة " كسرى ، أي جنوده الأشداء ، وعندما كان يتقاعس كسرى لأي سبب أو لآخر عن دفع " الجعالة " لأي قبيلة تمر بها قافلة ، كانت القبيلة تعتدي عليها ، وقد حدث أن قافلة لكسرى مرت بأرض قبيلة لم تدفع الجعالة المعهودة قام بنو تميم بنهبها ، وأسر جنود كسرى " الأساورة " بل أنهم أسروا ( هوذة بن علي ) وكان ملكاً على قبيلة بني حنيفة ولم يفكوا أسره إلا بعد أن دفع دية مضاعفة .

إن نجاح هاشم بن عبد مناف وإخوته الثلاثة في عقد هذه الإيلافات التي ينتفي منها - كما قلنا - عنصر الإكراه والتي هي ليست أحلافاً ، ورضا رؤساء القبائل بها دليلاً لا يقبل الشك على علو مكانة هاشم وبني عبد مناف وارتفاع نجمهم في الجزيرة ، وشعور شيوخ القبائل بأن وضعاً جديداً يتبلور في مدينة القداسة " مكة " ، خاصة وأن هؤلاء الرؤساء لم يعطوا الإيلافات إلا بعد أن أطلعوا على كتب الأمان التي حررها ملوك فارس والروم واليمن ، ولابد أنهم تساءلوا في قرارة أنفسهم : هل يعطي الملوك مثل هذه الكتب إلا لمن بلغ شأوا بعيداً في السؤدد والسلطان ، واستن هاشم رحلتي الشتاء والصيف الأولى إلى اليمن والحبشة ، والأخرى إلى الشام وفلسطين وكلا من الإيلاف وهاتين الرحلتين ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة قريش وفي الشعر :سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف واهتم هاشم أيضاً بتوثيق العلاقات الدبلوماسية مع الممالك الواقعة على أطراف الجزيرة فكان ( يدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه ) ..( وخرج أخوه عبد الشمس إلى النجاشي بالحبشة وخرج أخوهما نوفل إلى الأكاسرة بالعراق وخرج المطلب إلى حمير باليمن ) . هذه السفارات الدبلوماسية لملوك الأرض المعروفين آنذاك ، كانت موضع إعجاب وتقدير شديدين من العرب قاطبة ، فقال منهم عبد الله بن الزبعري وقيل بل هو أبوه :يأيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد منافالآخذون العهد من أفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف
والشعراء في ذلك الزمان كانوا هم أهل الثقافة ورجال الإعلام وألسنة القبائل .

وذكر الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي رواية موجزها أن قيصر بعث إليه ليتزوج ابنته وسواء صحت هذه الرواية أم بطلت فالأمر الثابت أن هاشماً كان يفد على ملك أو إمبراطور الروم فيكرمه ويحبوه ، بل بلغ تقديره إياه أنه ( كتب إلى النجاشي أن يدخل قريشا في أرضه ) وقرأنا أخبار إرساله إخوته سفراء لباقي الملوك .والذي يفعل ذلك مع الملوك الذين يقابلونه بالتكريم ، لابد أنه قد بلغ مرتبة حاكم المدينة المقدسة ، لا مجرد شيخ قبيلة من عشرات القبائل التي تعج بها الجزيرة العربية ، وهذه الحقيقة بلغت أولئك الملوك عن طريق جواسيسهم في مكة الذين كانوا يتزينون بزي التجار .ولقد قيم حبر الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ، جده هاشماً تقييماً صحيحاً أوضح دوره في بناء دولة قريش فقال روى البلاذري عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : والله لقد علمت قريش أن أول من أخذ لها الإيلاف وأجاز العيرات لهاشم والله ما أخذت قريش حبلاً لسفر ، ولا أناخت بعيراً لحضر إلا بهاشم ) . _ وثق هاشم أيضا صلاته الداخلية ، بأن أصهر إلى العديد من القبائل الكبيرة المشهورة ، فتزوج سلمى بنت عمر بن زيد سيد بني عدي بن النجار من الخزرج بـ " يثرب " ، وكانت امرأة حازمة جلدة مع جمال ، رآها تتاجر بنفسها في سوق النبط فأعجبته وكانت تتأبى على الخطاب بعد طلاقها من زوجها الأول ولكن لما علمت أنه سيد مكة زوجته نفسها ) . كذلك تزوج هند بنت عمر من بني الخزرج ، وهكذا ارتبطت قريش بأهل يثرب برباط متين وسوف تزداد هذه الرابطة شدة على يد عبد المطلب ، أما علاقة محمد(عليه السلام) بـ " اليثاربة " فمعروفة هذا يدعونا إلى القول بأن نشوء دولة قريش في تلك المدينة لم يكن مصادفة تاريخية بحت ، وهذه مسألة جديرة بالبحث والتمحيص من قبل علماء التاريخ الإسلامي المحدثين الذين مازال أغلبهم يمر على هذه المسائل الحساسة مروراً عابراً مكتفياً بالتعليلات الغيبية التي ذكرها مؤرخو الإسلام القدامى مثل قولهم : ( لما أراد الله بالخزرج والأوس الكرامة قيض لهم مقابلة محمد بمنى في موسم حج فعرض عليهم الإسلام فآمنوا … ) هكذا دون بحث الأسباب الموضوعية الكامنة وراء استجابتهم السريعة لدعوة محمد عليه السلام ، مثل مجاورتهم لليهود وسماعهم منهم نظرية ( النبي المنتظر ) وكوجود علاقات قديمة تمتد لعشرات السنين بين قريش وأهل يثرب .

ألم يفكر هؤلاء المؤرخون المحدثون في المقارنة بين سبب رفض ثقيف التي تقطن الطائف وهي أقرب إلى مكة من يثرب للإسلام ومحاربتها إياه بشراسة حتى إنهم قتلوا أحد زعمائهم وهو " عروة بن مسعود " عندما دعاهم إليه ، وقبلها صمدوا لجيش الرسول محمد عليه السلام ولحصاره قريتهم حتى عاد أدراجه إلى المدينة انتظاراً لفرصة أخرى ، وبين قبول الأوس والخزرج لديانة الإسلام بسهولة ويسر يلفتان النظر ؟؟

إن القول بأن ذلك مرجعه لتمسك ثقيف بمعبوديهم " الطاغية " غير كاف لأن الأوس والخزرج لم يكونوا أضعف إيماناً بأربابهم أو آلهتهم من أهل الطائف . إذن لابد من تقصي الأسباب الموضوعية التي غفل أو تغافل عنها المؤرخين ، وهو ما يعزز الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بموضوعية وعقلانية والنأى عن عهد التعليلات التي تعتمد على الغيبيات والماورائيات والأساطير . بعد هذه الاستطرادات نعود إلى هاشم ودأبه على تمتين علاقاته في الداخل بالأصهار إلى أمهات القبائل في جزيرة العرب :فقد تزوج أيضاً : أم قيلة فهي " الجزور " بنت عامر من خزاعة ، أميمة بنت عدي من قضاعة ، وواقدة " أم عبد الله " بنت عدي من صعصعة وعدي بنت حبيب من ثقيف ، وصار الإصهار إلى كبريات القبائل من بعد هاشم سنة أتبعها خلفاؤه من بناة " دولة قريش " مثل ابنه عبد المطلب وحفيده محمد ( ص ) الذي تحقق على يده الحلم وتحول إلى واقع وبرزت إلى الوجود دولة قريش في يثرب . *****

وكان من رأي هاشم أن العدالة الاجتماعية مطلب ملح لإقامة دولة قريش لذا حرصه عليها وعلى تحقيقها على أرض الواقع شديداً ، فقد رأينا حثه قريشاً على الإسهام في تكاليف الرفادة التي يستفيد منها بالدرجة الأولى فقراء العرب من الحجاج .ولم يكن حرص هاشم على تكريس العدالة الاجتماعية ففي موسم الحج فحسب بل في داخل مكة وبصفة مستمرة لا موسمية . يقول الإخباريين أنه كانت توجد بين العرب عامة وقريش خاصة عادة تسمى الاحتفاد ( أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا ، خوفاً من أن يعلم بخلتهم أي فقرهم ) فأبطل هاشم هذا التقليد الخبيث وقال لقريش ( رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً بعدد عياله ) وفي نظر الإمام القرطبي : " أن تلك العادة كانت تسمى " الاعتفار " وتفسير هذه الكلمة عنده : ( أنه إذا أصابت واحداً منهم مجاعة جرى هو وعياله إلى موضع معروف فضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا اتقاء لمرة التسول ومد اليد إلى الغير وأنفة من طلب الإحسان من القريب أو الغريب وهو تفسير الصالحي عينه . وحدث أن أسرة من بني مخزوم شرعت في الاعتفار فبلغ ذلك هاشما ففزع أشد ما يكون الفزع ( فقام خطيباً في قريش وكانوا يطبعون أمره فقال : أنكم أحدثتم حدثاً تقلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعز العرب وأنتم أهل حرم الله جل وعلا وأشرف ولد آدم والناس بكم ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم فقالوا نحن لك تبع فقال ابتدئوا بهذا الرجل ـ يعني الذي اعتفر ـ فأغنوه عن الاعتفار ففعلوا )

ونخرج من هذه الخطبة بالحقائق الآتية : أ ـ أن قريشاً كانت تطيع أمره وما ذلك إلا لأنه كان سيدهم وحاكم مكة .ب ـ اعتقاد هاشم الجازم بأن قريشاً أهل حرم الله جل وعلا وأشرف ولد آدم والناس تبع لهم وظل هذا الاعتقاد راسخاً في نفوس القرشيين .ج ـ خشية هاشم من أن الاعتفار أو الاحتفاد سوف ينقص عدد قريش ويذلهم . وسبق أن أوردنا أن هاشماً عندما ضربت قريشاً مجاعة في إحدى السنوات أحضر دقيقاً من الشام (فلسطين) وجعله ثريداً وهشمه وأطعم من أضير من المكيين من المجاعة . لقد شجب الاحتفاد أو الاعتفار قولاً وعملاً وأنقذ فقراء قريش لله من الموت جوعاً لشعوره بالمسئولية كحاكم لمكة ، ولاعتقاده أن الظلم الاجتماعي يقوض أركان الدولة التي كان يسعى لتدعيمها بعد أن وضع أساس بنيانها جده " قصي " .كذلك كان هاشم إذا بلغه خبر عن وقوع خلاف بين قبيلتين يؤذن بشر مستطير ، عمل جاهداً ولعل أشهر واقعة في هذا الصدد تلك التي خطب فيها خطبته المعروفة بـ ( الحكيمة ) والتي ملخصها أنه ( لما وقع بين عذرة وخزاعة هنة في سبب غلام لإمرأة من خزاعة يحطب لها ويعود بكسبه عليها ، فأصابه رجل من بني عذرة فقتله فحملت عذرة قيمته إلى خزاعة فأبوا أن يقبلوها وقالوا : لا يكون ذلك حتى نقتل غلام عمرة بنت قبيضة من سليك ، فتفاقم الأمر بينهم حتى تداعوا بالأحلاف ، فخشي هاشم ابن عبد مناف فساد الحرم وأن تنتهك حرمته فدعا بمنبره المركن ووعد الناس بئر بني قصي بن كلاب الحرد التي بملتقى الرفاق ، فلما اجتمع الناس قام فيهم خطيباً فخطب خطبته التي تسمى ( الحكيمة ) اختص فيها بني نزار دون قحطان ، ومضر دون ربيعة وقريشاً دون سائر القبائل فقال : معاشر الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وولد النضر بن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسلطان الحرم ، لنا ذروة الشرف ولباب الحسب ومعدن وغاية العز . ونحن جبال الأرض ودعائم الحق وسادات الأمم ) . ودعا الفريقين إلى تحكيم العقل ونبذ الحرب ورأب الشعب وجمع الفرقة ( ثم سكت فقال بنو عذرة وبنو خزاعة : قد رضينا بحكمك يا أبا نضلة وانصرف القوم عن صلح )

من هذه الخطبة أيضاً نخرج بالحقائق التالية :أ ـ أن هاشماً عندما جمع القبيلتين المتنازعتين بني عذرة وخزاعة لفض خلافهما كان دافعه لذلك ( خشية فساد الحرم وانتهاك حرمته ) أي زعزعة استقرار الدولة التي يسهر على شئونها .ب ـ أنهم استجابوا لدعوته فوراً وهذا لمقامه كسيد لمكة وحاكم للبلد الحرام .ج ـ كان له ( منبر مركن ) شأن الملوك .د ـ أنهم رضوا بحكمه دون تردد .هـ وصف قريشاً بأوصاف لا تدع مجالاً لأدنى شك بإيمانه بأنها سيدة العرب ومالكة أمرهم عبارات بالغة الدلالة ، ناطقة بذاتها ليست في حاجة إلى تفسير وغنية عن أي تأويل ، ولقد ورث أبناؤه وأحفاده هذا الإيمان وغدا في نفوسهم عقيدة راسخة رسوخ الجبال أن قريشاً لم تعد قبيلة كسائر قبائل شبه الجزيرة العربية بل هي دولة حاكمة على أقدس مدينة ، وحائزة على شرف الهيمنة على أقدس كعبة فيها وأنها بصدد التحول إلى دولة مركزية سوف تسيطر على بلاد العرب من أدناها إلى أقصاها .و ـ أن من حضر من القبائل وسمع تلك الخطبة ( الحكيمة ) لم يجرؤ على أن يعارض كلمة واحدة منها ، لأنهم يوقنون في مستقر نفوسهم أن ما صرح به هاشم حق لا مرية فيه وأن " قريش الدولة " غدت واقعاً ملموساً وأنها اليوم تمسك بيديها زمام الأمور في مكة ، وفي الغد القريب سوف تسيطر على الجزيرة العربية كلها . ****

هذه لمحات سريعة عن الجهود التي بذلها هاشم في رفع بنيان دولة قريش وسوف يواصل تعليته من بعده ابنه عبد المطلب حتى يكتمل على يد حفيده محمد عليه السلام .






ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قديم 2010-12-29, 16:00   رقم المشاركة :2
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي


ثانيا : عبد المطلب ، الدين يظاهر الدولة

نحن أمام شخصية باهرة استطاعت أن تستوعب الأفكار أو النظريات السياسية التي كانت سائدة في زمانها وكيف أن السياسة اختلطت بالدين ، أو بمعنى أصح خلطته بها ، لتثبيت أركانها ، وهو ما قام به حكام الأمبراطورية الرومانية الشرقية على وجه الخصوص ( فقد كان قسطنطين " 306 /337م " يعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية ) وكان ذلك ( بداية النموذج البيزنطي الذي يجمع فيه الإمبراطور حقا بين القيصر والبابا ، وما أن أهل القرن السادس حتى كان الإمبراطور يوجه السياسة الكنيسة وفقا لهذه النظرية القيصرية البابوية القائلة بأن الإمبراطور هو نائب الله على الأرض ) إذن في القرن السادس الميلادي بلغت نظرية خلط السياسة والحكم بالدين ذروتها وغدا الإمبراطور نائب الله على الأرض ) .

عبد المطلب عاش في القرن السادس الميلادي إذ أنه توفى ( بمكة سنة 578 م بعد عام الفيل فـبثماني سنين وله عشر ومائة سنة ) ويرى البعض أنه عاش مائة وثمانية عاماً . وهنا يثور سؤال ما هي صلة أهل مكة وعبد المطلب بالإمبراطورية الشرقية الرومانية ( البيزنطية ) حتى تصل إلى أفكارها ونظرياتها في الحكم والسياسة وخلطهما بالدين أو خلط الدين بهما ؟
نجيب عن هذا السؤال بالآتي : أ ـ ذكرنا فيما سلف أن هاشماً أبا عبد المطلب كان على صلة طيبة بـ " قيصر الروم " يدخل إليه فيكرمه ويحبوه . ب ـ كانت قوافل قريش التجارية دائمة التردد على الشام " خاصة في رحلة الصيف " والشام إحدى ممالك الإمبراطورية الرومانية الشرقية بل أن بعضها كان يصل إلى أنقرة ، وعبد المطلب رجل من قريش وأحد أثريائها وفيما بعد أصبح سيد مكة والتجار الذين كانوا يسافرون إلى هناك لا يغمضون عيونهم ، ولا يغلقون آذانهم ولا يسدون أذهانهم ولا يعطلون عقولهم خاصة أن القرشيين بشهادة القرآن الكريم كانوا أهل ذكاء وفطنة وكانوا أيضاً على درجة متميزة من الحضارة بالقياس إلى غيرهم من العرب دعك من الأعراب. ج ـ إن علاقات قريش بالشام وقياصرة الروم استمرت حتى بعد ظهور النبي محمد ( ص ) وحكاية وفود أبي سفيان بن حرب بن أمية ورجال من قريش على " هرقل " الروم وسؤاله إياهم عن محمد ونسبه وأتباعه ومعاركه الحربية .. إلخ مسطورة في أمهات دواوين السنة وكبريات السيرة النبوية ( عن ابن عباس رصي الله عنهما أن أبا سفيان أخبره : أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله ( ص ) ماد فيها أن أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بايلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان ، فقال : أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان أنا أقربهم نسباً ..إلخ ) د ـ كان بمكة تجار من الروم وكان بعضهم يتخذ من التجارة ستاراً يغطي به مهمته الأساسية وهي التجسس لحساب قيصر أو هرقل ، وهؤلاء من المحتم أن صلات ربطتهم بتجار مكة وكبرائها وأثريائها ، مما يستدعي الحوار فيما بينهم وتبادل الآراء والأفكار والحديث في الشئون العامة ، وهكذا من المنطقي أن يكون عبد المطلب وغيره من زعماء قريش قد أطلعوا على ما يجري لدى الروم من أحوال السياسة والاقتصاد والدين . ويلتقط عبد المطلب فكرة إلباس الدولة ثوب الدين لتدعيمها نحن لا نزعم أن عبد المطلب أخذ النظرية البيزنطية بحذافيرها ولكنه استخلص منها جوهرها وهو فاعلية الدين في ترسيخ الحكم إذا رفع شعاره ، وتثبيت أعمدة الدولة إذا تسربلت بردائه .

إن الادعاء بعزلة مكة عما حولها وتقوقعها على ذاتها ، إدعاء فاسد يذهب إليه البعض حتى يثبت أن الإسلام نزل في بيئة مغلقة بعيدة عن الفكر وجاهلة وأمية ، ظناً منه أنه بذلك يخدم الإسلام في حين أنه يضره ويضيره . وتفنيد هذا الادعاء وبيان فساده والكشف عن بطلانه تولاه باحثون جادون لا تحكمهم العاطفة الفجة ( فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة منعزلة تعيش في الصحراء ولا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي وهم يبنون على هذه قضايا ونظريات ) ، ثم يشجب العميد د . طه حسين وجهة النظر هذه بشدة ويقول ( كلا القرآن يحدثنا بشيء غير هذا ، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال قوي بمن حولهم بل كانوا على اتصال قوي ) . فإذا ثبت أهل مكة كانوا على اتصال بغيرهم من الأمم أو من حولهم منها فإن انتقال الأفكار أمر طبيعي لا يماري فيه أحد وعبد المطلب في الذؤابة العليا من أهل مكة ( قريش ) إذن هو لابد أن يكون على علم بما كان يجري من أمور في الإمبراطورية الرومانية الشرقية ( البيزنطية ) ويعرف كيف كانت تحكم وماذا كان يدعيه حكامها وسمع عن نظرية القيصرية البابوية وأن الإمبراطور أو قيصر أو هرقل كان يعلن على الملأ أنه نائب الله على الأرض ، فأدرك وهو صفوة قريش لماحية بل وألمعية مدى الدين في تدعيم الدولة ، وتوثيق أركانها وترسيخ قوائمها ، فأعجبه ذلك أيما إعجاب فطبقه بطريقة فذة واقتدار بالغ بكيفية تتوافق مه موجبات بيئية ومقتضيات مجتمعه وكان موفقاً في ذلك غاية التوفيق إذ أثبت التاريخ فيما بعد أن الدين كان له أثر لا يباريه فيه أي عنصر آخر في نجاح دولة قريش التي استمرت بعد عبد المطلب ما يناهز تسعة قرون .

استوعب عبد المطلب الدرس جيداً واستثمر الدين بكل وظائفه : الرؤى والأحلام والرموز والنبوءات ( سوف يجيء الكلام على كل واحد منها على حدة ) وهي الأدوات عينها التي يستعملها الدين لإيقاع الهيبة ، ولغرس القداسة في النفوس جمع بين الدين والحكم ، فكان يلقب بـ " سادن الكعبة " و " سيد الطحان " في الوقت نفسه تماماً مثل القيصر البابا ، أما الذي أخبرنا أن عبد المطلب ( كان سادن الكعبة ) فهو شيخ الإسلام فضيلة الإمام الأكبر د . عبد الحليم محمود عندما عرب كتاب " محمد رسول الله" الذي ألفه أتبين دينيه / سليمان إبراهيم ، وأضاف ( كما كان عبد المطلب أميراً من أمراء قريش التي هي من أنبل قبائل العرب ) أي أن عبد المطلب كان يجمع بين القداسة الدينية والإمارة الدنيوية ، وأكد الإخباريون القدامى أنه ( كان يتأله ويعظم الفجور .. وكان سيد قريش حتى هلك ) هنا نجد أن ابن سعد وهو من أقدم وأوثق المؤرخين يجزم بأن عبد المطلب كان يجمع بين التأله والسيادة ( والتأله هو التنسك والتعبد ) وفي الخطبة التي ألقاها عبد المطلب بين يدي سيف بن ذي يزيد عندما ذهب على رأس وفد قريش يهنئه على ظفره بالحبشة ذكر ( عبد المطلب ) أنه واحد من سدنه البيت الحرام الذي بمكة أي الكعبة ) وبلغ من تألهه في رواية ابن سعد أن الكنز الذهبي الذي وجده عند حفر زمزم أمر به فضرب صفائح في وجه الكعبة وجعل قفل بابها ومفتاحه من الذهب ، ومعلوم أن كعبة مكة هي أقدس الأقداس عند العرب حتى اليوم و( كانت جرهم حين أحسوا بالخروج من مكة دفنوا الغزالين وسبعة أسياف قلعية وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطلب .. فضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة وكانا من ذهب وعلق الأسياف على البابين يريد أن يحرز به خزانة الكعبة وجعل المفتاح والقفل من ذهب ) ، وأطبق عليه د . سيد محمود القمني ( أستاذ الحنفية وزعيمها ) ، وفي حقه يقول الأستاذ عباس محمود العقاد ( كان عبد المطلب متديناً صادق التدين مؤمناً بمحارم دينه في الجاهلية لأن ثقة الإيمان طبيعة في وجدانه وهو أول من حلى الكعبة بالذهب من ماله ) .

إن مظاهر تأله عبد المطلب متعددة :أ ـ الاعتكاف في غار حراء للتحنث في شهر رمضان والإكثار من عمل البر وإطعام المساكين طواله ) ويؤكد د . جواد علي على أن المتحنفين ( ذكرنا أن عبد المطلب كان منهم أو زعيمهم برأي د . سيد القمني ) دأبوا على الاعتكاف في المواضع البعيدة عن الناس وأنهم كانوا ( يتحنثون فيها ويتأملون الكون يتلمسون الصدق والحق والتحنث والتعبد ، فكانوا يتعبدون في تلك المواضع الهادئة الساكنة مثل غار حراء وقد ذكر أن الرسول كان ينحنث فيه الليالي يقضيها في الغار ) .ب ـ وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية .جـ وكان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأمور .د ـ وكان يؤمن بالدار الآخرة ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام ووحد الله سبحانه وتعالىهـ تؤثر عنه سنن جاء القرآن الكريم بأكثرها وجاءت بها السنة منها : 1ـ الوفاء بالنذر2ـ المنع من نكاح المحارم3ـ قطع يد السارق4ـ منع قتل الموءودة5 ـ تحريم الزنا6 ـ ألا يطوف بالبيت عريان هذه لمحة سريعة عن القسمات الشخصية لعبد المطلب من " الجانب الديني " يبين فيها أنه أدرك - حتى ينجح في مسعاه في دمج ضفيرة الدين في نسيج الدولة - أنه يتعين عليه أن يبدأ بنفسه حتى تكون هناك مصداقية لدعواه ، ونأمل ألا يفهم من هذا أن تلك السمات كانت مستعارة أو مصطنعة حاشا وكلا ، فهو كما يبين مما قرأناه عنه في المصادر كافة التي أتيحت لنا أنه كان " متألهاً " بحق وعقيدة ولكن كان يعلم وهو الرجل المحنك صاحب التجارب العميقة ، ضرورة ضرب المثل بالنفس بداية وأهمية القدوة عند دعوة الناس إلى أية وعقيدة فهنا تلازمت أو تزامنت طبيعته المتألهة مع نهجه في مزج الدين بالدولة وضرورة ذلك حتى تكتسب الدولة القداسة التي إذا انغرست في نفوس المحكومين أثمرت طاعة كاملة وانقياداً تاماً ، وساهمت القداسة في نشر سلطان الدولة لا على مكة وحدها بل على الجزيرة العربية كلها . وأثبتت الوقائع أنه كان حصيفاً بعيد النظر إذ ساعد الدين على استمرار دولة قريش قروناً عديدة ولا يهم تغيير نوعية الدين فهذا مبحث يند عن موضوع كتابنا ولكن المهم هو جوهر الفكرة ولبابها حتى لو قيل إن الفكرة استعارها عبد المطلب من حكام بيزنطة في القرن السادس الميلادي كما أسلفنا يبقى له الفضل في تعريبها أي تطبيقها بكفاءة نادرة على المجتمع العربي وهو فضل كبير ظلت قريش لآماد طويلة تعترف له به ، وتقدره من أجله أعظم تقدير.*****

استخدم عبد المطلب أدوات الدين التي ذكرناها آنفاً لتأكيد مكانة قريش عامة لدى جميع العرب ولأهل مكة خاصة فبدأ عبد المطلب بالرؤى والهواتف التي تجيئه في منامه ( قال عبد المطلب : إني نائم في " الحجر " إذا أتاني آت فقال : احفر طيبة ، قال : قلت ، ما طيبة ، قال : ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال : احفر برة قال فقلت : وما برة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال : احفر زمزم قال : قلت وما زمزم قال : لا تنزف أبداً ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل ) ، ولكن لماذا اقترن حفر بئر زمزم بحلم يراه عبد المطلب في منامه ؟ ولماذا أصر على أن الأمر بالحفر جاء عن طريق هاتف أو بتغييره آت أتاه في المنام يتكلم أو ينطق بـ " سجع الكهان " المليء بالرموز والألغاز والإشارات ؟! في حين أن غيره كثير من قريش حفروا آباراً منهم أبوه هاشم ولم يقرنوا فعلهم بهاتف أو آت في منامهم ؟ إن عبد المطلب كان من جانب رجلاً متألهاً ومن ناحية أخرى تلعب الأحلام دوراً بارزاً في المجال الديني والقرآن الكريم فيه العديد من القصص عن أحلام رآها أنبياء مباركون مثل إبراهيم ويوسف وهي نفسها وردت مع غيرها في التوراة كتاب اليهود المقدس واليهود جيران الخزرج في يثرب التي قضى عبد المطلب فيها صباه ولابد أنه سمعها هناك مع أخواله من بني النجار ، ومن ناحية فإن الرؤى والأحلام تضفي قدراً وفيراً من القداسة على الموضوعات المتعلقة بها ، إذا حايثتها ملابسات ورموز لها قداستها مثل ما حدث في حلم حفر زمزم مع عبد المطلب ، الذي تلقى الحلم وهو نائم في الحجر ( حجر إسماعيل ) والهاتف الذي أتاه تحدث بلغة الكهان :الكلام المسجوع والألغاز والرموز والإشارات ، وهذا ما يؤكده علماء الاجتماع .( أما الأحلام المعبرة عن النمط الثقافي السائد فهي بحق الأحلام التي توضح بشكل أكثر مباشرة تأثير الثقافة على الأحلام ، فهذا النوع من الأحلام تحدد الثقافة ملامحه وتكافئ صاحبه عليه ، وهو يضم في الغالب بعض الكائنات فوق الطيعة وتعتبر لذلك (رؤى ) وليست أحلاماً.

أما العناصر التي تتعلق بالأحلام فهي :أ ـ تظهر الكائنات فوق الطبيعة في الأحلام لتمد الأفراد بالقوى المختلفة وبالمساعدة وبالطقوس وبالمعلومات … ب ـ وهناك يعض الطقوس التي يتعين على الإنسان أن يؤديها إذا رأى أحلاماً معينة مثل تقديم أضحية أو الابتعاد من الناس ) ، فحلم عبد المطلب أو رؤياه يعتبر من الأحلام المعبرة عن النمط الثقافي السائد وهي الثقافة التي تلقاه في صباه في يثرب عندما كان يعيش مع أمه سلمى وأخواله من بني النجار والتي انتقلت إليه وإليهم من أثر احتكاكهم باليهود وفي الرؤيا أتاه " آت " وهو من الكائنات فوق الطبيعية وهو الذي أمده بالمعلومات التي حددت له موضع حفر " زمزم " وسوف نرى أنه في حلم آخر جاءه هذا الآتي ودله على الأضحية التي يجب عليه تقديمها شكراً لله وهي ذبح أحد أبنائه الذكور بعد أن بلغوا عشرة . وينقل إلينا الإخباريون حلماً آخر رآه عبد المطلب في منامه أيضاً في " الحجر " ولكنه في هذه المرة يتعلق مستقبل " دولة قريش " وكيف أن واحداً من شبابها يخرج من صلبه وهو الذي سوف يقوم بأمرها ويتولى شئونها حتى يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس ( قال عبد المطلب : بينما أنا نائم في " الحجر " رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعاً شديداً فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز على منكبي فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير وأنا يومئذ " سيد قومي " فقالت : ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون هل رابه من حدثان الدهر شيء ؟ فقلت لها : بلى وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى ثم يضع يدها على أم رأسه ثم يبدو بحاجته ولم أفعل لأني كنت " كبير قومي " فجلست فقلت : إني رأيت الليلة وأنا نائم كأن شجرة نبتت وقد نال رأسها السماء فضرب بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نوراً أزهر منها ، أعظم من نور الشمس بتسعين ضعفاً ، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة بروقاً ، ورأيت رهطاً من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوماً من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجهاً ولا أطيب منه ريحاً فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها قسماً فقال لي : لا نصيب لك منها فقلت : ومن له نصيب ؟ فقال : النصيب لها وللذين تعلقوا بها وسبقوك إليها ، فانتبهت فزعاً مرعوباً . فرأيت وجه الكاهنة قد تغير ثم قالت : لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس ) .

في هذه الواقعة التي رواها لنا الإمام الجوزي نرى أن عبد المطلب استخدم الرؤيا لتأكيد هدفه ، وللإيحاء بأن دولة قريش رسالة علوية لابد من تحقيقها على أرض الواقع ووظفت الكاهنة التي يعظمها أهل مكة ( لا يملكها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى ) والتي هي في نظرهم شخصية مباركة كما أن لها في نظرهم صلة وثيقة بالقوى العلوية وتوظيف الكاهنة هنا من قبل عبد المطلب هو لتوثيق الهدف بخروجه من ضمن من له اتصال بالعوالم الغيبية التي يتقبل الناس كلامها بالتسليم المطلق ، لأنه نوع من الإلهام السماوي ( فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق " من إدراك غيبهم " ) فلما تقول كاهنة قريش لسيد قريش عبد المطلب ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس " يصير هذا القول حقيقة مؤكدة لأنها لم تقل ذلك من تلقاء نفسها ولكن عن إلهام أتاها من قوى علوية هي على اتصال بها وأن هذا " من إدراك الغيب " على حد التعبير عبد الرحمن بن خلدون يصبح التشكيك فيه نوعاً من التجديف والإلحاد ويتولى عبد المطلب وبنو عبد مناف إذاعة هذه النبوءة بين الناس حتى تؤتي ثمارها . *****

سبق أن ذكرنا أن هاشماً أبا عبد المطلب تزوج سلمى إبنة أحد سادات بني نجار من الخزرج في يثرب فولدت له هناك عبد المطلب وظل فيها حتى ناهز البلوغ إلى أن حضر عمه عبد المطلب وأخذه إلى مكة ، واليهود في ذلك كانوا يعيشون في يثرب ويختلطون بأهلها من الأوس والخزرج الذين لابد أنهم سمعوا منهم العديد عن ديانتهم التوحيدية وعن قصصهم التي تحفل بها التوراة كتابهم الأقدس ، وبداهة أن عبد المطلب سمعها معهم أثناء مقامه بين ظهرانيهم وترسب بعضها في ذهنه مثل " المسطورة " التي تحكي عن شروع النبي إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه إسحق عند اليهود " ثم افتدى بكبش ( فناداه ملاك الرب من السماء وقال : إبراهيم إبراهيم ، فقال : هأنذا ، فقال لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً ، لأني علمت الآن أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني ، فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه ، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه ) واستيعاب عبد المطلب لهذه ( المسطورة ) على وجه التحديد مرجعه أنها تتعلق بـ إبراهيم عليه السلام جد العرب المستعربة فهو أبو إسماعيل أبوهم وظلت مختمرة في ذهنه وتعيش في وجدانه حتى بعد أن كبر وغدا ( سيد البطحاء ) فنراه يعيد تشخيصها سواء عن وعي أو عن طريق اللا شعور فهو ينذر لله ذبح أحد أولاده الذكور إذا تكامل عددهم إلى عشرة رجال ، ولكنه فيما يبدو شغلته المشاغل الرئاسية عن الوفاء بهذا النذر الذي لم يسبق إليه أحد من العرب كما قال له " ملأ قريش " هو الذي يؤكد ما نذهب إليه أن ذلك النذر كان من تأثير تلك ( المسطورة ) عليه إذ لو أن هذا النذر كان معروفاً أو شائعاً لدى العرب أو حتى عند قريش لقلنا أن عبد المطلب كان يتأسى فيه بمن سبقوه ، فلما أبطأ في وفاء ما نذره لله ( نام ليلة عند الكعبة فرأى في المنام قائلاً يقول : يا عبد المطلب أوف بنذرك لرب هذا البيت فاستيقظ فزعاً وأمر بذبح كبش وأطعم الفقراء والمساكين ثم نام فرأى قائلاً يقول : هو أكبر من ذلك فانتبه ، وقرب جملاً وأطعمه المساكين ثم نام ، فنودي : أن قرب ما هو أكبر من ذلك فقال : وما هو أكبر من ذلك ؟ فقيل له : أحد أولادك الذي نذرته فاغتم غماً شديداً ) ولكنه لا يجد مفراً من تنفيذ أوامر " الهاتف " أو " الآتي " ويهم بذبح أصغر أبنائه وأحبهم إليه وتنتهي الحكاية بفداء الابن ، لا بكبش واحد كما افتدى اسحق عند اليهود وإسماعيل عند المسلمين ولكن بمائة من الإبل ، ونجحت هذه الواقعة في تحقيق الهدف الذي تغياه منها عبد المطلب ، إذ منذ حدوثها صارت تتم المقارنة بين إبراهيم عليه السلام وعبد المطلب وإسحق أو إسماعيل عليهما السلام وابن عبد المطلب الذي قدمه للنحر وأصبح يقال لإسماعيل ولابن عبد المطلب ( الذبيحان ) والذي يلفت النظر أن عبد المطلب عندما أراد أن يوفي بنذره لله تعالى لم يقم بذلك سراً في داره أو في أحد جبال مكة بعيداً عن الأعين ولكنه فعل ذلك في فناء الكعبة وعلى مرأى ومسمع من ملأ قريش الذي سارع فحال بين عبد المطلب وبين ما كان يريد - قد يقال رداً على هذا التساؤل إن عبد المطلب وبين ما كان يريد - قد يقال رداً على هذا التساؤل إن عبد المطلب أراد ذبح الابن عند قدمي ( إساف ونائلة ) وهما صنمان لقريش كانا في فناء الكعبة كما ورد في بعض كتب السيرة ، ولكن هذا مردود عليه بالآتي : أن النذر كان لله لا لـ ( إساف ونائلة )
إن عبد المطلب كان من المتحنفين بشهادة عدد من المؤرخين القدامى " والباحثين المحدثين " والمتحنفون هم الموحدون في المقام الأول وعلى ( ملة إبراهيم ) ونبذوا الأصنام وسفهوا الذبح لها ذبح الأنعام " الحيوانات " لاذبح إنسان .

أغلب الظن أن عبد المطلب اختار مكان الذبح وهو نادى قريش عن عمد لأنه كان موقناً أنهم سوف يمنعونه ، والذي جاء بـ " الكبش " في " مسطورة " إبراهيم عليه السلام هو ملاك الرب جبريل عليه السلام قيل أنه حضره من الجنة ، أما الذي أفتى بذبح مائة من الإبل فداء لابن عبد المطلب فهي عرافة الحجاز المقيمة بـ يثرب حيث قضى عبد المطلب صباه أو خيبر واسمها قطبة أو سجاح . ونلاحظ أن الرؤى لا تأتي لعبد المطلب إلا وهو نائم في أماكن تتسم بالقداسة فحلم عبد المطلب بـ حفر زمزم أتاه الآتي وهو نائم في الحجر أي حجر إسماعيل كذلك رؤيا الشجرة المباركة أما رؤيا ذبح الابن فقد وردت عليه وهو نائم عند الكعبة وهذا أمر له أدلة لأن الرؤى في هذه الأماكن المقدسة تستمد منها بالضرورة القداسة . ( فالاعتقاد بأن الآلهة كانت تتجلى للبشر وتعلنهم بإرادتها في الأحلام اعتقاد شائع في الأزمنة القديمة - ولهذا كان الناس يذهبون إلى المعابد وغيرها من الأماكن المقدسة ليناموا فيها ويحلموا فيتحدثوا إلى القوى العليا الخفية في الأحلام ، على أساس الاعتقاد بأن أكبر احتمال لتجلي الآلهة كان في الأماكن المخصصة لعبادتها ) .

إن تأدية عبد المطلب للدور نفسه الذي قام جده إبراهيم عليه السلام وتشبهه به لم يأت اعتباطاً ولكن لهدف لا يخفي وهو إضفاء مزيد من القداسة على سادن الكعبة وأمير مكة بدون مدافع . ومما سمعه عبد المطلب أيضاً وهو بين أخواله بني النجار " فكرة ظهور نبي منتظر " أطل أو أظل زمانه وهي فكرة شاعت في يثرب ثم بعد ذلك في مكة لاختلاط أهلها باليهود والنصارى وطمع أكثر من متحنف أن يكون النبي المنتظر مثل أمية بن أبي الصلت الشاعر المشهور وأحد الأحناف المعروفين وعبد المطلب كما ذكرنا كان أحدهم أو أستاذهم وزعيمهم في رأي د. سيد القمني ، فضلاً عن عراقة محتده وسمو مكانته في قومه ، إذن لابد أن يكون الأمل قد راوده في أن يكون هو النبي المنتظر أو على الأقل أحد ذريته ، ومما زاد هذا الأمل شعشعة في دماغه حتى سيطر على فكره أن بعض العرافين رشحه أو خليفة من صلبه لتلك الرسالة المجيدة ( أخبرنا اليزيدي قال : أخبرنا سليم بن عبد العزيز بن أبي نائب من ولد عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال : خرج عبد المطلب إلى اليمن في رحلة الشتاء فلقيه رجل من أهل الزبور فنسبه فانتسب له ، فقال : أتأمرني أن أنظر إلى شيء منك ؟ قال : نعم ما لم تكن عورتي ، فجعل يقلب وترة أنفه فقال : أني لأرى سحراً فيه نور النبوة ولكنا لا نجد النور يكون إلا في بني زهرة فهل لك من شاعة ؟ قال : وما الشاعة ؟ قال : الزوجة ، قال : أما اليوم فلا ، قال : فارجع فتزوج في بني زهرة فتزوج هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج عبد الله ابنه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فقال قريش : فلح عبد الله على أبيه عبد المطلب فولدت له حمزة والمقدم وصفية بني عبد المطلب وولدت آمنة لعبد الله محمدا ( ص ) ) ، ورورى ابن سعد هذه القصة بصورة قريبة ( عن جعفر بن عبيد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري عن أبيه عن جده قال : كان عبد المطلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير فنزل عليه مرة من المرات فوجد رجلاً من أهل اليمن قد أمهل له في العمر وقد قرأ الكتب فقال : يا عبد المطلب تأذن لي أن أفتش مكاناً منك ؟ قال : ليس كل مكان مني آذن في تفتيشه قال : أنما هو منخراك ؟ قال : فدونك ، قال فنظر إلي بار - وهو الشعر في منخريه - فقال : أرى " نبوءة " وأرى " ملكاً " وأرى أحدهما في بني زهرة فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج ابنه عبد الله آمنة بني وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت محمداً ( ص ) فجعل الله من بني عبد المطلب النبوة والخلافة والله أعلم حيث وضع ذلك ) .

هنا نجد أن عبد المطلب قد أرتكن إلى كهانة الكهان أو عرافة العرافين في مسألة توقع ظهور النبوة في قريش وعلى الأخص في أولاده ( من صلبه ) ولا يكتفي بتقبل هذه النبوءات باحتفال واستبشار بل هو يعمل على نشرها بين الناس الذين ظلوا يتناقلونها حتى دونها أصحاب الأخبار في كتبهم ، ولا شك أن هذه المقولات أو النبوءات عندما تشيع وتذيع بين المكيين والعرب تؤتي ثمارها المرجوة من تقديس قريش أولاً ثم بني عبد مناف فعبد المطلب وأولاده وبذلك تتعاضد القداسة مع الحكومة وتشد من أزرها . ولم يكن الكهان أو أصحاب العرافة وحدهم هم الذين بشروا عبد المطلب بظهور النبي المنتظر من صلبه بل إن " سيف بن ذي يزن " فعل ذلك ، عندما ذهب إليه عبد المطلب على رأس وفد من أشراف قريش لتهنئته بظهوره على الحبشة . ومن اللافت للنظر أن " سيف بن ذي يزن " أسر لعبد المطلب بهذه البشارة في خلوة بينهما لم يشهدها أحد ، فيغدو من البديهي أن من نقلها إلى الناس هو عبد المطلب نفسه وهو لم يفعل ذلك اعتباطاً أو دون هدف أو غاية هكذا وظف عبد المطلب الأحلام والرؤى والكهانة والعرافة وهي من أدوات الدين بذكاء واضح في تأكيد قيام دولة قريش . _

إضفاء هالة القداسة على دولة قريش ورئيسها كان عملاً فذاً من جانب عبد المطلب ، باشره بذكاء وسعة أفق ، ومعرفة بموجبات عصره في سياسة الحكم ، ولكنه لم يقتصر على ذلك أي أن يظل مجرد " سادن الكعبة " بحسب تعبير شيخ الإسلام فضيلة الإمام الأكبر د . عبد الحليم محمود ، بل أولى جانب " السيادة الدنيوية " اهتماماً ملحوظاً حقيقة أن أباه هاشماً وطأ له الأكناف وذلل له الصعاب وعبد له الطرق وبذلك وفر عليه الكثير ولكنه سار في إكمال الشوط. فكانت صلاته الخارجية بمن حوله من الملوك ممتازة استمرارا لخط أبيه ، فقد قرأنا سابقاً وفوده على رأس ركب من سادات قريش لتهنئ سيف بن ذي يزن لظهوره ( انتصاره ) على الحبشة ، وفي الوقت نفسه كان على علاقة طيبة بـ " النجاشي " ملك الحبشة إذ يحدثنا الإخباريون ( إن عبد المطلب وحرب بن أمية تنافرا إلى النجاشي فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما جد عمر بن الخطاب ) ، ولا شك أن تحكيم النجاشي بين عبد المطلب وحرب بن أمية دليل على المكانة التي بلغها عبد المطلب لدى ملك الحبشة . كذا رأينا فيما سلف أن عبد المطلب كان ينزل على " أقيال " اليمن عند وصوله إليه وفي احدى المرات قابل لدى أحدهم العراف الذي تنبأ بظهور نبي من صلبه .

أما في المجال الداخلي فقد كان يعقد " الأحلاف " مع رؤساء القبائل المعروفة ( أتاه نفر من خزاعة فقالوا : نحن قوم متجاورون في الدار ، هلم فلنحالفك فأجابهم إلى ذلك ) وخزاعة من أكبر قبائل جزيرة العرب . أما صلته بأهل يثرب وخاصة الخزرج أرومة أمه سلمى فكانت ممتازة ( كان عبد المطلب يكثر من زيارة أخواله في يثرب ) وعندما ثار نزاع بين عبد المطلب وعمه نوفل بشأن أملاك اغتصبها الأخير منه ، استعان بأخواله من بني النجار فأعانوه بـ( ثمانين محارباً يثربياً يحملون السيوف إلى مكة مما دفع نوفلاً إلى التراجع على الفور ) نعود هنا إلى التأكيد على ضرورة دراسة الأسباب الموضوعية التي جعلت من يثرب أول مقر لدولة قريش المعلنة ، وكيف أن ذلك لم يكن مصادفة ولا لأسباب غيبية كما ذهب إليه المؤرخون القدامى ومن جارهم من المؤرخين المحدثين . وفي سبيل توثيق عرى الروابط الداخلية لم يكتف بعقد الأحلاف بل سار على نهج أسلافه وهو النهج نفسه الذي سوف يسير عليه أخلافه ونعني به الإصهار إلى عدد من القبائل المعروفة : بني زيد بن مناة بن عامر ، بني زهرة ، بني مخزوم ، هوازن ، خزاعة ، والأخيرتان من أكبر قبائل جزيرة العرب ، وهذه الزيجات هي في حقيقتها أحلاف وأن لم تتخذ صورتها المعهودة . ثم واصل الاهتمام بـ " السقاية والرفادة " اللتين ذكرنا أهميتها فيما سلف سواء من الناحية الدينية أو الناحية الاجتماعية ( ثم ولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب فأقامها للناس ، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم من أمرهم ، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحد من آبائه وعظم خطره فيهم) ولعل أبرز ما يقدم دليل على عناية عبد المطلب بـ السقاية هو قيامه بحفر زمزم التي غطت أهميتها على البيار التي حفرها أسلافه من قبل ، حتى أنها غدت أشهراها في نواحي أقطار الجزيرة كافة ، ولذا كان من بين الألقاب التي أطلقت عليه ( ساقي الحجيج ) وقبل ذلك ( كان يسقيهم في حياض من أدم وجلد ، بمكة ، فلما سقى زمزم ترك السقى في الحياض بمكة وسقاهم من زمزم حين حفرها وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم ) وكان لعبد المطلب أبل كثيرة فإذا كان الموسم جمعها بماء زمزم ويسقيه الحاج. وكعادة الملوك الذين يتحرون العدل كان عبد المطلب يتفقد أحوال رعيته ليطمئن عليها ، وفي إحدى المرات كان عائداً من الطائف وكان آن ذاك قد ذهب بصره فسمع عن رجل من مكة أسره نفر من " جذام " لأنهم فقدوا واحداً منهم اغتالته بيوت مكة ، فأخذوه بدلاً من صاحبهم فأرسل إليهم عبد المطلب ابنه " أبا لهب " يسألهم ما الذي دعاهم إلى أسر المكي ؟ وتعهد لهم بالبحث عن الجذامي وقال : إن لم تجدوه فـ ( أنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهباً وعشراً من الإبل وفرساً ، وهذا ردائي رهناً بذلك فقبلوا منه ) فانطلق المكي مسرعاً إلى داره بمكة ولسانه يلهج بالمديح لـ " سيد البطحاء " .

وكان عبد المطلب يجير يهودياً فعدا عليه غلمان لـ " حرب بن أمية " فقتلوه فنافر عبد المطلب حرباً إلى " النجاشي " ثم إلى نفيل جد عمر ابن الخطاب الذي قضى لصالح سيد مكة فترك عبد المطلب منادمة حرب وأصبح " عبد الله بن جدعان " أغنى أغنياء مكة نديماً له . عبد المطلب غضب لقتل يهودي استجار به واصر على منافرة ابن عمه حرب وهو سيد من سادات قريش وترك منادمته أي قاطعه ولم يلتفت إلى أن القتيل يهودي غريب عن مكة وليس من ورائه قبيلة تطالب بديته ، وهذا يقطع بأن عبد المطلب كان مصراً على إقرار العدل في مكة التي حكمها .

كان عبد المطلب - كما روى لنا الإخباريين - يذبح عشرات الإبل فلا يصد إنساناً ولا وحشاً ولا طيراً ولذا كان يسمى بـ " مطعم الطير " ( لما قضى لعبد المطلب بـ " ذي الهرم " ماء له بالطائف غلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي - تنافراً إلى كاهن قضاعي فلما قضى لصالح عبد المطلب استعار عبد المطلب قدوراً ، ثم أمر فنحرت الجزائر ، ودعا من حوله فأطعمهم وبعث إلى جبال مكة بجزائر منها فأمر فنحرت للطير والسباع شكراً لله ) . هذه الصنائع من جانب عبد المطلب محاولة منه لتخفيف المعاناة عن فقراء قريش ، ولامتصاص سخطهم بعد أن تسارع المجتمع المكي في التفكك نتيجة لتعاظم الأموال واتساع نطاق التجارة ، وتحولها من المحلية إلى العالمية وأفول شمس مقومات مجتمع القبيلة الذي كان يتميز ولو بقدر يسير من التعاضد ، واختفاء الملكية الجماعية أو شبه الجماعية التي هي من خصائص المجتمع القبلي وحلول الملكية الفردية محلها ، ولبدء ظهور تمايز طبقي في المجتمع وانقسامه إلى طبقتين : الأغنياء والفقراء ( حتى من القرشيين أنفسهم ) فكان عبد المطلب كحاكم مسئول يعمل جاهداً على رفع - أو إزالة - عوامل التذمر لدى الجماهير المحرومة من أهل مكة من قرشيين وغيرهم .

ونختتم هذا لمبحث عن عبد المطلب بموقفه الذي يبدو غريباً للقارئ المتعجل من الغزوة الخائبة التي قادها الأشرم أبرهة الحبشي على مكة بفيله للاستيلاء عليها للتحكم في أهم " ملتقى " لطرق القوافل التجارية في جزيرة العرب ، ولم يوفق له ذلك ، لانتشار الأمراض في جيشه ومن بينها الجدري وعدم تحمل عسكره لحرارة شمس الصحراء الحارقة في الطريق من اليمن إلى مدينة القداسة لقد أظهر عبد المطلب حنكة يعز نظيرها ودهاء وبصراً بالأمور كلها تثير الدهشة البالغة :1 ـ فهو لم يحارب الحبش لأنه يوقن من قرارة نفسه أن قريشاً قبيلة تجارة لا قبيلة حرب فأمرهم باللجوء إلى شعاب الجبال .2 ـ أنه كان يدرك أن حرارة الصحراء ومصاعب الانتقال من اليمن إلى مكة ، سوف تقوم بدلاً من القرشيين التجار وأرباب المال بهزيمة الأحباش ودحرهم . 3 ـ أظهر للأشرم استخفافه واستهانته به وبجيشه عندما قابله إذ أن كل ما طلبه منه هو أن يأمر برد المائتي بعير المملوكة له والتي أغتصبها منه بعض جنده ، وكان الحبشي يتوقع منه التسليم وإمضاء شروط الصلح ، وهذا الموقف من جانب عبد المطلب فوق دلالته على دهائه البالغ - كان له تأثير نفسي صاعق على أبرهة إذ أصابه بالحبوط خاصة وأن جنوده كانوا يسقطون مرضى ضحية الحرارة الشديدة والأوبئة الفتاكة . 4 ـ شن عبد المطلب حربا نفسية من نوع آخر عندما أفهم الأشرم أن مكة بلد حرام بها بيت الله الحرام وكعبتها مقدسة ، لها رب يحميها وكان القائد الحبشي نصرانياً تشتعل في نفسه العاطفة الدينية وتشغل فيها حيزاً كبيراً ، خاصة وأنه لابد قد سمع من عبد المطلب أو غيره أن الذي وضع قواعد البيت مكة هو إبراهيم عليه السلام الذي له في نفوس أتباع المسيح مكانة عالية ( يبدأ الإصحاح الأول من انجيل متى بالآتي : كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داوود ابن إبراهيم ) 5 ـ بعد أن أمر عبد المطلب أهل مكة بالخروج منها والتحرز في جبالها وشعابها وقممها توجه إلى الكعبة وأخذ بحلقة يآبها وأنشد بصوت جهوري وأهل مكة يسمعونه : لاهم ( اللهم ) إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك ، لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدواً محالك إن كنت تاركهم و قبلتنا فأمر ما بدالك . بذلك أعلن عبد المطلب المكيين ثم العرب من ورائهم أن المعركة هي بين رب البيت والأشرم لا بين عبد المطلب والمذكور في حين يعلم عبد المطلب لحكم تجاربه العميقة وبصره بالأمور وبما وصله من أخبار معسكر الأحباش وما شاهده هو بنفسه وبعيني رأسه من أحوالهم المتردية عندما ذهب لقائدهم ليسترد أبعره أنهم وقائدهم مهزومون لا محالة قضت عليهم الحرارة الصحراء اللاهبة والأمراض والحميات ، ذلك أن هذه الحملة الفاشلة وقعت في أشد الشهور اشتعالاً بالقيظ ، والدليل على ذلك : أن النبي محمداً ( ص ) ولد في فجر الاثنين لإثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول - يوم 20 أغسطس 570م ) ولقد حقق الإمام محمد ابن يوسف الصالحي يوم ميلاد محمد عليه السلام وانتهى إلى أنه ( بعد الفيل بخمسين يوماً ، وقال ابن كثير وهو أشهر وصححه المسعودي السهيلي وزادا أنه الأشهر والأكثر ) ، فإذا كان المولد النبوي يوم 20 أغسطس 570 م وأنه كان بعد عام الفيل بخمسين يوما يكون" الفيل "أي حملة أبرهة وقعت في أواخر شهر يونيو وفيه تصل حرارة الجو إلى خمس وخمسين درجة في الظل داخل مكة فكم تبلغ في الصحراء والجبال المحيطة بها ؟
إذن عبد المطلب كان يعلم علم اليقين أن الهزيمة واقعة لا محالة بالأحباش . قال ابن اسحق : وحدثني يعقوب بن عتبه بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام .وقد فشلت حملة ابرهة بظروف بعيدة عن المكيين فقد تفشى المرض في جيش ابرهة وهو على أبواب مكة . 6 ـ بذكاء شديد استثمر عبد المطلب تلك الهزيمة النكراء فنسبها إلى القوى العلوية الغيبية التي تحمي البيت الذي لاذ بحلقته داعياً ربه وحاميه وهم جميعاً يشهدون . وأن ما وقع لأبرهة وجنوده كان إكراماً لقريش وسادن كعبتها وأسرته على وجه الخصوص ، وآمن المكيون ومن بعدهم العرب - جميع العرب - بهذا التصور ، وطافت هذه الحكاية تصك أسماع كل من له أذنان في جزيرة العرب وما جاورها ( قال ابن أسحق فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم من النقمة عظمت العرب قريشاً وقالوا : هم أهل البيت قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوهم ) .



حلف الفضول



بعد وفاة عبد المطلب افتقرت قريش إلى الزعامة لم يظهر من بعده من يمسك بمقاليد الأمور في العاصمة المقدسة مكة ، ولعل عدة عوامل تضافرت على ذلك أهمها : عدم وجود شخصية كارزمية ( آسرة ) تستطيع أن تهيمن على بطون وأفخاذ قريش وتدين لها كلها بالولاء كما كان هو الشأن مع عبد المطلب ، ومنها أن قريشاً كانت في طريق التحول من القبيلة إلى الدولة ، ولو أننا ندرك أن وصف الدولة ما زال في بواكيره ولم يصل بعد إلى غايته ، ولكنه بدأ بالفعل وإلا أسقطنا الجهود الجبارة التي بذلها قصي وهاشم وعبد المطلب

وحكمنا عليها بالاجدوى أو العبث ، ولعله من السابق لأوانه أن نذكر هنا العوامل الاقتصادية التي ساعدت على هذا التحول ، إذ سوف يأتي ذلك في الحديث عن المقدمات الاقتصادية . أن التحول من القبيلة إلى الدولة له موجبات خاصة ومستلزمات معينة عن التقاليد القبلية ، ومن أبرزها وجود حكومة قد تكون جماعية في البداية يتولى اختصاصها نفر من المتنفذين وأصحاب الصدراة وهو الدور الذي قام به " حلف الفضول " إذ كان هو المعبـَّر ( منطقة العبور ) لحكومة المدينة التي تشكلت في مكة فيما بعد من " الملأ " أو أصحاب الجاه والثروة والمكانة من قريش ، والتي كانت هي بدورها المقدمة الضرورية لقيام الدولة التي شاءت ظروف تاريخية أن تتخذ " يثرب " عاصمة لها على يد النبي محمد بن عبد الله حفيد عبد المطلب بدلاً من أن تكون مكة هي حاضرة دولة قريش .




فما هو إذن " حلف الفضول " ؟



( الحلف في الأصل هو اليمين والعهد ، وسمي العهد حلفاً لأنهم يحلفون عنده ) .



عرفت قريش قبل حلف الفضول أكثر من حلف :

( بعد وفاة قصي تنازعت قريش في الذي كان جعله لابنه عبد الدار من السقاية والرفادة واللواء والندوة والحجابة . نازعهم بنو عبد مناف وقامت كل طائفة من قبائل قريش وتحالفوا لنصرة حزبهم ، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيه وتحالفوا فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان " الكعبة " فسموا " المطيبين " .)



( وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفاً مؤكداً على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً فسموا " الأحلاف " ) .



( وكان هؤلاء وأولئك يوشكون أن يقتتلوا في حرب تذيب قريشاً لولا أن تداعى الناس إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف : السقاية والرفادة وأن تبقى الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار ورضى الفريقان بذلك وظل الأمر على ذلك إلى أن جاء الإسلام ) .



يعلل بعض خصوم قريش عدم نشوب قتال بين الفريقين بأن قريشاً ليست أهل حرب وأن أبنائها تنقصم الشجاعة اللازمة لخوض غمار المعارك وشدائدها ، وهذا رأي غير صحيح وفي رأينا أن الأسباب التي دفعت الفرقتين للتصالح ونبذ العراك هي :



أ ـ شعور القرشيين بقوة صلة الرحم فيما بينهم .

ب ـ وأنهم تجار ومصالحهم التجارية سواء في الأسواق الداخلية والخارجية سوف تضار بنشوب الحرب.

ج ـ فضلاً عن أنهم " أهل الحرم " الذين تنظر إليهم قبائل العرب نظرة احترام بل وتقديس واحترابهم سوف يقلل من هيبتهم في عيون الآخرين ويضع من مكانتهم التي يتمتعون بها في الجزيرة العربية .



وهناك حلف آخر سمي بـ " حلف لعقة الدم " ومناسبته اختلاف بطون قريش وأفخاذها حول من يكون له شرف وضع " الحجر الأسود " في مكانه من الكعبة عند تجديد بنائها ( ثم أن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا ، حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا ( أي انحازت كل قبيلة إلى جهة ) وتخالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة قسموا بـ " لعقة الدم " ، فمكثت قريش أربع ليال أو خمساً على ذلك ، ثم أنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا ، فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان - عامئذ - أسن قريش كلها . فقال : يا معشر قريش اجعلوا تختلفون فيه أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينكم فيه ، فكان أول من دخل عليهم رسول الله ( ص ) .

وها نحن نرى مرة أخرى أن قريشاً تعدل عن القتال وتلجأ إلى أسلوب التحكيم لمنع اندلاع الحرب بينهم . والذي لا مشاحة فيه أن وجود قريش في مدينة ( يسميها القرآن قرية ) هي مكة دفعها إلى مستوى حضاري أرقى بكثير من قبائل البوادي مما غرس اللجوء إلى إعمال العقل والمنطق وضبط النفس وعدم الاندفاع وراء عريزة حب القتال والعنف وخاصة بين بعضهم البعض وفي البلد الحرام الذي تقدسه كل العرب .



أما عن " حلف الفضول " .

فهناك فيما يعرف بـ " أيام العرب " أربعة حروب كلها يطلق عليها الإخباريون " حرب الفجار " إذ استحلت فيها الأشهر الحرم أي " وقع القتال فيها على خلاف العرف الذي كان مستقراً بين القبائل العربية وقد استمرت عشر سنين :



الأولى : بين كنانة وهوازن والثانية : بين قريش وكنانة والثالثة بين كنانة وبني نضر بن معاوية والرابعة والأخيرة : بين كل من قريش وكنانة كلها وبين هوازن ، وحدثت في العام الخامس والعشرين السابق على البعثة المحمدية وقد شهدها محمد عليه السلام مع قومه وعمره خمسة عشر عاماً ( ولقد استمرت حرب القجور هذه بين قريش وهوازن أربع سنين ذلك أنها كانت تتجدد كلما اجتمع العرب في " عكاظ " وانتهت بصلح دفعت فيه قريش دية عشرين رجلاً من هوازن … وكانت هوازن قد ساقت قريشا في أول سنة منها إلى أن لاذت بالحرم ).



إزاء ذلك ( شعرت قريش بعد الفجار أن ما أصابها وما أصاب مكة جميعاً بعد موت هاشم وموت عبد المطلب من تمزق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الأمر قد أطمع فيها كل العرب بعد أن كانت أمنع من أن يطمع فيها طامع ) أي أن قريشاً أو حكماءها قد أحسوا بفراغ سياسي بعد هاشم وعبد المطلب واستدلوا على ذلك بما حدث في حرب الفجور وأن الحال لو استمر على ذلك فسوف يغري العرب بهم أي أن ما قام به كل من هاشم وعبد المطلب نحو تعلية بناء الدولة التي وضع أحجار أساسها قصي "مجمع قريش " سوف تذروه الرياح وأن بطون قريش وأفخاذها أخذت كلمتها تتفرق وطفق كل واحد منها يتشوف لتكون له كلمته المستقلة بعد أن كانت كلمة عبد المطلب تجمعهم وتوحد صفوفهم ـ لذا فكر الزبير بن المطلب وأعمل التفكير فخرج من ذلك أن مآل ذلك كله هو انحدار قريش وتقويض البنيان الذي شارك في تشييده عن قريب أبوه عبد المطلب ومن قبله آباؤه وأجداده ، ومن ثم فمنصرف قريش من حرب الفجار ( دعا الزبير بن عبد المطلب فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه مابل بحر صوفة ، وفي التآسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف " حلف الفضول " .

( والزبير بن عبد المطلب هو أكبر أعمام النبي ( ص ) وهو عم شقيق له والزبير أبو طالب واسمه عبد مناف وعبد الله أخوة أشقاء أمهم فاطمة بنت عمر المخزومية ، وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد أما عبد الله ابنه فكان معدوداً في الصحابة وكان الزبير يكنى بابنه الطاهر وكان ممن أظراف فتيان قريش وبه سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه الطاهر وكان من أظرف فتيان قريش وبه سمي رسول الله ( ص ) ابنه الطاهر وكان الزبير يرقص محمداً وهو صغير ويقول له : محمد ابن عبدم .. عشت بعيش أنعم .. في دولة ومغنم .. دام سجيس الأزلم .



وأخبر الزبير أن ظالماً كان بمكة قد مات فقال بأي عقوبة كان موته فقيل له : حتف أنفه فقال : وإن فلابد من يوم ينصف الله فيه المظلومين ، ففي هذا دليل على إقراره بالبعث ـ وابن عبدم زاد الميم كما تزاد في ابن فيقال ابنم وسجيس الأزلم أي أبد الدهر ) .

رغم ركاكة الشعر الذي نسبه السهيلي إلى الزبير بن عبد المطلب فأنه يفصح عن أمنيته في أن يواصل الحفيد مسيرة الدولة التي بدأها أجداده وذلك في إنشاده له وهو يرقصه " عشت بعيش أنعم في دولة ومغنم " ، كذلك يتضح من تعليقه على وفاة أحد الظلمة في مكة حتف أنفه أنه يؤمن بالبعث وذلك من تأثير أبيه عبد المطلب الذي كان أستاذ الحنيفية في زمانه ، أما تسمية النبي ( ص ) ابنه بـ الطاهر إذ كان يكنى الزبير بأبي الطاهر دليل على إعجابه بعمه وتقديراً له لعقده " حلف الفضول " والداعي لحلف الفضول " الزبير " فيه مسحة واضحة من " الحنيفية " ولديه شعور طاغ بأهمية الدولة التي بدأها آباؤه وبضرورة سيرورتها متمنياً من صميم قلبه وفي قرارة نفسه أن يستمر الأبناء في استكمال صرحها .



أما عبد الله بن جدعان الذي عقد حلف الفضول في داره فكان أغنى أغنياء مكة ، وكان يسمى " حاسي الذهب " لأنه كان يشرب في كؤوس من الذهب الخالص .



( وكان بنو تيم في حياته كأهل بيت واحد يقوتهم وكان يذبح في داره كل يوم جزوراً وينادي مناد : " من أراد الشحم واللحم فعليه بدار ابن جدعان وكان يطبخ عنده الفالوذج فيطعم قريشاً ) .

وبنو تيم هم رهط عبد الله بن جدعان وهم في الوقت نفسه رهط أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ويبالغ بعض الرواة فيذكر أن جفان طعام ابن جدعان كانت تبلغ قامة الرجل بل أن بعضها كان يتسلق إليه بسلم ، وأياً كان الأمر فإن مثل هذا الرجل الفاحش الثراء كان يهمه استتباب الأمور في مكة حفاظاً على مصالحه المالية والتجارية خاصة وأن الإخباريين يذكرون السبب المباشر لحلف الفضول هو ( أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف : عبد الدار مخزوماً ، جمحاً ، سهماً عدي بن كعب فأبوا أن يعينوه على العاصي بن وائل وزبروه أن انتهروه ، فلما رأى الزبيدي الشر ، أو في علي أبي قيس " جبل بمكة " عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فنادى بأعلى صوته :



ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر

إن الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغدر



فقام الزبير بن عبد المطلب وقال : ما لهذا مترك … الخ ) .



فهذه الواقعة تدل على أن الأمور قد اضطربت في مكة والتجارة وهي عصب الحياة فيها ، بدأت تتعرض للمتاعب وهذا يسئ إلى أهلها ويلحق أبلغ الأضرار ويؤثر على سمعتها التجارية بالإضافة إلى قداستها الدينية وهذا مرده إلى افتقاد مكة لسلطة سياسية تردع المعتدي عنه غيه.



*****



ويسرد الإخباريون من الوقائع ما يقطع بأن " حلف الفضول " قد أثمر وحقق النتائج التي تغياها من ورائه عاقدوه وأنه كان نقلة إلى ( حكومة الملأ ) وأنها جميعها خطوات نحو الدولة التي قامت في يثرب ومن بين تلك الوقائع التي ذكروها :

( أن رجلاً من خثعم قدم مكة حاجاً أو معتمراً ومعه ابنة يقال لها " القتول " من أوضأ نساء العالمين فاغتصبها منه " نبيه بن الحجاج " وغيبها عنه ، فقال الخثعمي من يعديني على هذا الرجل ؟ فقيل عليك بـ " حلف الفضول ": فوقف عند الكعبة ونادى " يا لحلف الفضول " فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب وقد انتضوا سيوفهم يقولون : جاءك الغوث فما لك ؟ فقال : إن نبيها ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسراً فساروا معه حتى وقفوا على باب داره فخرج إليهم فقالوا له : أخرج الجارية ويحك قد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه فقال : أفعل ولكن متعوني بها الليلة فقالوا والله ولا شخبة بقحة ( أي برهة وجيزة ) فأخرجها إليهم.



في هذه الواقعة كان " حلف الفضول " هو الفيصل وصاحب الكلمة القاطعة بعد أن عمل عاقدوه على إعمال نصوصه وانتصروا لرجل خثعمي من العامة ، إذ لم تعن الرواية بذكر اسمه وردوا إليه ابنته الحسناء رغم أن مغتصبها كان من وجوه قريش ، وتلك النازلة لها صلة بالأمور المالية أو التجارية ولكنها تمس المشاعر الدينية فقد ذكر أن الخثعمي قدم مكة حاجاً أو معتمراً وهذه المناسك كانت بل ولازالت حتى الآن في مقدمة المصادر الدخل والتمويل لأهل مكة ، فإذا أشيع بين العمار والحجاج تعرضهم للأذى والاغتصاب من القرشيين أدى ذلك إلى إحجام قبائل العرب عن الوفود لمكة للحج أو الاعتمار ونود أن نلفت الانتباه هنا إلى أن الحج كان شعيرة مقدسة تؤديها القبائل كافة وكانت كعبة مكة مقدسة أيضاً بالنسبة للقبائل على الرغم من وجود بضع وعشرين كعبة في شبه الجزيرة العربية حين ذاك ، وإذا اختل موسم الحج انعكس الأثر مباشرة على التجارة داخل البلد العتيق بالإضافة إلى أنه يودي بسمعة قريش بين العرب ، ويسقط هيبتها ويهدر كرامتها لظهورها بمظهر العاجز عن حماية الجار واللائذ بالحمى والمستجير بالحرم .

ذلك هو الدور البالغ الأهمية الذي أداه " حلف الفضول " الذي كان أول من نادى به الزبير الابن الأكبر لسيد مكة " عبد المطلب " والذي رعاه وتحمس له عبد الله بن جدعان أكثر القرشيين غنى وثروة .



ولقد أدرك محمد ( ص ) الأهمية السياسية البالغة ، والأثر الاقتصادي الناجع لـ " حلف الفضول " لذلك قال ( شهدت في دار ابن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت ) وفي رواية أخرى : ( ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت ) .



بل أن هذا الحلف بقيت أثاره بعد الإسلام حتى مادى به الحسين بن علي حين وقعت بينه وبين الوليد بن عتبه بن أبي سفيان والي المدينة منازعة في مال كان بينهما وقد تداعت أطراف الحلف لنصرة الحسين مما أضطر الوليد إلى إنصافه .

إذن كان " حلف الفضول " بمثابة التجربة أو " البروفة " لحكومة مكة أو ( حكومة الملأ ) التي تشكلت فيما بعد ، والتي كانت هي بدورها المقدمة لدولة قريش التي قامت . كما ذكرنا لأسباب تاريخية في يثرب بدلاً من مكة على يد محمد ( ص ) .



*****



ذكر أ . محمد رضا في كتابه " محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن أطراف حلف الفضول ( تعاقدوا وتعاهدوا ليكونن مع المظلوم حتى يؤدي إليه حقه مابل بحر صوفة وفي التآسي في المعاش ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول . )



لم أجد عبارة " وفي التآسي في المعاش " لا في " سيرة ابن هشام " ولا في " الروض الأنف " وهما من أمهات كتب السيرة النبوية ولا أدري من أين أتى بها أ . محمد رضا وما هو مرجعه في ذلك ؟ وإذ أنه في نظري باحث رصين وكتابه المذكور كتاب جيد رغم صغر حجمه فقد رجحت أن لهذه العبارة أصلاً في واحد من كتب التراث في السيرة النبوية ، وأنها بالقطع ليست إضافة من محمد رضا ولقد صدق ظني ، فبعد البحث والتنقيب وجدت أن الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي أوردها في كتابه " سبل الهدى والرشاد في سيرة العباد " المعروف بـ " السيرة الشامية " وهو في الحق موسوعة ضخمة في السيرة النبوية إذ يقول ( فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً في ذي القعدة من شهر حرام قياماً فتعاقدوا ليكونن يداً واحدة للمظلوم على الظالم ، حتى يؤدي إليه حقه مابل بحر صوفة وما رسا حراء وثيبر " جبلان بمكة " وعلى التآسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف " حلف الفضول " وقالوا : لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر ثم مشوا إلى العاصي بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه ) .



ولا شك أن أطراف الحلف المذكور ضمنوه " التآسي في المعاش " لأن أحوال المجتمع المكي آنذاك كانت تنذر بحدوث هزة خطيرة ، إذا لم يتم تلافيها فسوف تقتلعه من أساسه ، وأنه من المستحيل دوام الحال على ما كان عليه ذلك أنه ( مع تعاظم المال والاستثمار الربوي كان الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء المعدمون من أحرار القبيلة يزدادون ضنكاً وفقراً وإملاقاً ، تتوضح معالم التفاوت الاقتصادي والتمايز الاجتماعي إلى درجة انقسم فيه المجتمع المكي إلى طبقتين غير متناسبتي العدد والعدة : طبقة التجار والمرابين وسدنة الكعبة وأصحاب السلطة والأرستقراطية المكية أو الملأ أو الأعزاء كما في القرآن الكريم وهم يشكلون أقلية المجتمع المكي وطبقة الصعاليك والفقراء أو الأراذل كما في القرآن الكريم وهم يؤلفون أغلبية المجتمع المكي ) .



إذن يكون " التآسي في المعاش " الذي ورد في السيرة الشامية على لسان أطراف حلف الفضول ، هو مساهمة منهم في محاولة التخفيف من حدة التمايز الطبقي ، وتضييق شقة الفروق بين الملأ والأراذل (حسب تعبير القرآن الكريم ) خاصة أن الأخيرين لم يكونوا الأرقاء والموالي ...إلخ فحسب بل منهم أحرار القبيلة الفقراء المعدمون ولسد الطريق عليهم حتى لا يقوموا بثورة تعصف بالنظام كله وتقوض أركانه ، ومن ثم فلم يكن من قبيل المصادفة أن يجئ هؤلاء في مقدمة من اتبع محمداً عليه السلام إذ بهرتهم وخلبت ألبابهم مبادئ العدالة الاجتماعية التي كان يدعو إليها وأن الناس سواسية كأسنان المشط ...الخ .



وربما لفت نظر القارئ ما ورد في نص السيرة الشامية " وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضول الأمر " والفضول جمع الفضل ، والفضل إما أنه " ضد النقص والنقيصة " أو أنه " ما زاد على الحاجة " فإذا أخذنا بالتفسير الأول كان معنى ذلك القول أن أصحاب حلف الفضول تخلوا عن النقيصة التي تباعدهم عن رد المظالم ومواساة الفقير المعدوم ، وإذا أخذنا بالتفسير الآخر كان مفاده أن أصحاب الحلف زجوا بأنفسهم فيما لا حاجة لهم به وهو الانتصار للمظلوم والعون للمحتاج . ولعله بعد ذلك يكون من نافلة الحديث أن نذكر أن أهداف الحلف بهذه المثابة أهداف سياسية بكل المعايير وبجميع المقاييس اضطلع بها أولئك النفر من قريش بعد أن رأوا وأحسوا بالفراغ السياسي الذي خيم على مكة بعد وفاة عبد المطلب وأن عليهم أن يتحركوا ويعملوا شيئاً وكان هذا العمل مقدمة لما هو أكبر منه .



قبل أن نشرع في الحديث عن " حكومة الملأ " ملأ - قريش نناقش تفسير باحث جاد هو أحمد عباس لـ " حلف الفضول " في كتابه " اليمين واليسار في الإسلام " ذلك أنه لا يقر وجهة النظر التي ترى أن الدافع لعقد ذلك الحلف هو عدوان بعض القرشيين على زوار مكة الذين يفدون إليها للحج والاعتمار أو المتاجرة وأن العلة وراء ذلك هو افتقار مكة إلى زعيم يمسك زمام الأمور بعد وفاة عبد المطلب .



يقول الباحث ( وليس سبباً وجيهاً لأن الحلف لم يضم قبائل قريش بل جانباً منها ، فلو أن الأمر بقصد حماية التجارة وتأمينها لتداعت كل القبائل للدخول فيه ) ص38 وفي رأيه أن الدافع لعقد حلف الفضول هو أن ( الفريق الأقل ثروة بدأ يتكتل ليقاوم سلطان الثروة الجديدة ولهذا نشأ حلف الفضول ) ص37 . ومع تقديرنا لاجتهاد أ . صالح الذي بدا واضحاً في كتابه فإننا نرى أن ما ذهب إليه بخصوص "حلف الفضول " لا يثبت للتنفيذ الموثق بالحقائق التاريخية فليس صحيحاً أن ثروة جديدة بدأت تطرأ على تجار مكة أيام حلف الفضول بل أن أرستقراطية قريش طفقت تعرف طريقها إلى اليسر والغنى منذ أن بدأ هاشم أن يعقد " الإيلاف " مع رؤساء القبائل والمعاهدات مع ملوك الروم والفرس والحبشة ليؤمن الطرق أمام قوافل مكة في ذهابها وإيابها ، خاصة في رحلتي الشتاء والصيف وللأسباب السياسية التي أحاطت بدولتي الفرس والروم وهو ما سنفصله في البحوث القادمة .



هذه واحدة .

أما الأخرى فإن أطراف حلف الفضول لم يكونوا كما رأى أ . صالح ( الفريق الأقل ثروة ) ص37 فقد ضم ذلك الحلف :

أ ـ بني هاشم : ومنهم العباس بن عبد المطلب الذي يعترف الباحث نفسه أنه كان من كبار أغنياء مكة ، بل امتدت ثروته إلى يثرب فتملك بستاناً فيها ص24 ومنهم " أبو لهب " الذي قال في حقه القرآن الكريم ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) وهو توصيف بالغ الدلالة على غناه .



ب ـ بني تيم : وعلى رأسهم عبد الله بن جدعان الذي عقد الحلف في داره ، والذي كشفنا فيما سبق عن مدى ثروته ، والذي لا يخلو كتاب من كتب السيرة بل ومن كتب الأدب التراثية مثل الأغاني وعيون الأخبار لابن قتيبة ، من قصص تقطع بغناه ، ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي وصفه أ . صالح بأنه ( من كبار التجار في مكة ) ص37 .



ج ـ بني أسد : ومنهم يزيد بن زمعة الأسود وفي حقه يقول الباحث ( ويزيد من كبار الأغنياء في مكة ) ص35 .



د ـ بني زهرة : وهم من الذؤابة العليا من قبيلة قريش وإليهم أصهر عبد المطلب فتزوج هو هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وزوج ابنه الأصغر عبد الله ، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فهي أم النبي ( ص ) ولا يعتقد عاقل أن سيد مكة في زمانه يقصد إلى فرع خامل من قريش ويصهر إليه . وقد يقال إن عبد المطلب فعل ذلك لسماعه إلى " مسطورة " كانت شائعة تحكي أن بني زهرة سوف تظهر أو تنبثق منهم " النبوة " وأن حبراً يهودياً وكاهنة منهم تنبأ بذلك ، ومن ثم فلا صلة بإصهار عبد المطلب إليه بغناهم أو ثروتهم ، بل طمعاً في احتياز النبوة منهم ، والتي قالت " المسطورة " أنها سوف تجئ من إناثهم لا من ذكورهم .



وقد يكون هذا من الردود السائغة المقبولة لولا أننا قرأنا في كتب السيرة كلها أن بني زهرة كانوا من أصحاب الثروة ، وأنه كانت لديهم أموال جسيمة في القافلة التي كان يقودها أبو سفيان ، والتي خرج محمد وصحبه إليها ولكنها أفلتت منهم لأن أبا سفيان غير خط سيرها لما علم بخروج المسلمين في طلبها ، ولما علم بنو زهرة بنجاة القافلة وسلامة أموالهم عدلوا عن المضي مع باقي القرشيين في حرب محمد (ص ) وصحابته رضوان الله تعالى عليهم ومن ثم لم يشتركوا ضدهم في غزوة بدر الكبرى يقول ابن سيد الناس ( وقال الأخنس بن شريق وكان حليفا لبني زهرة : يا بني زهرة قد أنجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وأنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فأنه لا حاجة بكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا يعني أبا جهل فرجعوا فلم يشهدها زهري ولا عدوي أيضاً ) .



فلو لم يكن لبني زهرة ثروة يخشون عليها لما خرجوا لحمايتها والذود عنها ، ولكن لكياستهم وحكمتهم عندما أيقنوا بسلامتها عادوا أدراجهم من حيث أتوا أخذا بنصيحة حلفهم الأخنس بن شريق ، فهل يقال بعد ذلك كأنهم كانوا فقراء ؟ ولعلنا بذلك نكون قد سقنا الأدلة التي تقطع بأن البطون الأربعة من قريش التي أسست حلف الفضول : هاشم ، تيم ، أسد ، البطون ، زهرة ، ولم يكونوا أقل غنى من سواهم من البطون الذين لم يشاركوا فيه .



وحتى يدعم أ . صالح نظرته الخاطئة لحلف الفضول نراه يقول ( ولهذا نشأ حلف الفضول بين هاشم وعبد المطلب وأسد وزهرة ، وهو حلف اتفقت فيه هذه القبائل على أن تنصر بعضها بعضاً ) ص 38. ومع التجاوز عن ذكر الباحث لبني عبد المطلب مع بني هاشم لأن الأخيرين يشملونهم فإنه ليس صحيحاً أن قبائل حلف الفضول ( اتفقت على أن تنصر بعضه بعضاً ) وكنا نرجو أن يدلنا الباحث على المرجع الذي استقى منه هذه العبارة والصحيح أن كتب السيرة اتفقت على أن عاقديه تغيوا منه نصرة أي مظلوم والتآسي في المعاش ، والقصد منهما استتباب الأمن ومحاولة تخفيف التمايز الطبقي لمنع انفجار الفئات المحرومة وهما هدفان يختلط فيهما الاقتصاد بالسياسة كما أوضحنا ، ولم يذكر واحد من كتب التراث ما ذكره الباحث وهو : أن هدف الحلف تناصر عاقديه ، وإذا كان هذا من اجتهاده فقد أخطأ لأن هذه البطون تربطها صلات النسب والمصاهرة والمصالح التجارية مما يجعلها في غنى عن عقد حلف بينها للتناصر ، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن بداهة ، هذه البطون تتناصر ضد من ؟ هل ضد باقي بطون قريش ؟ أي قريش : قريش الظواهر أم قريش البطاح ؟ ومنذ متى تحاربت بطون قريش بعد أن ألف إذن يكون التناصر ؟ أما إن قال : التناصر ضد الأجنبي أو الغريب قلنا له : ولم تتناصر أربعة أبطن فقط دون باقي البطون ؟ .



إن الذي لا شك فيه أن الباحث خلط بين هذا الحلف وسابقيه حلف المطيبين وحلف الأحلاف . ومن الغريب أنه يعود فيذكر في موضع آخر أن في هذا الحلف ( تجار كبار وتجار صغار .. ) ومن المؤكد أن تكتل حلف الفضول ليس لوناً من الصراع الطبقي الخاص ، أنما هو تكتل سياسي تقوده نفس طبقة كبار التجار ) ص43 هكذا يوقن في نهاية المطاف بتهافت الأسباب التي حاول أن يعلل بها نشوء حلف الفضول ، وأخذ يؤكد الحقيقة التي ذكرناها في السابق والتي موجزها أن الحلف المذكور هو في الأساس تكتل سياسي ، القصد منه ملء الفراغ الذي خيم على ربوع مكة بعد وفاة هاشم وعبد المطلب ليستتب الأمن في مدينة القداسة والتجارة وأنه كان المعبر والمقدمة لـ " حكومة الملأ " التي كانت بدورها مقدمة لـ " دولة قريش " التي أسسها في يثرب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام .


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 16:02   رقم المشاركة :3
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي


حكومة الملأ " ملأ قريش "

نبدأ بتعريف الملأ تعريفا يحوط به من جوانبه كافة حتى تتضح صورة حكومته :يعرف ( الراغب الأصفهاني ) الملأ بقوله : ( جماعة يجتمعون على رأي فيملأون عيون رواء ومنظراً والنفوس بهاءً وإجلالاً ، يقال فلان ملء العيون أي معظم عند من رآه وكأنه ملأ عينه من رؤيته ) .أما د.حسين مروة فهو يسلط في تعريفه للملأ الضوء على الجوانب الاقتصادية والقمعية إذ يبرز الإمكانات المالية أي الثروات التي أتاحت لأعضاء الملأ الإمساك بزمام السلطة عن طريق الاستعانة بقوة قمعية فيقول ( كان الملأ المكي هو المظهر الأولى لتجلي سيطرة قريش بشكلها الذي يمكن تسميته في عصرنا بـ " الشكل السياسي " فهو أي الملأ يمثل آنئذ البذرة الجنينية للدولة أي المؤسسة السياسية التي تهيمن على النشاط الاقتصادي في المجتمعات الطبقية وهو في الوقت نفسه يمثل ولادة هذه الطبقة في المجتمع الجاهلي فقد كان الملأ المكي وهو يتشكل تاريخيا من جماعة كبار التجار والمرابين ومالكي العبيد من أهل مكة يجمع كل السلطات في هيئة واحدة هي " الملأ " نفسه ، وقد عززت هذه الهيئة سلطانها بجهاز قمعي كما تدل الأخبار عن أحابيش مكة ، فنحن نفهم من هذه الأخبار أن جماعة الملأ اتخذت من الأحابيش هؤلاء شرطة مسلحين يحرسون الكعبة كما يحرسون منازل أعضاء الملأ أنفسهم . إن لهذه الحراسة دلالة في موضوعنا فإن إقامة شرطة لحراسة الكعبة كان يعني أمرا غير ما يتبادر للأذهان من رعاية قداستها فحسب ، بل هو حماية أموال القرشيين الذين استغلوا هذه القداسة ليودعوا الكعبة خزائن أموالهم . أما إقامة شرطة لحراسة منازلهم فكان يعني حمايتها من غضبة الفئات الناقمة في المدينة أي في مكة ولنقمة الحجاج الفقراء ) . وفي هامش المتن يورد د . حسين مروة التعريف اللغوي لـ " الملأ " فيقول ( اسم الملأ المكي يستمد مضمونه التاريخي من دلالته اللغوية فهو كما تقول المعاجم يعني الأشراف والعلية والقوم ذوي الشارة أي ذوي المظهر الحسن والشرف وفي " المنجد " الملأ : جمع أملاء : أشراف القوم الذين يملأون العين أبهة والصدور هيبة ) ويفسر لنا في الهامش عينه كلمة " الأحابيش " بقوله : ( الأحابيش في مصطلح التاريخ الجاهلي يطلق على فئة من العبيد السود البشرة الذين يرجعون لأصل افريقي وتسميتهم بذلك منشؤها ظن الإخباريين أنهم من أصل حبشي وقد استخدمهم أثرياء مكة في مختلف الأعمال والخدمات ) . ويعرف هادي العلوي " الأحابيش " بأنهم ( قوة قتال منتخبة كانت قريش تعتمد عليها في حروبها ) هنا نجد أن العلوي لم يشر إلى أن " الأحابيش " كانوا قوة قمعية في خدمة " الملأ " انما كانوا قوة حربية اعتمدت عليها قريش ـ قبيلة التجارة ـ في حربها مع غيرها من القبائل وهو تعريف أدنى إلى الصواب والتساق مع الحقائق التاريخية . ففي كتب السيرة أن قريشاً ( بعثوا إليه أي إلى محمد ( ص ) الحليس ابن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش ) . بل أن ابن هشام ينسب الحليس هذا ويقول عنه أنه (أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ) مما يدل على أنه ليس عبدا حبشيا إلا إذا كان قد تسيد على " الأحابيش " وهو ليس منهم وهو فرض يحتاج إلى دليل ثبوت .وتورد كتب السيرة أنه " أعرابي " أي من أبناء البوادي وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم قومه بأنهم متألهون أي متدينون ( ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان أحد بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله ( ص ) قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه ، فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكد أوباره من طول الحبس عن محله ، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ( ص ) إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك فقالوا له : إجلس ، فإنما أنت أعرابي لا علم لك ، فغضب الحليس عند ذلك وقال : يا معشر القوم والله ما علي هذا حلفناكم وما على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له ! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد فقالوا له : كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به ) وهذا النص قد أورده بعض كتب السيرة مثل ( عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير) لابن سيد الناس . ويبين من هذا النص أن الأحابيش من قبائل البادية الأعراب الذين تربطهم بقريش محالفات وعقود على النصرة في الحرب ولقد تأكد ذلك في " السيرة الحلبية " إذ عرف مؤلفها علي بن برهان الدين الحلبي ( أن الأحابيش هم بنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة وبنو المصطلق بن خزيمة أي وأنه قيل لهم ذلك لأنهم تحالفوا تحت جبل بأسفل مكة يقال له " حبشي " وتحالفوا حبش وهم قريش على أنهم يد واحدة على من عاداهم ما سجاليل ووضح نهار وماسار حبشي فسموا " أحابيش قريش " وبذلك يكون الصواب قد جانب د. حسين مروة عندما عرف " الأحابيش " بأنهم ( فئة من العبيد السود البشرة الذين يرجعون لأصل افريقي وتسميتهم بـ " الأحابيش " منشؤها ظن الإخباريين أنهم من أصل حبشي وقد استخدمهم أثرياء مكة في مختلف الأعمال والخدمات ) . ولكن باحثـاً آخر هو برهان الدين دلو يؤيد د . حسين مروة في أن " الأحابيش " ( فرقة عسكرية قوامها العبيد السود ومرتزقة العرب كجهاز قمعي لتعزيز سلطان الملأ ولحماية النظام الاجتماعي الجديد ) وقد نسب ذلك إلى د. جواد علي وأنه أورده في " المفصل " في الجزء الرابع ص32 وبالرجوع إلى المفصل تبين لنا للأسف أن ذلك لم يكن رأي د. جواد علي أنما هو المستشرق " لامانس " وحتى هذا الأخير لم يقل أن الأحابيش فرقة عسكرية قوامها من العبيد السود ومرتزقة العبيد كجهاز قمعي لتعزيز سلطان الملأ ولحماية النظام الاجتماعي الجديد كما ادعى برهان الدين دلو بل أن ما قاله " لامانس " بالحرف الواحد ( أنهم قوة عسكرية ألفت من العبيد السود المستوردين من أفريقية ومن عرب مرتزقة كونتها مكة للدفاع عنها ) فـ " لامانس " لم يقل أن الأحابيش جهاز قمعي كونه الملأ لتعزيز سلطانه ولحماية النظام الاجتماعي الجديد بل قال عنهم أنهم قوة عسكرية للدفاع عن مكة ـ ولعل الفرق الواضح بين النصين ولعل ما دفع الأستاذ برهان الدين دلوا إلى تحريف لامانس هو تعزيز وجهة نظره التي تتفق مع وجهة نظر د . حسين مروة التي سوف نناقشها فيما بعد ، ومما هو جدير بالذكر أن رأي " لامانس " كان موضوع الإعراض من بعض زملائه من المستشرقين . أما الدكتور جواد علي فهو يؤيد ما جاء في المصادر العربية عن الأصل العربي لـ " الأحابيش " ويرجع تاريخ حلف قريش مع الأحابيش إلى زمن عبد مناف بن قصي وأن المطلب بن عبد مناف بن قصي ، قاد بني عبد مناف وأحلافها من الأحابيش "يوم ذات نكيف " لحرب بني ليث بن بكر . ويورد د . جواد علي تعليلاً آخر لـ " تسمية بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ومن أيها من بني المصطلق وبني الهون بـ "الأحابيش " هو أن من الممكن أن تكون هذه التسمية قد وردت إليهم من أجل خضوعهم لحكم الحبش وذلك قبل الإسلام بزمن طويل ) . وأياً كان سبب تسميتهم بـ " الأحابيش " فقد أثبت أنهم لم يكونوا عبيداً أفارقة ولا كانوا قوة قمعية كونها " الملأ " لحراسة أموالهم ولقهر فقراء مكة والوافدين عليها من العمار والحجيج وإنما كانوا قبائل عربية وقوة عسكرية تحالفت معها قريش واستعانت بها في حروبها مع أعدائها .ويؤكد د. أحمد إبراهيم الشريف صاحب كتاب ( مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ) وهو كتاب جيد أحاط بموضوع بحثه إحاطة حسنة أن ( الأحابيش كانوا بطوناً من القبائل العربية الضاربة حول مكة من كنانة وخزيمة بن مدركة وخزاعة تجمعوا وتحالفوا معاً وأخذوا في الاندماج والتكتل في طريقهم إلى تكوين قبيلة عربية بواسطة الحلف الذي كان سبباً في تكوين كثير من القبائل العربية القديمة ثم تحالفوا مع قريش في النصف الثاني من القرن السادس ) .وبذلك يثبت أن الرأي الذي قال د. حسين مروة وتابعه فيه أ . برهان الدين دلو ، غير صحيح ناقضته الأدلة التاريخية الموثقة ولو أن ليست ثمة ما يمنع أنه كانت لدى عدد من تجار مكة وأثريائها عبيد من أصل أفريقي وحبشي بالذات ولكنهم لم يصلوا إلى أن يكونوا قوة عسكرية أو قمعية استخدمها الملأ من قريش في قمع وإرهاب الفقراء انما كانوا يعملون في كافة أوجه النشاط في خدمة سادتهم ولا بأس أن تكون من ضمن تلك الخدمات الحراسة ، ويؤكد د. صالح أحمد العلي أنه ( لا يوجد دليل على كثرة العبيد بمكة ) . والبادي أن مروة ودلو قد تابعنا لامانس الذي كان يذهب إلى أن الاحابيش كانوا زنوجاً من بلاد الحبشة وأن رواة السيرة تعمدوا القول بأنهم عرب انفوا أن يقولوا أن قريشاً كانت في الجاهلية تستعين بالسودان في الدفاع عن حريتها ، والمعروف عن لامانس تحيزه ضد العرب والإسلام فضلاً عن أنه لم يقدم دليلاً على مقولته تلك وأكثر منه أبانه عن تهافتها أن كتاب السيرة الصقوا بقريش في الجاهلية نقائض أوعر منها وأفحش ونحن نأخذ على مروة ودلو متابعتهما لـ " لامانس " دون تدقيق وتمحيص . أن نظرة د. حسين مروة إلى الجانبين الاقتصادي والقمعي في توصيفه لـ " ملأ قريش " نابعة من تأثره بالمفهوم الماركسي للطبقة الحاكمة التي تركز مختلف أشكال القوة في يدها : ( الاقتصادية والعسكرية والسياسية ) . ومع تقديرنا لاجتهاد د . حسين مروة في تحليله وللتصور الذي ينطلق منه فإن تطبيقه بحذافيره على المجتمع العربي وخاصة قبيل الإسلام منهج غير سديد ولا يعطينا الصورة الدقيقة لـ " ملأ قريش " إذ من الصعب قياسه على " الإقطاع الأوروبي " الذي تأسس على " الطبقة المحاربة " أو على الأقل اعتمد عليها والذي سيطر في وقت واحد على الأرض الزراعية والقوة العسكرية والسياسية كما حظى بالتأييد المطلق من جانب الكنيسة لتشابك المصالح بين الطرفين . فمع التسليم ببروز العنصر المالي في الملأ المكي ومع اعتبار بعض أفراده في عدد المرابين والمستغلين للطبقات المنتجة مثل مربي الماشية والفلاحين ( كان لبعضهم مزارع في الطائف ويثرب ) انما لا شك كانت هناك عناصر أخرى ساهمت في اختيار أعضاء " الملأ " مثل توافر صفات العقل والحكمة والخبرة التي محصتها السنون ( لهذا كان أكثر رجال دار الندوة من البالغين المتقدمين في السن ) وعرف علماء العرب " الملأ " أنه الرؤساء والجماعة وأشراف القوم ووجوههم ومقدومهم الذين يرجع إلى قولهم ، روى أن النبي ( ص ) سمع رجلا من الأنصار وقد رجعوا من بدر يقول : ما قتلنا إلا عجائز صلعاً ، فقال عليه السلام : " أولئك الملأ من قريش لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك " أي : أشراف قريش ، فالملأ انما هو القوم ذوو الشارة والتجمع للإدارة . فهنا نجد محمداً ( ص ) مع عداوة ( الملأ ) له ( سوف نوضح فيما بعد الوجه الذي كان يعاديه الملأ في محمد ) وتعذيبهم لأتباعه في أثناء مقامه بمكة ثن خروجهم لحربه في غزوة بدر الكبرى ورغم عودته منتصرا عليهم فيها فأنه وصفهم مما علمه عنهم وبما لمسه فيهم وخبرة عنهم " لو حضرت فعالها لاحتقرت فعلك " أي أنهم كانوا يتميزون بأفعال جيدة إذا قاس مسلم صحابي أفعاله بأفعالهم لاحتقر فعله إلى جانبها وهذه الأفعال لا تصدر إلا من ذوي النهي والأحلام ، وهو ما شبه به في حقهم " مونتجمري واط " إذ يقول ( إن قرارات ملأ مكة تعمل أستاذا إلى قوة فضائل الرأي وخططهم لا على البلاغة الخطابية التي تستطيع أن تجعل الشر يظهر بمظهر الخير ) . حقيقة أن بعض أعضاء الملأ المكي وصل ( إلى مستوى من الغنى والترف يضاهي مستوى الملوك) ولكن لم يرفعوا جميعهم إلى تلك الدرجة من الثروة ، فضلاً عن أن بعضاً منهم كان يتولى أعمالاً من التجني وصفها بالاستغلال واستحلال عرق الطبقة العاملة مثل : سقي الحجيج وعمارة المسجد وكان يقوم بها العباس بن عبد المطلب والرفادة الموكولة إلى الحارث بن عامر من بني نوفل والسدانة والحجابة اللتين كان يضطلع بهما عثمان بن كلحة من بني عبد الدار ، فهذه الوظائف منبتة الصلة بالربا وامتصاص عرق الكادحين بل هي أدنى إلى أعمال المروءة والمعروف والخير ، وسواء كانت تلك العمالات قد قصدت لذاتها ـ لأننا يتعين علينا ونحن نقيم الملأ ألا ننفصل عن بيئته والأعراف المحيطة به كوجبات العيش في تلك البيئة كانت تحتم ذلك ، أم كان الهدف من ورائها ( أن قريشاً تريد أن تزين للعرب زيارة البيت ) نقول سواء كان هذا أم ذاك فأنها تجعل مقارنة أصحابها بالإقطاعيين في أوروبا في عصورها الوسطى الذين يعيشون على عرق الأقنان أم بالرأسماليين أصحاب الفبارك الذين يجمعون ثرواتهم من فائض القيمة الناتج عن عمل الشغيلة مقارنة فاسدة تعد نوعا من استنباب " نظرية " في غير أرضها بداهة نحن لا نرفض النظرية أو نهون من شأنها أو نقلل من قيمتها العلمية والثقافية وآثارها السياسية والاجتماعية في البلدان العديدة التي أخذت بها وطبقتها ( فلقد كانت نظرية ماركس في الوقت الذي ظهرت فيه أكثر النظريات التي عرفتها العلوم الاجتماعية شمولاً ونضوجاً لذلك ليس من المستغرب أن تكون هذه النظرية قد سيطرت على " الفكر الاجتماعي " في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وكذلك القرن العشرين ، ولكن ما نطلبه أو نطالب به هو أن يكون المنهج هو الاستهداء بالمبادئ العامة التي تتمحور عليها النظرية لا أخذ النظرية بقضها وقضيتها ولزوم مراعاة ظروف مجتمعاتنا العربية وخصائصها وأنساقها التي لا شك أنها تختلف عن المجتمع الأوروبي الذي ظهرت فيه النظرية . وهذا هو عين ما نادى به كثير من المفكرين حتى من داخل الحركة الماركسية ذاتها ، نذكر منهم على سبيل المثال : ( انطنيو غرامشي ) الإيطالي ( أن التقريرية التي كانت في روسيا مباشرة وكانت تطلق الجماهير في الشوارع صوب الفضاء الثوري ، تتعقد في أوروبا الوسطى والغربية نتيجة لكل هذه البنى السياسية الفوقية التي خلقها التطور الأكبر للرأسمالية وتجعل عمل الجماهير أبطأ وأكثر حرصا وهي تتطلب بالتالي من الحزب الثوري استراتيجية كاملة وتكتيكا أكثر تعقيدا وأطول نفسا من الاستراتيجية والتكتيك اللذين احتاج إليهما البلاشفة في الفترة ما بين آذار ـ مارس وتشرين الثاني ـ أكتوبر 1917 ) .
هذا النص قد يكون منقطع الصلة بموضوع بحثنا أنما أوردناه لنثبت أن هناك مفكرين ماركسيين أدركوا منذ سنوات طوال ( ولد غرامشي في كانون الثاني ـ يناير 1891م وتوفى في 27 نيسان ـ إبريل 1937 م) أنه من المستحيل الأخذ بالتصور الماركسي أو النظرية على علاتها بل لابد من إدخال تغييرات عليها تتناسب مع جميع الظروف البيئية والحضارية والتاريخية الذي يبغي السير على ضوء مبادئها وألا يتم تطبيقها حرفيا " حذو النعل بالنعل " كما تقول العرب . نعود بعد ذلك إلى ملأ قريش أو ملأ مكة لنقول أنه فعلاً وجد من بين وجوهه أثرياء أمائل عاشوا عيشة مترفة وأن بعضاً منهم عاش على الربا وعلى استغلال عرق الكادحين ولكن ليس من الصحيح تاريخياً أنهم جميعهم كانوا كذلك بل وصل عدد كبير منهم إلى عضوية " الملأ " لصفات ذاتية مثل رجاحة العقل والذكاء والفطنة وحنكة السنين وسعة الأفق ونفاذ البصيرة ـ والحسب والشرف وأن أعضاء حكومة دار الندوة حقيقة أمسكوا بزمام السلطة السياسية ولكن ليس عن طريق جهاز قمعي أو فرقة عسكرية أو تنظيم سلطوي ، ولكن للثراء من جانب ـ وصاحب المال له منزلة في النفوس وهيبة لدى الناس في كل زمان ومكان ـ وكذلك لمميزات البعض الآخر الشخصية وملكاتهم الفردية التي وصفناها كذلك نحن نختلف مع د. حسين مروة أن محور سيطرة الملأ وهيمنته على مكة كان هو النشاط الاقتصادي وحده بل كانت إلى جانبه عناصر أخرى أو محاور منها الديني مثل الأعمال التي اختص بها بنو عبد الدار والاعتباري مثل التقدم في السن وهو ملمح ما زال حتى الآن متجذراً في المجتمعات كافة العربية وخاصة الريفية والبدوية . كذلك نخالفه فيما ذهب إليه من أن المجتمع المكي كان مجتمعا طبقيا بالمعنى المتعارف عليه في الأدبيات الماركسية وهذا ما سوف نشرحه في الفصول القادمة .ولا يفهم من تقييمنا لـ " ملأ قريش " أنهم كانوا يعملون لصالح المحكومين تماما وأنهم كانوا يحرصون على رفاهتهم ولكن ما نريد أن ننتهي إليه أنهم لم يبلغوا تلك المنزلة من السوء ولم تصل صورتهم إلى تلك الدرجة من القتامة التي رسمها لهم د . حسين مروة . ولكن ممن تكونت حكومة الملأ ـ ملأ قريش ؟وكيف كان شكلها ؟
وما هو الوصف الذي يمكن أن يطلق عليها ؟
يقول د . طه حسين أن قريشاً ( كان لها سادة أو شيوخ يلتئم منهم مجلس قي المسجد الحرام أو في دار الندوة ، وأن هذا المجلس تعرض عليه مشكلات التجارة وتعرض عليه مشكلات التجارة وتعرض عليه المشكلات التي تكون بين أحيائها وقد تعرض عليه المشكلات التي تثور بين الأفراد إن بلغت من الخطر أن تثير خصومة بين حيين أو أكثر ) . والعميد هنا يخط لمجلس ملأ قريش خطوطاً فيها كثير من التبسيط وينسب إليه قدراً وفيراً من السذاجة ولم يكن حاله كذلك ولم تحصر مهام حكومة الملأ على حل مشكلات التجارة أو تلك التي تنفجر من حين لآخر بين الأحياء أو بين الأفراد وتبلغ حداً خطيراً ينذر بشر مستطير ، بل أنها مارست كل أوجل ما تباشره الحكومات في زمانها وفي جميع الأزمنة : ( في العقد الفريد : من انتهى إليه الشرف في الجاهلية فوصله بالإسلام عشرة رهط من عشرة أبطن وهم : هاشم وأمية ونوفل وعبد الدار وأسد وتيم ومخزوم وعدي وجمح وسهم فكان 1 ) من هاشم : العباس بن عبد المطلب يسقي الحجيج( 2 ) ومن بني أمية : أبو سفيان بن حرب وكانت عنده راية قريش " العقاب "( 3 ) ومن بني نوفل : الحارث بن عامر وكانت إليه الرفادة( 4 ) ومن بني عبد الدار : عثمان بن طلحة وكان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة والندوة( 5 ) ومن بني أسد : يزيد بن زمعة بن الأسود وكانت إليه المشورة( 6 ) ومن بني تيم : أبو بكر الصديق وكانت إليه الأشناق وهي الديات والمغارم(7) ومن بني مخزوم : خالد بن الوليد وكانت إليه القبة والأعنة( 8 ) ومن بني عدي : عمر بن الخطاب وكانت إليه السفارة( 9 ) ومن بني جمح : صفوان بن أمية وكانت إليه الأيسار فهي الأزلام( 10 ) ومن بني سهم : الحارث بن قيس وكانت إليه الحكومة والأموال المحجرة التي سموها لآلهتهم ) ويورد محمد كرد على نصاً مشابهاً عن اختصاصات أعضاء حكومة الملأ ثم يستطرد قائلاً ومعنى هذا أن أهم الأعمال التي فيها قيام مجتمعهم ( أهل مكة ) قد أسند النظر فيه إلى أفذاذ من بطون معروفة ) وإذا كان الأستاذ محمد كرد علي في هذا النص لم يذكر كلمة " حكومة " فإن باحثين آخرين أكدوا أن أولئك العشرة كانوا هو حكومة الملأ التي كانت تتولى السلطة في مكة ، منهم الأستاذ أحمد عباس صالح ( تتولى السلطة في مكة تلك الحكومة المكونة من عشرة رجال يمثلون القبائل المختلفة من الظاهر ولكنهم في الواقع يمثلون القوة العالمية التجارية للمجتمع المكي ) ( ولما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وجد فيه حكومة ثيوقراطية في يدها السلطة السياسية والدينية ) كما يؤكد أ . برهان الدين دلو أن ( حكومة دار الندوة أو الملأ كانت تتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية وإدارية تتناول الشئون العامة والخاصة لسكان مكة ومنها : ( أ ) تبحث قضايا الحرب والسلام وتتخذ القرار بإعلان الحرب أو الجنوح إلى السلم وحل الخلافات التي قد تحدث في قريش وأي طرف آخر بطريق التفاوض( ب ) تبحث شئون التجارة والأسواق والحج وهي المرافق الرئيسية التي تعمل فيها غالبية أهل مكة( ج ) تبحث قضايا اجتماعية بما فيها القضايا الخاصة بسكان مكة مثل عقد الزواج والختان والمعاملات والبلوغ " بلوغ عمر الشباب " وغيرها( د ) يبحث فيها الملأ مسألة أخرى فكانوا ينتدون فيها أي يجتمعون للخير والشر وعلى حد تعبير ابن سعد يتشاورون في أمر ما نزل بهم )وللدكتور جواد علي رأي في توزيع اختصاصات الحكم بين أعضاء الملأ ( أما ما يتعلق بأمر المدينة كلها كأمر مكة مثلاً من أمور تتعلق بأحوال السلم والحرب فيترك النظر في ذلك إلى الملأ ( ملأ مكة ) مثلا وهم وجوه مكة وسادتها من كل الأسر فيجتمعون في " دار الندوة " أو في دور الرؤساء للنظر في القضايا والبت فيها ولا نجد في مكة نوعاً من التخصص في الأمور الظاهرة آنذاك انما كان عن استئثار بعض الرجال البارزين بعمل من الأعمال ، ونحن لا نوافق د. جواد علي ما ذهب إليه من أن الأكر كان يرجع إلى استئثار نفر من الرجال البارزين ببعض الوظائف انما مرده في نظرنا إلى مواهب أولئك الذين تولوها وصلاحيتهم لها ومقدرتهم عليها وسجاياهم ، فعلى سبيل المثال : ( أ ) عندما تولى أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ " الأشناق " وهي الديات والمغارم اختير لها لمعرفته التامة بالأنساب التي تساعده على تحديد قيمة الديات والمغارم الواجب دفعها. ( ب ) واسندت إلى خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ " الأعنة " لفروسيته وعبقريته الحربية حتى قيل عنه بحق أنه " لم يهزم لا في الجاهلية ولا في الإسلام " . ( ج ) ولما نقرأ أن " السفارة " أوكلت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ نتذكر أن الرسول محمداً عليه الصلاة والسلام قبل توقيع صلح الحديبية طلب منه أن يذهب إلى مكة ليفاوض مشيخة قريش ، مما يقطع بصلاحيته التامة لهذه المأمورية وأن النبي عليه السلام كان يعرف جيداً ذلك عنه ، فلم يكن الأمر إذن أمر استئثار بل كما يقول المثل الحديث " وضع الرجل المناسب في المكان المناسب " ومن الأعمال التي كانت تضطلع حكومة الملأ القرشي " العمارة " وقد أسندت إلى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ـ (وكان ينهي الناس من التكلم في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا أن يرفع صوته ) لتأكيد قدسية " المسجد الحرام " في نفوس الناس ولتثبيت هيبته في قلوبهم إذ القرشيون أنفسهم استمدوا مكانتهم العالية منه ، فقد درجت العرب على تسميتهم بـ " أهل الحرم " وبه كانوا يمتازون على سائر القبائل ، وفي خبر آخر أن شيبة بن عثمان قد وليها أيضا ، وغدت عمارة البيت على عمومها من مفاخر قريش ، قد أشير إليها في القرآن الكريم ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) ومن الواضح أنها لم تقتصر على مراقبة سلوك قصاد المسجد الحرام بل شملت عدة مسائل أخرى تتصل بتعميره خاصة وأن الكعبة قد تعرضت لبعض النوازل التي صدعت بنيانها ومن البديهي أن العمارة تغاير السدانة والحجابة وهما وظيفتان دينيتان اختص بهما بنو عبد الدار واختصاص فرع من قبيلة بشئون العبادة وإقامة الشعائر وأداء الطقوس أمر شائع في كثير من الديانات . وفي الوقت الذي ذهب فيه برهان الدين دلو إلى أن حكومة دار الندوة تمتعت بسلطات متنوعة منها السلطة القضائية ، يرى د. صالح أحمد العلي أنه ( لم تكن فيها تنظيمات قضائية ولا يوجد منصب للقاضي ) ، ونحن نرجح الرأي الآخر لأن كل بطن أو فخذ من قريش كان يسكن شعبا أو محلة يترأسها أحد الكبراء أو السادة المحليين ، وهو الذي كان يقضي في المنازعات التي تنشب بين الأفراد ، كذلك قرأنا عن " حكام " على مستوى القبيلة يلجأ الناس إليهم للحكم في قضاياهم ومن ثم خلت حكومة الملأ المكي أو القرشي من السلطة القضائية ، إلا أن يستعر أوار الخصومة بين حيين أو فخذين مما قد ينبى بعواقب وخيمة، فهنا تتدخل حكومة الملأ لفض الاشتباك وهو ما أشار إليه العميد د. طه حسين كما رأينا في مفتتح البحث ، وهذا عمل سياسي أكثر منه تحكيماً قضائياً . نخلص من ذلك إلى أن الأرستقراطية القرشية شكلت حكومة الملأ التي تمكنت بثروتها وجاهها ونفوذها أن تمسك بمقاليد الحكم في المدينة المقدسة " مكة " ولتكون مقدمة لدولة قريش التي أنشأها في يثرب محمد بن عبد الله ـ عليه السلام ـ والتي قدر لها أن تسيطر على شبه الجزيرة العربية وهو الحلم الذي راود أجداده : قصي وهاشم وعبد المطلب . كانت حكومة الملأ تنعقد في " دار الندوة " ولو أن د . طه حسين ذهب إلى أنها كانت تجتمع في المسجد الحرام في بعض الأحيان ، كما أن رأي د. جواد علي أنه من الجائز أن يتم الاجتماع في دار ( أحد الأعضاء ) ولكن في الأغلب الأعم فإن مستقرها كان في " دار الندوة " .في المبحث الخاص بـ " قصي " قلنا عنه أنه أول من أصاب ملكاً من ولد كعب بن لؤي ودانت له قريش كلها بالسيادة والشرف دون منازع وأنه بني دار الندوة كشارة لقيام حكومة مركزية تبدأ بالهيمنة على مكة توطئة لحكم الجزيرة العربية بأسرها ( وكانت الندوة أو دار مجمع قريش ويتشاورون في حربهم وأمورهم ) وبعد قصي ظلت مركز الحكم ورمز السلطة ومن ثم اتخذتها حكومة الملأ لها مقرا، فدار الندوة هي دار ملأ مكة وهم سادتها وأشرافها وعلية القوم وأولي الأمر فيها أي الأرستقراطية القرشية ) . وقال ياقوت : جعل قصي مكة ارباعاً وبنى بها " دار الندوة " فلا تزوج امرأة إلا في دار الندوة ولا يعقد لواء ولا يعزر غلام ولا تدرع جارية إلا فيها وسميت الندوة لأنه كانوا ينتدون فيها الخير والشر . وأهم خصائص دار الندوة أنها كانت دار مشورة قريش .من هنا تجئ أهمية مزيد من الضوء على هذه ( الدار ) يساهم في إبراز قسمات حكومة الملأ : كما ذكرنا أن من بناها هو قصي بن كلاب وكانت ( قرب الكعبة وبئر زمزم والراجح أنهم تعمدوا اختيارها في ذلك الموضع لتكسب المناقشات صيغة وقورة ) كما جعل بابها إلى البيت ولا شك أن قصيا ـ وكان من أدهى العرب قد اختار لها هذا الموقع لتكون لها في الصدور هيبة وقداسة ومن ثم فأن القرارات التي تصدر فيها لابد أن تقابل بالتسليم والطاعة ولإضفاء مزيد من الوقار عيها فقد كان من المحظور دخولها إلا من تعدى الأربعين عاما وكانت هذه هي سن النضوج عند العرب وقد جاء في القرآن الكريم ( حتى إذا بلغ أشده أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ) ويذكر في هذا المقام أن محمداً عليه السلام لم يأته الوحي من السماء إلا في هذه السن ويبدو أن غير العرب لم يكونوا على هذا المعتقد لأن عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ أوحى إليه قبل الأربعين .
واستثنى من قيد بلوغ الأربعين بنو عبد الدار لأنهم " أصحابها " ويروي الإخباريين أن الندوة ظلت حتى عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان إذ ظل بنو عبد الدار يتوارثونها ( حتى صارت لعكرمة بن عامر بن هشام الذي باعها لمعاوية بن أبي سفيان بمائة ألف دينار ) . ولا شك أن معاوية دفع فيها هذا الثمن لغرض سياسي . يشرح لنا ابن سعد في الطبقات الكبرى العلة في إطلاق اسم الندوة على تلك الدار ( وإنما سميت دار الندوة لأن قريشاً كانوا ينتدون فيها أي يجتمعون للخير والشر ، والندى مجمع القوم إذا اجتمعوا… ففيها يكون أمر قريش كله وأضاف الازرقي : ( وحلفاؤهم كبير وصغير ) ومما هو جدير بالذكر أنه حتى الآن طبقاً للشريعة الإسلامية ( يستحب لمن دخل مكة أن يبادر إلى ( البيت ) بعد أن يدع أمتعته في مكان أمين ) مع ملاحظة ما سبق أن سطرناه : أن دار الندوة بين الكعبة وبئر زمزم وأن بابها كان إلى البيت " الكعبة " ولم تكن هذه هي البصمة الوحيدة التي تركتها " دار الندوة " في الوجدان العربي ، فقد ورد فيما سبق أن ابن سعد في طبقاته الكبرى ذكر أن القرشيين إذا عزموا النكاح عقدوه في دار الندوة والنكاح هو الزواج ، وفي أيامنا هذه تتم عقود الزواج بالعشرات كل أسبوع في القاهرة في المساجد التي بها أضرحة يرقد بداخلها أحفاد قصي مؤسس دار الندوة . وكما رأينا من نص ابن سعد وغيره من كتاب السيرة أن قريشاً كانت تباشر أمورها السياسية والعسكرية كافة إلى يد الملأ في دار الندوة كذلك المسجد في فجر الإسلام كانت تتم فيه المشاورات في الأمور ومنه تخرج السرايا للقتال وتستقبل الوفود وتفض المنازعات وتحرر الرسائل التي حملها السفراء إلى الملوك والحكام ، وبالجملة كان نسخة مكررة من " دار الندوة " في هذه الجوانب . وليس غريباً أن يؤكد غالبية الكتاب " الإسلاميين " حالياً أن المساجد ركائز الجماعة الإسلامية ، وأن يطالبوا بعودة دور المساجد كما كان في الصدر الأول أزهى عصور الإسلام والحلم الذهبي الذي يداعب أجفانهم في المنام واليقظة ويأملون في استعادته بل أن هناك جماعات وهيئات أقيمت لتحقيق تلك الغاية لعل أولئك الكتاب والباحثين ومنشئي الجماعات والهيئات لا يدركون أنهم يتحركون من أعماق اللاشعور الذي انغرز في أغوار نفوسهم منذ عهود سحيقة ترجع إلى قصي ، نقول لا غرابة في ذلك إذ أنه مازالت عادات وتقاليد قدماء المصريين تؤثر على معتقدات وسلوك المصريين المعاصرين وفي شتى مناحي الحياة حتى التعبدية والشعائرية ناهيك بالاجتماعية . وظلت مكانة دار الندوة والمهام التي تنجز فيها مستمرة حتى فتح مكة ، لأن النظام الذي وضعه قصي ظل معمولا به لأن القرشيين ما فتئوا ( يتبعون أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته وبعد موته) وأخذ الملأ يباشر وظائف السلطة المتنوعة من دار الندوة وهي كما رأينا تغطي الجوانب كافة التي فصلنا فيها القول في البحث السابق ومن بين تلك الجوانب : الاجتماعي إذ فيها ( أن كانت جارية تبلغ أن تدرع فما يشق درعها إلا في دار الندوة ) ويعقب د . صالح أحمد العلي هذه الفقرة بقول ( ولدينا نص غامض يذكر أن الفتاة إذا بلغت جئ بها إلى دار الندوة مما يدل على أن دار الندوة يسجل فيها المواطنون عند بلوغهم سن الرشد أو سن المواطنة ) . أما حديث د . العلي عن المواطنة والمواطنين وتسجيلهم عند بلوغهم سن الرشد أو سن المواطنة فهو لأن مجتمعهم المكي في ذلك الوقت لم يبلغ الدرجة الحضارية التي تؤهله لذلك ، ويبدو أن د. العلي قد نسى أنه عند ظهور الإسلام لم يكن في مكة بأسرها سوى سبعة عشر رجلاً يعرفون القراءة والكتابة وأنهم استعاضوا عن التسجيل بما يناسب مجتمعهم وهو حفظ الأنساب وكان هناك من هو مختص بها أو ضليع فيها مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أما النص أو الفقرة المذكورة فلم يعتورها غموض كما رأى د . صالح فـ " الدرع للجارية " الفتاة " ثوب صغير تلبسه في بيت أهلها ، فإذا بلغت عمر الشباب شق عنها هذا الثوب وألبسوها ثوب كبير تلبسه المرأة في بيتها ، وكان الذي يتولى شق الدرع للجارية بنو عبد الدار بن قصي في دار الندوة ( فإذا بلغت الجارية منهم أدخلت دار الندوة فجاب عليها درعها عامر بن هاشم ابن مناف بن عبد النار بن قصي ثم انصرفت إلى أهلها فحجبوها أو بعض ولده ) . ويعلل أحد الباحثين ختان الصبيان وشق دروع الصبايا داخل دار الندوة بأنه مجرد تعريف بالبالغين من قريش الذكور والإناث . ويبدو أن ذلك التقليد كان يجري في الجاهلية بـ " مراسم احتفالية " فهو إذن ضرب من " طقوس الانتقال " وهو تعبير استحدثه الانثربولوجي " فان جنيب " ( للدلالة على مجموعة من الطقوس التي يرعاها الأفراد عند اجتيازهم مرحلة من مراحل تطورهم البيولوجي والاجتماعي من المهد إلى اللحد . ومن هذه الطقوس أن تراعي المرأة الحامل مجموعة من الطقوس مثل عدم حلب اللبن وعند ولادة الطفل يراعي كل من والده ووالدته طقوساً أخرى وكذلك الشأن عند تسميته وقص شعره لأول مرة وكذلك عند بلوغه سن المراهقة وعند زواجه وفي مرضه وعند موته ) ومما يؤسف له أن الإخباريين نقلوا لنا هذا ( الطقس ) في عبارات مختصرة ولم يفصلوا لنا مراسم الاحتفال ببلوغ الجارية سن الرشد ، إنما على كل حال فإن مثل هذه الشعائر كما يعتقد العالم ليتس ( نوع من السلوك الاجتماعي له صفة رمزية تنعكس في الشعائر والممارسات الدينية وأحياناً يعبر عنها في سياق العادات والتقاليد الاجتماعية ) ومن الشعائر التي ينطبق عليها هذا الوصف ما تنص الديانة الإسلامية أنه عند ولادة المولود يقص شعره ويتصدق بوزنه فضة أو ذبح ذبيحة يتصدق بلحمها أو هما معاً ويطلق على هذه الشعيرة الاجتماعية " العقيقة " وهي ( التصدق بزنة شعر المولود فضة ، وفي النهاية هي الذبيحة التي تذبح عن المولود وأصل العق : الشق والقطع ، وفي الحديث " الغلام مرتهن بعقيقته " وقيل معناه : أن أباه يحرم شفاعة ولده إذا لم يعق عنه والرهينة الرهن لله وفي الحديث " كل غلام رهينة بعقيقة " والمعنى : أن العقيقة لازمة لابد منها ، فشبهه في لزومها عنه وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن ) . ومن بين ( طقوس الانتقال ) لدى القبائل الدنكا قص شعر المولود لأول مرة وعند بلوغه سن المراهقة وعند زواجه وفي مرضه وعند موته .كذلك ذكر ابن سعد أنه ( لا يعذر لهم غم إلا في دار الندوة ) وفي قواميس اللغة ( واعذر الغلام والجارية أي ختنهما ) أي أن الختان للصبيان كان يتم أجراؤه في دار الندوة وهو من " طقوس الانتقال " وجاءت عبارة ابن سعد في شأنه مقتضبة أيضاً إذ لم يوضح لنا مراسم الاحتفال الذي كان يقام لهذه الشعيرة الاجتماعية ، وهو يقطع بأن قريشاً عرفت الختان ولعلها تأثرت في ذلك اليهودية مما يدل على أنها كانت منتشرة أو معروفة لديها كما سيجيء في المبحث الخاص بـ " اليهودية " أو أنها كانت من تأثير " الحنيفية " على القرشيين خاصة وأن اثنين من سادتهم كانا من المتحنفين هما : لؤي بن غالب وعبد المطلب بخلاف من اعتنقها منهم مثل : ورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة رضي الله عنها الزوجة الأولى لمحمد عليه السلام وزيد بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وحتى وقت قريب كان يتم ختان الصبية في مدينة القاهرة أمام المساجد التي بها أضرحة لأحفاد قصي مؤسس دار الندوة . لعله من نافلة القول أن نضيف أن إجراء ختان الصبيان وشق درع الجارية أو الفتاة في دار الندوة دليلان لا يقبلان الشك على أن " حكومة الملأ " كانت تهيمن على شئون أهل مكة كافة صغيرها وكبيرها عبر " دار الندوة " وظلت كذلك حتى خلفتها الدولة التي أقامها محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب عليه السلام في يثرب . * * * *ثم نأتي إلى السؤال الأخير : ما هو الوصف الذي يمكن أن يطلق على " حكومة الملأ " ؟ وما هو نوع تلك الحكومة ؟لسنا في حاجة إلى جهد كبير لنصل إلى أنها حكومة نخبة أو صفوة أو " إيليت " .( من الحقائق الثابتة التي يمكن أن نلحظها في الكائنات العضوية السياسية ، هناك دائماً حقيقة واضحة إلى أبعد حد حتى بالنسبة للعين العارضة ـ ففي كل المجتمعات ـ ابتداء من تلك التي حققت بالفعل شوطاً كبيراً من التقدم ثم شهدت أفولاً بعد ذلك حتى تلك التي لا تزال في قوة تقدمها وقوتها : طبقتان متميزتان من الناس ، طبقة تحكم والأخرى تُحكم والطبقة الأولى عادة ما تكون أقل عددا وأقوى سلطة على الوظائف السياسية وأشد احتكاراً للقوة فضلاً عن تمتعها بالمزايا المصاحبة للقوة ، أما الطبقة الثانية فهي الأكثر عدداً والخاضعة لتوجيه وتحكم الطبقة الأولى ) فالملأ القرشي هنا هو الحاكم ويتكون من فئة محدودة من الأشخاص سيطرت بقوة مالها وجاهها ونفوذها على مقدرات السلطة في مكة واحتكرت الوظائف السياسية وفرضت هيمنتها على باقي السكان : القرشيين الفقراء والموالي والعبيد على حد سواء ومن يفد إلى العاصمة لغرض تعبدي أو اقتصادي إذ أن أوامرها كانت تسري عليهم جميعاً ولا يستطيعون عصيانها أو حتى مخالفتها . ( أسباب حكم القلة عديدة في التاريخ أبرزها الدين والنسب والثروة والثقافة والقوة العسكرية ويساعد على هذا تخلف الأكثرية واستسلامها ، ولئن كان لحكم بعض مزايا " فنية غالبا " إلا أنه يهدر مصالح الأغلبية ومشاعرها ويزكي غرور القلة وتعاليها ) . شهدت مجتمعات كثيرة على مر التاريخ في معظم بلاد " حكم الصفوة وكانت دائماً أكثر الجماعات هيبة وأكفأها أثراً وتتألف من المبرزين المتفوقين على غيرهم وفي السياسة غالباً ما يكون الامتياز في الثروة ، ولكن هذا لا يمنع وجود عناصر أخرى مثل النسب والحسب اللذين كان لهما قيمة معيارية عالية في المجتمعات القديمة ومنها المجتمع العربي ، ورجاحة العقل والذكاء ونفاذ البصيرة وسعة الأفق وطلاقة اللسان وقوة العارضة وسرعة البديهة والمنجزات الأخلاقية والموهبة العسكرية وهي صفات إيجابية تحسب لها ، بجانب المثالب إلى تلازمها عادة مثل : الميل إلى القهر والتسلط والنفور الشديد من المعارضة والأثرة والركون إلى الترف والانكباب على الشهوات والملذات والتعالي والشموخ ، كذلك يميل أعضاء النخبة إلى التماسك أي ( أن أفرادها متحدون أي أن كل واحد منهم يعرف الآخر فيتفاعل ويتعاون معه وهذا ما يساعد الطبقة على تحقيق أهدافها ) ، ولكن لا يمنع تماسك الصفوة من وجود تنافس بين أعضائها ( مثل التنافس الشهير بين بني هاشم وبني عبد شمس أو بني أمية وهما فرعا عبد مناف بن قصي ) وفي هذا يقول د . حسين مؤنس ( فالعداوة التي بين هاشم وبني هبد شمس لم تكن قديمة ولا دموية منذ ميلادهما بل هي نشأت بعد ذلك لأسباب قبلية وأخرى سياسية ) وكان حرياً بالباحث ألا يستعمل كلمة " عداوة " لأنها كانت في ذلك الوقت تنافساً لا عداوة والتنافس بين أفراد الصفوة أمر طبيعي فـ ( ليست الفئة الحاكمة أكثر اتحاداً من الدول فالعناصر التي تؤلفها تتزاحم لتضمن لنفسها السلطة والهيبة والقدرة المالية ) انما لا يبلغ ذلك التزاحم درجة الخروج عن المصالح الصفوة أي أن هناك حداً معيناً لا يسمح لهم تنافسهم بتخطيه إذ أن من أهم علامات النخبة ( أن كل فرد فيها يتفاعل ويتعاون مع الآخرين لبلوغ أهداف معينة ) . ولكن د. أحمد إبراهيم الشريف ينكر قيام خصومة بين بني هاشم وبني عبد شمس ( أمية ) وأنهما من عبد مناف وكانت قريش تعتبر بني عبد مناف عصبة واحدة وفي الروايات التي أتت لهذا الخبر،ويرى أنها بنيت على قصة أسطورية وهي ولادة هاشم وابني توأمين ملتصقين . إن من أهم أسباب تعاون الملأ المكي كصفوة حاكمة هو وجود قرابة بينهم وشعورهم بانحدارهم من جد واحد . فأن رجال قريش استطاعوا أن يحافظوا على وحدة القبيلة وتماسكها ولم يقبلوا اطلاقاً أن يحدث تفك صفوفها أو ينشب خلاف يؤدي إلى تعارك العشائر . ومن دوافع تفوقهم الذي أهلهم لتسنم ذري السلطة هو انتماء عدد منهم مثل : بني هاشم وبني أمية وبني عبد الدار وبني مخزوم إلى الذؤابة العليا في قبيلة قريش ، وهو ما يسميه ابن خلدون في ( المقدمة ) الحسب والشرف ( وهكذا فالنسب حتى ولو كان صريحا حقيقيا لا يكفي وحده كمؤهل للرئاسة بل لابد من الحسب والشرف ، والشرف هو شيء متوارث أبا عن جد ) ويضيف ابن خلدون إلى وراثة الدم ( وراثة الخلال الحميدة التي جعلت من الجد الأول رئيساً ) مثل الكرم والشجاعة والصدق والمروءة .. ) الخ وهو ما تحقق بقدر معقول في الملأ القرشي .نبادر هنا بالتأكيد على التحفظ الذي سبق أن ذكرناه وهو أن توافر هذه الصفات في كثير أو بعض أفراد حكومة الملأ لم يحولها إلى ( حكومة خيرة ) وقفت نفسها على خدمة الفئات المحرومة " المحكومين " والسهر على مصالحهم ، ولكن هذه الميزات الأخلاقية هي أصلا موضع تقدير مجمع عليه في المجتمع العربي آنذاك ومن ثم يستحيل على من يتولى الرئاسة أن يتغاضى عنها وألا يتحلى بها حتى أنه على مستوى القبائل العادية يراعي في اختيار شيخ القبيلة لزوم تحليه بهذه الشمائل . * * * * اختلف الباحثون في وصف حكومة الملأ وتحديد نوعها :العميد د . طه حسين ذهب إلى أن ( حكومة الملأ لم تكن جمهورية أرستقراطية ولم تكن جمهورية ديمقراطية بالمعنى المألوف لهذه الكلمة ) في حين يقارن مونتجمري واط بين حكومة الملأ وحكومة أثينا إذ يقارن بين مركز أبي سفيان في مكة ومركز بير كليس في أثينا وبالتالي بين الديمقراطية العربية و الأثينية وأن العرب كانوا يعرفون هذه الديمقراطية وأن كانت أقل احتضاناً لفكرة المساواة من ديمقراطية الإغريق ) ففي حين ينفي د .طه حسين وصف " حكومة الملأ " بأنها ديمقراطية يرى " واط عكس ذلك وأن العرب عرفوا الديمقراطية وأن كانت أضأل من نظيرتها الاتينية إذ جاء عنصر المساواة فيها أقل . ووصفها د .حسين مروة أنها ( شكل من أشكال السلطة السياسية لسيطرة الفئة المالكة على وسائل الثراء واستغلال الآخرين يبدو أنه مرتبط تاريخياً بسيطرة الأرستقراطية التجارية القرشية ) . أما محمد كرد علي فيرى أنها ( جمهورية صغرى تولى زمامها أمثل الناس وحمل تبعتها الزعماء راضين مختارين ) ويتضح من أسلوبه أنه يعمد إلى الطريقة التمجيدية لا إلى التقييم العلمي الدقيق . وبنظر د . توفيق سلطان اليوزبكي ( أنها حكومة ثيوقراطية في يدها السلطة السياسية والدينية ) وهذا الباحث قد جانبه الصواب في هذا التوصيف فلم يكن أعضاء الملأ من رجال الدين ولم يدعوا أنهم يحكمون بالحق الألهي المقدس حقيقة أن بعضهم كان يتولى أعمالا دينية مثل الحجابة والسدانة ولكن لم يكن لذلك تأثير على الحكم بحيث يمكن أن يقال أنه كان مصبوغاً بالصبغة الدينية ( اللاهوتية ) كذلك وظف الدين كـ " مدماك " لتثبيت دعائم حكومة قريش لوجود مكة التي يقدسها العرب عن بكرة أبيهم رغم وجود بضع وعشرين كعبة في الجزيرة ، وأن هذا الاتجاه ( توظيف الدين ) بدأ مبكرا على يد قصي المؤسس الأول ثم استمر بمعرفة أحفاده من بعده وظل كذلك حتى تحققت الخطة وقامت دولة قريش في يثرب ، ولكن ذلك أيضا لا يبرر وصف الحكومة الملأ بأنها ثيوقراطية . وفي رأينا أن حكومة الملأ كانت أقرب إلى " دولة المدينة " باشرت السلطة فيها أقلية أو ليجاركية استندت إلى الثروة والنسب والحسب والميزات الفردية لأعضائها ووظفت الجانب الديني لتدعيم سيطرتها وأنه من الصعب أن نضفي عليها تصنيفا من نوع تلك التصنيفات التي عرفت في البلاد الأخرى . خاصة أن اليونان وهي تحكم كان من المستحيل عليها أن تخرج عن موجبات التقاليد والأعراف في مجتمعها العربي . نأمل أن يفهم من قولنا أن حلف الفضول كان هو المقدمة لـ " حكومة الملأ " أن هناك مرسوماً جمهورياً صدر بإقالة " حلف الفضول " بعد انتهاء مهمته وإنشاء " حكومة الملأ " أو أن هذه الحكومة حلت محله في تسلسل تاريخي صارم من المنطقي أن تكون عناصر جنينيه لهذه الحكومة بدأت تتشكل قسماتها في رحم المجتمع المكي أثناء قيام حلف الفضول ثم أخذت تنمو رويداً حتى اشتد عودها وأخذت مكانه وسيطرت على مقاليد الحكم في كدينة القدس تماماً مثل ما يحدث وقت السحر عندما تتشابك خيوط أو أضواء الفجر مع فلول ظلام الليل حتى تتلاشى الأخيرة ويطلع الفجر ، ذلك أنه كان من المستحيل بقاء النظام القبلي بسائر تقاليده سائدا في مكة بعد طروء الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سوف تكون موضع البحث في الفصول القادمة وأنه من المحتم حدوث تغييرات جوهرية في المجتمع المكي وفي مقدمتها نظام الحكم .


المقدمات الدينية



تمهيد : اليهودية والمسيحية



انتشرت الديانتان الساميتان الإبراهيميتان التوحيديتان : الموسوية والعيسوية أو اليهودية والنصرانية (المسيحية) في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام على تفاوت بينهما في المدى والرقعة أو المساحة . مع ملاحظة أن أولاهما ليست تبشيرية ولو أن د . محمد حسين هيكل يخالف هذا الرأي ويؤكد أن ( رجال الدين يبذلون الجهود لنشر الدعوة إلى العقيدة التي يؤمنون بها ) ونحن نؤيده في ذلك ولو أن التبشير في ديانة اليهود أخف حدة وأقصر باعاً وأقل نشاطاً وينضم إليه أحمد أمين إذ نراه يقول ( عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن ومن أشهرها ذو نواس ) وأياً كان الأمر فالذي لا مرية فيه أن هاتين الديانتين التوحيديتين كان لهما وجود وحضور في شبه الجزيرة العربية ( فليس صحيحاً إذن أن الأمة العربية في ذلك العصر - يعني السابق على الرسالة المحمدية - كانت تعيش في عزلة لا تعرف من أمر الأمم المجاورة شيئاً ، فاليهودية والمسيحية لم تنزلا على أهل الجنوب ولا على أهل الشمال من السماء وإنما جاءتا أولئك وهؤلاء من اتصال بالأمم المتحضرة المجاورة ، فعزلة الأمة العربية إذن سخف لا ينبغي أن يقبل أو يطمأن إليه ) .



هذا ما رآه العميد د . طه حسين فهو هنا يشجب الادعاء القائل بأن عرب الجزيرة العربي قبل الإسلام كانوا معزولين عن العالم ويسم هذا الادعاء بالسخف الذي لا يطمئن إليه العقل ومن ثم يتعين رفضه ، ويضيف د . محمد حسين هيكل سبباً آخر لانتشار الديانتين الإبراهيميتين آنذاك في شبه الجزيرة العربي وهو اتصال العرب بما جاورهم من البلاد عند انتقالهم إليهم في القوافل للمتاجرة معهم ( وكان طبيعياً أن يظل العرب الذين يتصلون بنصارى الشام أو بنصارى اليمن في رحلتي الصيف والشتاء الذي ورد ذكرهما في القرآن ) في سورة قريش وقد سجلهما الشعر الجاهلي فهذا الشاعر الجاهلي يمتدح هاشماً جد النبي (ص ) :



عمرو العلا هشم الثريد لقومه سفر الشتاء ورحلة الإيلاف



ويرى العميد د . طه حسين ( أن مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن وينصح من يريد أن يدرس الحياة الجاهلية فعليه أن يدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ( ادرسها في القرآن فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي ونص القرآن لا سبيل إلى الشك فيه ) وأن هذه بدهية حين تفكر فيه قليلاً ) إذن رحلتا الصيف والشتاء حقيقة تاريخية قام دليل ثبوتها بموجب نص لا سبيل إلى الريبة فيه ، كذلك ثبتت بالشعر الجاهلي ، ولو أن د. طه حسين يلقي ظلالاً من الشك على صحة هذا الشعر ، ولكن تلك قضية تتعلق بتاريخ الأدب اشتجر الخلاف حولها واحتدم ، وتخرج من نطاق بحثنا .

وينكر العديد من البحثين رد طه حسين الشعر الجاهلي ورفضه إياه وأنه تابع فيي ذلك استاذه مرجليوث وأن ذلك الشعر صور الحياة العقلية والدينية والاجتماعية والاقتصادية بل وحتى السياسية أدق تصوير وأن تعليق الشراح القدامى على ذلك الشعر وتفسيرهم له كان سطحياً وساذجاً وأنهم لو امعنوا النظر فيه لاستبان لهم أنه تضمن دلالات عقائدية ( كشفت عن الميثولوجيا التي كانت لديهم ) وسياسية واقتصادية مخبوءة تحت السطح لا يفك مغاليقها إلا مرن له خبرة ودراية بأحوال ذلك المجتمع بل وأساطيره .



ومن اتصال العرب بتلك البلاد التي كانوا يسافرون مرتين كل عام ، الأولى في الشتاء والأخرى في الصيف عرفوا اليهودية والنصرانية وتوحيد الإله كما أنهم تعرفوا على كتابيهما المقدسين .



وسبب آخر هو انتقال تجار من معتنقي هاتين الديانتين إلى بلاد العرب عامة وإلى مكة خاصة التي كانت ملتقى القوافل ومركزاً للتجارة العالمية وملتقى القوافل ومستقراً لجواسيس الدولتين العظمتين الرومانية والفارسية ، ولا شك أن عرب الجزيرة قد احتكوا بهؤلاء من خلال التعامل معهم وسمعوا عقائدهم التوحيدية وانتقلت إلى كثير منهم ، خاصة وأن الوثنية أو التعددية الإلهية لم تعد تقنع شطراً كبيراً منهم خلا من له مصلحة منهم في بقائها وهم ارستقراطية قريش وصناديدها من الأغنياء والمتمولين الذين كان يهمهم أن تظل مكة عاصمة للوثنية لما يجره عليهم ذلك من مغانم . ويذهب د. محمد حسين هيكل إلى أن النصرانية على وجه الخصوص انتقلت إلى بعض القبائل من ( من يفدون عليهم من نصارى الحبشة ) .



ويرى د. محمد سعيد شكري الأستاذ بكلية التربية بجامعة عدن في بحث له بعنوان ( حركة عبهلة بن كعب العنسي 10/11 هـ ) أن ( القبيلة العربية عامة واليمنية خاصة قد تأثرت بالأفكار الدينية النصرانية واليهودية بل المجوسية بالنسبة لثمامة ، وما نصارى الحيرة سواء من الأزد أو جعفي أو بني الحارث بن كعب في نجران دليل على انتشار الديانة والأفكار النصرانية في القبيلة اليمنية وخاصة القبائل القاطنة على الطرق التجارية الهامة .



ومعلوم أن مكة في مقدمة المدن التي تقع على الطرق التجارية الهامة وأنها من أبرز مدن القوافل في ذلك العهد .

ولما كان لكل من الديانتين التوحيديتين الساميتين الإبراهيميتين في جزيرة العرب وقتذاك تاريخ خاص ووجود متميز وأمكنة فقد رأينا أن نفرد لكل منهما فصلاً مستقلاً



( 1 ) في اليهودية



ارتبطت اليهودية بمنطقة يثرب ( المدينة فيما بعد ) أكثر مما ارتبطت بغيرها من المواقع في الحجاز ، ومن ثم يستحسن أن نتعرف على تلك المناطق لندرك الأسباب التي جعلتها مركز جذب للديانة التوحيدية السامية الأولى في تلك المنطقة بالذات :



( المدينة المنورة لم تكن من قبل هجرة الرسول ( ص ) وحدة مدنية مترابطة ولا هي كانت يثرب فحسب في سهل المدينة المحصورة بين الحرتين ، وكانت بعض القبائل تنزل على مرتفعات الحرتين وكانت يثرب إحدى هذه الواحات ، ولما كان اليهود قد سكنوا سهل المدينة قبل الأوس والخزرج فإن منازلهم التي كانت في واحة يثرب وما حولها تعتبر أقدم واحات البلد ومركزها العامر ، وإلى جانب يثرب هناك واحات : السنح ورابح وخربي وقباء وحسيكة والبدائع وغيرها ، وعندما استقر الأوس والخزرج في السهل غلبوا اليهود على أكثر ما كان بأيديهم ، وعمروا واحات قديمة وأنشئوا واحات جديدة ) وتاريخ يثرب القديم مجهول فلا توجد مدونات يمكن الرجوع إليها وكذلك لم تقم أبحاث أثرية يمكن الاستفادة منها .. ومن المؤكد أن هذه الواحة القديمة قد سكنتها القبائل منذ زمن بعيد إذ لا يعقل ألا يجذب خصب هذه البقعة وكثرة المياه بها الناس إلى انتجاعها والإقامة فيها ووجود يثرب في الكتابات المعينية يدل على قدمها وأن المعينين استعمروها ...



وعرفت كذلك باسم المدينة من كلمة ( مدينتنا ) التي تعني ( الحمى ) أي المدينة على رأي المستشرقين الذين يرون أن اليهود المتأثرين بالثقافة الأرمية أو بعض المتهودة من بني أرم الذين نزلوا يثرب هو الذين دعوها ( مدينتنا ) ومن هنا جاءت المدينة أما كلمة مدينة على أنها اختصار من مدينة الرسول فيرون أنه رأي متأخر قال به العلماء . ثم يورد الباحث بعض الأسباب الاسطورية في تعليل الاسم : ويسوق صاحب الرحلة الحجازية رأياً آخر يعتمد فيه على الروايات التي تقول أن موسى حين خرج ببني إسرائيل من مصر أرسل فرقة من جيشه لقتال العماليق وأن هؤلاء الجنود أقاموا بيثرب بعد أن قضوا على أعدائهم وانهم اطلقوا اسم يثرب على المدينة تحريفاً لها من الكلمة المصرية اوسربيس ، كما أن اسم طيبة الذي استعمل للمدينة مأخوذ من ( طيبة ) المصرية وللإخباريين كعادتهم آراء في الاسم قالوا أنها سميت ( يثرب ) نسبة إلى يثرب بن مهلائيل بن ارم عبيل ابن عوض بن ارم بن سام بن نوح . ثم يذكر التعليل الإسلامي للاسم وقالوا بل قيل لها ( يثرب ) من التثريب وزعموا أن الرسول لما نزلها كره أن يدعوها يثرب كراهية للتثريب فدعاها ( طيبة ) و( طابة ) .



ونعقب على ذلك بأن : كراهية الرسول لاسم يثرب ليس زعماً فهناك أحاديث صحيحة تؤكد ذلك بل أنه فرض عقوبة على من يدعوها يثرب وهذا مرده لسببين : الأول أنه كان يتفاءل ويتشاءم من أسماء الأمكنة والأشخاص ويغير ما كان قبيحاً أو منفراً ، والآخر : هو تصميمه على أن يترك الصحابة والأنصار خاصة وراء ظهورهم كل ما يمت بأدنى صلة بالفترة السابقة على الإسلام . وإلى جانب منطقة يثرب كان هناك منطقة خيبر ، ويرى أ. محمد علي قطب ( أن الوجود اليهودي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كان محصوراً فيها ) .



ولنتعرف على خيبر ومدى الوجود اليهودي فيها آنذاك ( وخيبر التي تقع على بعد مائة وستين كيلو مترا من المدينة كان الوجود اليهودي فيها كثيفاً ، حتى أن خيبر كانت كلها خالصة لهم ليس فيها من الأعراب أحد ) ويضيف أ . أحمد أمين إلى هاتين المنطقتين مستعمرات أخرى : تيماء وفدك ووادي القرى .



تضاربت الآراء حول أسباب دخول أولى الديانات الإبراهيمية إلى جزيرة العرب ، فعلى حين يؤكد د/ محمد إبراهيم الفيومي أنها لم تدخل للتبشير ولكن لأسباب أخرى منها



( أ ـ زيادة عددهم في فلسطين إلى أربعة ملايين

(ب ) اضطهاد الرومان لهم في القرن الأول

( ج ) تدمير الهيكل ،

وهذا الرأي قريب مما ذهب إليه عباس محمود العقاد ( كان اليهود يهاجرون بجملة قبائلهم من أرض كنعان كلما أصابهم القمع والتشريد من فاتح جديد ، هاجر بنو النضير وبنو قريظة وبنو يهدل جملة واحدة إلى يثرب بعد أن ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعاً بالشام ) فإن أحمد أمين ينحو بمحنى آخر وهو أن يهود الجزيرة العربية آنذاك كانوا طائفين لا بالمعنى العقائدي ، ولكن فريقين أو بتعبيره صنفيين ( عنصر يهودي نزح إلى بلاد العرب أتوا من فلسطين وعرب تهودوا ) إنما لم يفصح لنا الأستاذ أحمد عن سبب نزوح العنصر اليهودي إلى بلاد العرب من فلسطين ، ويبدو أن بحث أسباب الهجرة اليهودية إلى شبه الجزيرة العربي وما قيل حول هذا الموضوع من آراء عرض للعميد د / طه حسين ، ولكنه ل يهتد فيه إلى رأي يطمئن إليه ولذا نراه يقول ( وكانت اليهودية قد استقرت في شمال الحجاز لأسباب لا يحققها التاريخ ) . ونقل إلينا د . صالح أحمد العلي ما خطه أحد المؤرخين السابقين في هذه الخصوصية ( يذكر السمهودي عن بني قريظة : زعموا أن الروم لما ظهروا على الشام خرج قريظة والنضير وهدل هاربين من الشام يريدون من كان بالحجاز من بني إسرائيل فوجه ملك الروم في طلبهم فأعجزوا رسله ـ ويظهر هذا النص - يقول د . العلي - أن الجماعات اليهودية التي سكنت المدينة كان أقدمها الذين قدموا بعد استيلاء الروم على بلاد الشام ولعله على أثر استيلاء تيتوس على الدولة اليهودية وتشتيت اليهود ) وهنا نرى السمهودي يذكر أن بني قريظة والنضير وهدل نزحوا إلى الجزيرة العربية من بلاد الشام ( فلسطين ) على إثر اضطهاد الرومان لهم ولكن في ثنايا النص ما يؤكد على وجود لبني إسرائيل في منطقة الحجاز ويبقى السؤال الذي أثير من قبل : من أين أتى هؤلاء اليهود القدامى ؟ وما هي أسباب هجرتهم إلى الحجاز ؟



قد تكون الإجابة معقولة ولكنها مختزلة : يهود الحجاز وقت ظهور الإسلام نزحوا من فلسطين بعد أن اشتدت عليهم وطأة الروم ، ثم بعد تخريب بختنصر لبيت المقدس .



ولم يعد وجود اليهودية في شبه الجزيرة العربية آنذاك يستند إلى الروايات التاريخية فحسب ، بل ( قد تم العثور على عدد من الحفريات والآثار والكتابات النبطية فيها أسماء عبرانية يعود بعضها إلى القرن الأول للميلاد ) ( وقد ذهب بعض المستشرقين استناداً إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام إلى أن أولئك اليهود لم يكونوا يهوداً حقاً بل كانوا عرباً متهودين تهودوا بتأثير الدعاة اليهود ) .



ومفاد ذلك أن اليهود الذين هاجروا من فلسطين إلى الحجاز نجحوا في تهويد بعض أبناء القبائل العربية في الحجاز ، وهو ما انتهى إليه أحمد أمين كما سبق أن ذكرنا من وجود صنفين من اليهود : يهود مهاجرين أو نازحين من فلسطين ، وعرب متهودين .



وقد ظهر يهود بعض العرب في عدة عصور منها أن ( المرأة المقلاة في الجاهلية كانت تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده ، فتهود قوم منهم ، وذكر العلماء أيضاً أن من الأنصار " الأوس والخزرج " من كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم فتهودوا وأن من الأنصار " الأوس والخزرج " من رأى في الجاهلية أن اليهودية أفضل الأديان فتهود أولادهم ) وسبب آخر هو اختلاط اليهود مع العرب ( فقد عاش اليهود في جزيرة العرب معيشة أهلها فلبسوا لباسهم وتصاهروا معهم فتزوج اليهود عربيات وتزوج العرب يهوديات ، ولعل كون بعض اليهود من أصل عربي هو الذي ساعد على تحطيم القيود التي تحول بين زواج اليهود بالعربيات وبالعكس ) ولعل مما يؤكد ذلك أن كثيراً من اليهود رجالاً ونساء حمل أسماء عربية كما نبغ عدد من الشعراء اليهود لهم قصائد نقلتها إلينا كتب الأدب العربي كذلك ( يرى أو ليري احتمال كون بني قينقاع من أصل عربي متهود ) .



أما عن البقاع التي انتشرت فيها الديانة التوحيدية الأولى ( اليهودية ) فأشهرها اليمن ( عن طريق اتصال ملوك حمير بيهود يثرب ) ويرى أحمد أمين أن اليهود عملوا على ( نشر دينهم جنوبي الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن ومن أشهرهم ذو نواس الذي اشتهر بحبه لليهودية واضطهاده لنصارى نجران ) ويؤكد الأستاذ برهان الدين دلو ذلك فيقول ( من اليمن انتشرت ظاهرة التهود بين السكان وتوطدت اليهودية في هذه المنطقة العربية المتحضرة والمتقدمة اقتصادياً وعمرانياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً ) ، أما د . محمد إبراهيم الفيومي فيذهب إلى أن ( أصل اليهود باليمن يرجع كما يذهب كتاب السيرة إلى الحبرين اللذين رافقا تبعاً في رحلته إلى اليمن أي أن اليهودية دخلت وفق دعوة تبشيرية ) .



أما في الحجاز فقد انتشرت واستقر اليهود في يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى . أثرت اليهودية في مجتمع الحجاز ذلك أن القبائل اليهودية مثل بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وبني زعورا وبني هدل وبني قمعة وبني زيد اللات وهم رهط عبد الله بن سلام الذي أسلم وحسن إسلامه ، كانت عاملاً مهماً في انتشار الدين اليهودي في القبائل العربية التي جاورتهم والتي كانت على الوثنية والتعددية الإلهية وخاصة الأوس والخزرج ( يقول السهيلي في الروض الأنف : غير أنه وجد في الأوس والخزرج من قد تهود وكان من نسائهم من تنذر إذا ولدت وعاش ولده أن تهوده لأن اليهود كانوا أهل علم وكتاب )

يضاف إلى ذلك أنهم كانوا على درجة حضارية متقدمة لحد كبير على سائر العرب المجاورين لهم في تلك الأصقاع ( كان جماعة بيثرب من أبناء اليهود فيهم الشرف والعز على سائر اليهود وقد ذكرنا أن بني زهرة ( = من يهود يثرب ) كان فيهم الملك وفيهم ثلاثمائة صائغ مما يدل على مكانتهم المتميزة ) . كذلك ( يرى بعض الإخباريين أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم في وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب انما كان في أيام بختنصر ، أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام ، وفتكهم بالعبرانيين مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم فأنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح ) ويذهب د . حسن إبراهيم إلى أن اليهودية انتشرت في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام ولا سيما في اليمن كما انتشرت في وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب، حيث أقامت قبائل بني قريظة وبني النضير وقينقاع ) .



ولعل هذا الحديث يوضح مكانة اليهود في يثرب ( يقول رسول الله (ص ) عن يهود بني النضير : هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش ) .

وقال حسان بن ثابت ـ وهو يراهم وسراة الرجال على الرحال : أما والله أن لقد كان عندكم لنائل للمجتدي وقرى حاضره للضيف وسقبا للمرام وحلم على من سفه عليكم ونجده إذا استنجدتم فقال الضحاك ابن خليفة واصباحاه نفسي فداؤكم ماذا تم تحملتم من السؤدد والبهاء والنجدة والسخاء ؟

قال : يقول نعيم بن مسعود الاشجعي : فدى لهذه الوجوه التي كأنها المصابيح ظاعنين من يثرب.. من للمجتدي الملهوف ؟ ومن للطارق السغبان ؟ ومن يطعم الشحم فوق اللحم ؟ ما لنا بيثرب بعدكم مقام.

هذا ما قاله محمد ( ص ) في حق طائفة من يهود يثرب وهم يهود بني النضير عندما أجلاهم منها وبنو المغيرة درة قريش . وما قاله في شأنهم حسان بن ثابت وهو شاعر الرسول - وما شهد به الضحاك بن خليفة الاشهلي وهو من الصحابة وأول غزوة شهدها هي غزوة بني النضير ولم يملك نفسه حين رأى بني النضير ينفون من يثرب أن قال تلك العبارة .

أما نعيم بن مسعود الاشجعي فقد لعب دوراً بارزاً في تخذيل الأحزاب التي جاءت لحصار يثرب وذلك في موقعة الخندق أي من الصحابة المذكورين في السيرة ومع ذلك رأيناه يتفجع على يهود بني النضير : ما لنا بيثرب مقام بعدكم .

هذه هي المنزلة التي بلغها اليهود في يثرب بشهادة الرسول ( ص ) وثلاثة من اصحابه المرموقين منهم اثنان من الأنصار خلطائهم .



أما المستوى الحضاري الذي بلغه اليهود فيدل عليه الخبر الآتي الذي يصور رحيل بني النضير من يثرب بعد نفيهم عنها : ( ثم شقوا سوق المدينة والنساء في الهوادج عليهن الحرير والديباج وقطف الخز الحمر والخضر وقد وصف لهم الناس فجعلوا يمرون قطاراً في أثر قطار فحملوا على ستمائة بعير .. لقد مر يوم إذن نساء من نسائهم في تلك الهوادج سفرن عن الوجوه لعلى لم أر مثل جمالهن لنساء قط ، لقد رأيت الشقراء بنت كنانة كأنها لؤلؤ غواص والرواع بنت بن عمير مثل الشمس البازعة في أيديهن اسورة والذهب والدر في رقابهن...قاله أبو سعيد الخدري ومروا بالدفوف والمزامير على النساء المعصفرات وحلي الذهب ... مظهرين ذلك تجلداً وأبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك الخزرجي الأنصاري ومن علماء الصحابة وحفاظ الحديث والمكثرين لروايته وقد انخرط في جيش محمد وهو ابن ثلاث عشرة سنة والعبارات التي فاه بها صريحة النص والدلالة معاً على أن يهود يثرب كانوا على درجة متميزة من الترقي والتمدن ولعل ذلك يظهر إذا قارنا مظهر نسائهم وملابسهن وحليهن وزينتهن بنساء يثرب الأخريات وأرديتهن .. الساذجة .



ويؤكد محمد علي قطب ( أن اليهود كانوا يسيطرون على يثرب قبل هجرة النبي ( ص ) إليها سيطرة كاملة ، مستخدمين وسائل ثلاث : الأولى العقيدة الدينية ، الثانية عنصر المال ، والثالثة المكر والدهاء ) .

اختلف الباحثون عما إذا كان اليهود هو الذين كانوا يسيطرون على البقاع التي استوطنوها ولهم فيها اليد الطولي أم أنها كانت للعرب دونهم :

يرجح د .جواد علي أن الهيمنة كانت للعرب ( وقد انتشرت اليهودية جماعات استقرت في مواضع المياه والعيون من وادي القرى وتيماء وخيبر إلى يثرب ، فبنوا الحصون لحماية أنفسهم وأرضهم وزرعهم من اعتداء العرب عليهم ، وقد أمنوا على أنفسهم بالاتفاق مع رؤساء القبائل الساكنة جوارهم وعلى دفع إتاوة لهم وعلى تقديم الهدايا لاسترضائهم ) ولكن تقديم الهدايا ودفع الإتاوات لرؤساء القبائل المجاورة كان عرفاً في جزيرة العرب ، وذلك ليأمن ساكنو الواحات غارات الأعرب عليهم ، ولا يدل بذاته على انتفاء سيطرة قاطني تلك الواحات على مقدراتها ، ولكن د. جواد علي يؤكد في موضع آخر علي أن السيادة كانت لليهود حتى جاء العرب فتغلبوا عليهم

( وسكن يهود يثرب … وظلوا أصحابها وسادتها حتى جاء الأوس والخزرج فنزلوا واستغلوا الخلافات التي كانت قد وقعت بين اليهود فتغلبوا وسيطروا على المدينة أي يثرب وقسموها فيما بينهم فلم يبق لهم من يومئذ عليها سلطان ، وتذكر روايات أهل الأخبار أن مجيء الأوس والخزرج كان بعد سيل العرم ) ولقد تناقض د/ جواد علي مع نفسه في ذكر أسبقية سكن يهود يثرب إذ ورد أنها كانت في أيدي الأوس والخزرج ثم طرأ عليهم اليهود ( وكانت يثرب عند هجرة اليهود في أيدي أصحابها الأوس والخزرج ولهم سيطرة عليها ) أن ما يجمع عليه المؤرخون والإخباريين هو أسبقية اليهود في استيطان يثرب ومع ذلك ذكر لنا في مواضع أخرى سيطرة اليهود على الأصقاع الأخرى التي توجدوا فيها :

وقد اشتهر يهود خيبر بشجاعتهم وخيبر موقع غزير المياه عرف واشتهر بزراعته وكثرة ما به من نخيل ) .

( وفدك موقع آخر غلب عليه اليهود وسكانه مثل أغلب يهود الحجاز مزارعون عاشوا على الزراعة كما اشتغلوا بالتجارة وبعض الحرف التي تخصص فيها اليهود مثل الصياغة والحدادة والتجارة ) أما الفريق الآخر من الباحثين فقد ذهب إلى أن اليهود كانت لهم الصدارة والسيطرة منهم د / صالح العلي الذي يقول (كانت لليهود سيطرة على مقاليد الحكم في المدينة واتخذوا لها ملكا يحكمها ومنهم محمد علي قطب الذي كان يرى أن اليهود كانوا مسيطرين على يثرب قبل الهجرة .



وفي تعليل السيطرة اليهودية أورد الباحثون عدة أسباب :

منهم من يرجعها إلى تفوق اليهود في التجارة والزراعة والصياغة والحدادة ( ومن المعروف أن جماعات يهودية هاجرت إلى العربية الشمالية والحجاز بعد أن دمر الرومان أورشليم سنة 70 واستقرت هذه الجماعات في يثرب وخيبر ووادي القرى وفدك . وعلى الرغم من اختلاط اليهود بالعرب وتعايشهم معهم واحتكارهم لبعض الحرف والصناعات كالزراعة وصناعة الأسلحة والحدادة والصيرفة والتجارة ...

وفيما سبق ذكرنا أنه كان بمنطقة يثرب 300 صائغ من بني زهرة وهذا الزعم ، إن لم يكن فيه مبالغة من قبل الإخباريين وهي إحدى المثالب التي أخذها عليهم ابن خلدون في " المقدمة " فإنه يدل على مدى تقدم اليهود في الصياغة . وفريق آخر يرجعها إلى إجادتهم أو مهارتهم المالية أو الصيرفة في رأي د . السيد عبد العزيز سالم أو فن المال حسب تعبير محمد علي قطب ، ولازال اليهود حتى الآن يتوارثون هذه الصفة وهم يستخدمون عنصر المال في السيطرة والهيمنة حتى عصرنا الحالي .



ويرجع فريق آخر من الباحثين ذلك إلى معرفة اليهود بالقراءة والكتابة في حين أن العرب أمة أمية ( وكان اليهود في جزيرة العرب تجارا ويعانون صنع الأمتعة والصياغة والسيوف والدروع وسائر الآلات الحديدية ، ويقول ولفنسون : أن اليهود كانوا أساتذة العرب في تعلم الكتابة العربية ) وباحث آخر يقول : ( كانت الكتابة قبل الإسلام قليلة في الأوس والخزرج وكان يهودي من يهود ماسكة قد تعلم الكتابة فأخذ يعلمها الصبيان ) .



لأنهم السيطرة السياسية بقدر ما تعنينا السيطرة الحضارية والمعرفية الناتجة عن أن اليهود كانوا أصحاب علم وبيدهم كتاب مقدس ويؤمنون بوحدانية الإله التي هي لا جدال أكثر تقدماً في درجة العقيدة الإيمانية من الوثنية والتعددية الإلهية ، التي كانت عليها قبائل جزيرة العرب قبل اختلاط أفرادها بأصحاب عقيدة التوحيد ، فإذا انتهينا إلى ذلك كان القول بتقليد العرب لليهود وتأثرهم بهم وأخذهم عنهم أمراً مقبولاً ومستساغاً ، ذلك أن تقليد الأدنى حضارة للأرقى مسلم به قال عبد الرحمن بن خلدون " في المقدمة " في فصل بعنوان (أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعقائده ) ويعلله بـ ( أن النفس تعتقد فيمن غلبها وانقادت إليه إما بالنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من انقيادها ليس لغلب طبيعي انما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء وما أراه والله أعلم )

واليهود كما ذكرنا امتازوا بكتابهم المقدس وثرواتهم العقارية والمنقولة ومهاراتهم في التجارة والزراعة والصيرفة وسائر الحرف والمهن ، فكان من البديهي أن يؤثروا في جيرانهم العرب ، وأن هؤلاء الأخيرين يقلدونهم ويقتدون بهم ، ويسيرون على منوالهم وأهم ما يسارعون إلى أخذه عنهم هو الدين أو العقيدة التوحيدية .



قد يكون تأثر العرب باليهودية محدوداً بالقياس إلى تأثرهم بالنصرانية كما سوف نرى وذلك لكون الأولى ديانة غير تبشيرية ومغلقة على أهلها ـ الذين يزعمون أن الله اختصهم بها لأنهم شعبه المختار ـ أنما الذي لا مرية فيه أن اليهودية كان لها تأثير على التفكير الديني لدى العرب في الحجاز وقد تمثل ذلك في عدة أمور:



الأول : إذاعة عقيدة التوحيد وهي الإيمان بوجود الإله الواحد ونبذ التعددية الإلهية المتمثلة في عبادة الأصنام وقد يكون الحنفاء أو المتحنفون أكثر من غيرهم تأثراً بهذه العقيدة وقبولاً لها ، وهذا لا يمنع من انتشارها في غيرهم من أبناء القبائل ويرى كارل بروكلمان لقد ساعدت المسيحية والنصرانية على استعجال تفسخ الوثنية العربية ) ويؤكد حسين مروة فيقول ( أن وجود الديانتين كان عاملاً مساعداً في تغيير الوعي الديني هناك باتجاه النظر التجريدي نحو مشكلة الوجود متجاوزاً النظرة الوثنية الحسية ) ومن رأي أندريه ميكل أن الوثنية العربية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية قد تغيرت باتصال بالديانتين التوحيديتين القائمتين آنذاك ) ويذهب د . حسن إبراهيم إلى ( أن اليهود عندما نشروا تعاليم التوراة بين عرب الجزيرة والحجاز كان لذلك أثره في الوثنية الحجازية ) .

هكذا نرى أن العقيدة التوحيد كانت معروفة لدى عدد من القبائل جزيرة العرب قبل الإسلام بسبب اتصالهم باليهود .



الثاني : ترسيخ عقيدة أو فكرة النبوة ، ثم إشاعة مقولة قرب ظهور نبي يخلص الناس مما يعانونه من جور واضطهاد يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلماً ويتحقق ملكوت الله على الأرض وهي عقيدة ( المشيحانية ) المستقرة في طوايا الديانة اليهودية ويطلق عليها في اللغة العبرية ( مشيحوت ) و( تعني الاعتقاد في مجيء مسيح يهودي وبطل قومي يتميز بصفات القدرة القتالية التي تمكن بني إسرائيل من الخروج من حالة الهزيمة العسكرية والفشل السياسي والانحلال الديني والخلقي وتمنيهم بمجيء عالم مثالي تحقق لهم فيه ما يعتقدون من سيادة على سائر الشعوب ، فتأتيهم طائعة عابدة ) .

عقيدة النبوة وفكرة قرب ظهور نبي انتشرتا لدى الأوس والخزرج بيثرب كأثر مباشر لاحتكاكهم باليهود واختلاطهم بهم ، ومعاملتهم معهم ويحدثنا مؤرخو السيرة النبوية أن النبي محمداً ( ص ) لقى رهطاً من الخزرج فوقف عليه ودعاهم إلى السلام وتلا عليهم القرآن وكانوا يسمعون أمره وذكره وصفاته ) فالأنصار ( الخزرج ) هنا لم يفاجئوا بل كان لديهم علم مسبق استقوه من اليهود : النبي يدعو إلى التوحيد ونبذ الأوثان وبيده كتاب مقدس هو القرآن ، الصورة نفسها التي كان يرونها لدى اليهود ولكنها في هذه المرة تتحقق على يد عربي ينطق بلسان عربي مبين ، فلم تأخذهم دهشة ولم يتولهم عجب ومن ثم سارعوا إلى الإيمان به وبدينه . ويسرد الكلاعي الواقعة فيقول : ( فجلسوا وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم في بلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم : أن نبياً مبعوثاً الآن قد أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما كلم رسول الله ( ص ) أولئك النفر ودعاهم إلى الله بعضهم لبعض : يا قوم تعلموا ولله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقكم إليه أحد ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام ) وأنت عندما تقرأ كتب السيرة النبوية وخاصة التراثية تجد أن القبائل تعنتت مع محمد عليه السلام ، ولم تقبل ما كان يدعوها إليه ، ورد كثير منها عليه رداً غير كريم فيما عدا الأوس والخزرج الذين آمنوا بسرعة مذهلة من أثر وجود خلفية لاتصالهم باليهود . ويواصل كتاب السيرة النبوية حكاية ذلك الوفد الذي قابل الرسول محمد ( ص ) في " منى " عند العقبة ( فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ( ص ) ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلما يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ( ص ) . فإذا وضعنا بجانب هذه الواقعة التاريخية أن الرسول ( ص ) ظل في مكة يدعو إلى دين الإسلام طوال ثلاثة عشر عاما ، ولم يؤمن به سوى بضع عشرات ، شطر كبير منهم من الأرقاء والمستضعفين الذين جذبتهم مبادئ العدالة الاجتماعية التي كان ينادي بها النبي محمد ( ص ) أدركنا أن الاستجابة السريعة التي أبدأها الأوس والخزرج مردها أن عقيدة النبي المخلص كانت شائعة بينهم من أثر احتكاكهم وجوارهم يهود يثرب ، فضلا عما يكونون قد استشعروه من أن الإيمان بنبوة هذا النبي العربي سوف ( يخلصهم ) من السيطرة الاقتصادية والاجتماعية لليهود .



الثالث : التأثير على الخطاب الديني لدى العرب إذ تغيرت بنيته تغيراً نوعياً وتحول من السذاجة إلى التجريد ودخلته مصطلحات ومفاهيم لم تكن معروفة عندهم قبل ذلك مثل : البعث والحساب والميزان والجحيم وإبليس ...الخ .

وهذا ما أكده أحمد أمين إذ يقول ( نشر اليهود في البلاد التي نزلوها في جزيرة العرب تعاليم التوراة وما جاء فيها من تاريخ خلق الدنيا ، ومن بعث وحساب وميزان ، وكذلك كان لليهود أثر كبير في اللغة العربية فقد أدخلوا عليها كلمات لم يعرفها العرب ، ومصطلحات دينية لم يكن لهم بها علم ، مثل جهنم والشيطان إبليس ونحو ذلك ) ونحن نرى أن مقولة أثر اليهود الكبير على اللغة العربية من جانب الأستاذ أحمد أمين فيها نوع من الشطط ، إذ أن في مذهبنا أن تأثير الديانة اليهودية على لغة العرب لم يتجاوز نطاق الخطاب الديني وهذا كما أوردنا أمر طبيعي أما خارج هذا النطاق فعلى العكس تماماً ، إذ كان اليهود هم الذين تأثروا بالغة العربية ونطقوا أي تكلموا بها وظهر فيهم شعراء ساروا على نمط القصيدة العربية .



ويرى برهان الدين دلو أن عن طريق الديانة اليهودية وتعاليمها تسربت إلى العرب جميعهم ( ما جاء فيها من : خلق الدنيا ومن بعث وحساب وميزان ونار وجهنم والشيطان وإبليس ) وأوضح ما كان ذلك التأثير على الحنفاء والمتحنفين ولهم مبحث خاص مستقل ، وعلى الشعراء والخطباء منهم على الخصوص مثل أمية بن أبي الصلت الشاعر المشهور الذي قال عنه محمد ( ص ) : آمن لفظه أو شعره وكفر قلبه ذلك لأنه رفض الدخول في دينه مثل قيس بن ساعدة الإيادي أحد خطباء العرب المعدودين ، وقد ورد في دواوين السيرة المعتمدة والتي تلقتها بالقبول والتجلي أن النبي محمداً ( ص ) كان يستمع إلى خطبه ومواعظه في سوق عكاظ - ولم يدع أحد من أولئك المتحنفين أن ملكاً من السماء نزل عليه فأوحى إليه تلك القيم الدينية والمفاهيم والمصطلحات إذن هي بلا ريب من أثر اختلاطهم بأهل الكتاب : اليهود أولاً ثم النصارى فيما بعد ، ودراستهم لكتبهم المقدسة وتعاليمهم ، ويذكر لنا د . صالح العلي أن اليهود كان لهم ( بيت مدارس واحد ويبدو أنه كان المركز الرئيسي أن لم يكن الوحيد ) ويصفه عباس محمود العقاد أنه ( المدرسة العبرية التي ظلت إلى عهد الدعوة المحمدية )



وبداهة أن هذه المدارس اليهودية أو هذه المدرسة العبرانية كانت أبوابها مفتوحة لمن يقصدها من طالبي العلم الديني من الحنفاء وغيرهم ، خاصة وأن أولئك الحنفاء كانوا على قدر متميز من الثقافة وكان بعضهم يعرف لغة أخرى خلاف العربية ، بل واللغة العبرية على وجه الخصوص . وقد ذكر الإخباريون أن ورقة بن نوفل ابن عم أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وهي أولى زوجات محمد عليه السلام ، كان يقرأ العبرانية وفي رواية أخرى كان يعرف اللسان العبراني وهذا ثابت في أكثر من كتاب من كتب في السيرة المحمدية . ورقة بن نوفل كان من أكابر الحنفاء في مكة وهو الذي بشر الرسول محمد ( ص ) أنه نبي هذه الأمة.



وتنص بعض الروايات على أن ورقة بن نوفل كان ينقل أجزاء من التوراة إلى اللسان العربي أي اللغة العربية . وكونه ابن عم السيدة خديجة يعني أن محمداً عليه السلام كان على اتصال حميم به والفترة من زواج محمد بها إلى إعلانه رسالته وهي خمسة عشر عاماً فترة معتمة في كتب السيرة أي لا يسلط عليها الضوء والذي نرجحه أن محمداً وقد كفته ثروة خديجة شظف العيش وعناء السعي على الرزق كراعي غنم وأخرى يتاجر بمال الغير خارج بها إلى أطراف الجزيرة ... الخ لا شك أنه في تلك الفترة اتصل بأصحاب الملل والنحل وأتباع الأديان والمذاهب الذين تعج بهم مكة أما كمقيمين بها أو وافدين للحج والتجارة ، وممن اتصل بهم الصابئة والأحناف والحنيفية وعلى رأسهم ورقة بن نوفل بسبب قرابته لزوجه خديجة ولا ريب أنه دارت بينهما حوارات وأن الأوراق او الأجزاء التي قام بترجمتها ورقة بن نوفل من العبرانية إلى العربية حاضرة في تلك الجلسات .



بل أن بعض الباحثين يرى أنه قد تمت ترجمة لبعض أجزاء منه التوراة وبمحاولة الحبر اليهودي إخفاء أية الرجم عن النبي محمد ( ص ) ووضع يده عليها كما ورد في البخاري وأنها لو كانت مكتوبة بالعربية لما شرع في سترها لأن محمداً عليه السلام لم يكن يعرف العبرانية ولا الآرامية .



الرابع : من المعروف أن اليهودية شريعة متكاملة فهي لم تقتصر على نواحي العقيدة والعبادة والأخلاق كما ستفعل النصرانية فيما بعد ، بل تناولت الحياة من جميع أقطارها ومن بينها الحدود أي العقوبات الجزائية او الجنائية التي توقع على من يرتكب فعلاً نهت عنه مثل السرقة والزنا ولو أن أحبارهم عندما ارتبطت مصالحهم ومنافعهم بأصحاب السلطة والجاه أحجموا عن تطبيق تلك الحدود في كل أفراد الطبقة الأرستقراطية أو المتنفذة ، وهذه سمة رجال الدين في كل الشرائع إذ يقومون في مثل هذه الحالة بتفسير النصوص وتطويعها وتوظيفها بما يتفق ومكانة أفراد الطبقة ذات الكلمة المسموعة وصاحبة السطوة المالية ، وهي العلاقة التي تربط بين المقدس والسلطة وفي هذه الخصوصية يقول د . صالح العلي ( وكان الزنا عند اليهود محرما وحده الرجم غير أن سريان الفساد في الأخلاق جعلهم لا يطبقونه على أشرافهم تلك الحدود اقتبسها العرب من اليهود فقد كان عبد المطلب هو الذي أطلق عليه د.سيد القمني (أستاذ الحنيفية الأول ) إذ مان في مقدمة المتحنفين ، عبد المطلب ( استن سننا جاء بها الإسلام فيما بعد منها تحريم الخمر والزنا وإقامة الحد على من يقارفهما ) .



هذه التأثيرات كان لها فعاليات بالغة الخطورة في المساهمة في قيام دولة قريش في يثرب على يد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي عليه الصلاة والسلام .



ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 16:05   رقم المشاركة :4
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
Post


النصرانية " المسيحية "

انتشرت الديانة التوحيدية الثانية ونعني بها النصرانية أو المسيحية في الجزيرة العربية انتشاراً واسعاً وكان حظها من ذلك أكبر من الموسوية أو اليهودية وقد شاركت في ذلك عدة عوامل جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية .

نبدأ بالجغرافية : الأقطار المحيطة بالجزيرة آنذاك كانت تدين بالمسيحية فسوريا في الشمال الغربي والعراق في الشمال الشرقي واليمن في الجنوب والحبشة في الغرب ( عن طريق البحر الأحمر ) ، ولم تكن شعوب تلك الأقطار بكاملها تعتنق الديانة الإبراهيمية الثانية " النصرانية " ، غير أنها كانت تمثل الديانة الرسمية لغالبيتها أو شطر كبير منها ، وفي الأطراف كانت دولة الغساسنة وكانت ملة أمرائها النصرانية . والإخباريون ينقلون إلينا أن آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم الذي أدركته جيوش الفتح العربي ( عندما التقى بالخليفة الثالث عمر بن الخطاب كان على نصرانيته ، فعرض عليه الإسلام فأنف منه ، فذهب إلى بلاد الروم في ثلاثين ألفاً فلما بلغ ذلك عمراً ندم ، وعاتبه عبادة بن الصامت فقال :لو قبلت منه الصدقة وتألفته لأسلم ) وبذلك يثبت أن حكاية إسلام جبلة المذكور ثم ارتداده أنفة من القود الذي توعده به عمر رضي الله عنه ( مسطورة ) كغيرها من مئات المسطورات التي يحفل بها التاريخ العربي ، وأيضاً في الأطراف كانت هناك دولة المناذرة في الخيرة والتي بدأت جذور المسيحية تنمو فيها على يد ملكها أمرؤ القيس الأول ، ثم أخذ عودها يستقيم على عهد حفيده النعمان . وهكذا بدت الجزيرة العربية وقتذاك محاطة بسوار من الدول والدويلات النصرانية فيها أما الديانة الرسمية أو الغالبة .

في العراق ، وإن لم تكن المسيحية الديانة الرسمية في العراق فأنها تأصلت في الرها وجندي سابور ونصيبين وسلوقية بل كان في بعض هذه المدن مدارس في اللاهوت والفلسفة حازت شهرة واسعة استمرت حتى الخلافة العباسية .وعن الأسباب التاريخية فالأستاذ العقاد يرجعها إلى ( ما ألم بالكنيسة الشرقية من الاضطهاد واختلال الأحوال في صدد المائة الثانية للميلاد ، إذ اضطر كثير من نصاراها أن يلجأ إلى بلاد العرب طلبا للحرية وكان معظمهم يعاقبه ) .ومنها غزو الأحباش لليمن ، ثم محاولة أبرهة الخائبة لمد سلطانه إلى قلب الجزيرة العربية وأن هذه الحملة وأن باءت بالإخفاق فأنها تركت أثراً دينياً وإن جاء محدوداً في المواقع التي مرت بها جيوش الأشرم . ( كذلك انتشرت المسيحية في قبائل تغلب وغسان وقضاعة في الشمال وفي بلاد اليمن في الجنوب .
وقد دخلت العربية بفضل جهود اباطرة الدولة الرومانية الشرقية في القرن الرابع الميلادي ، وكان من أثر هذه العلاقات الوثيقة بين العرب والبيزنطيين أن تأثر العرب إلى حد ما بالمسيحية ، فانتشرت في الجنوب عن طريق الحبشة والشمال عن طريق سورية وشبه جزيرة سيناء الآهلة بالأديار والصوامع ) ( وفي رواية أخرى - نقلاً عن الطبري - أن الذي زرع النصرانية في عرب الجنوب واليمن ذو نواس قبل تهوده فلما تهود سمي بـ " يوسف " وهو الذي حفر الأخدود بـ " نجران " ثم قاتل النصارى )( أما في الجنوب والجنوب الغربي فقد كانت الحبشة من المراكز التي تشعشعت فيها المسيحية إلى بلاد اليمن وبلاد الحجاز وفي الغزو الحبشي الثاني لليمن في عام 525 م ، وعلى أثره انتشرت المسيحية في اليمن ، واتخذ أبرهة نجران مركزاً رئيسياً لهذا الغرض وانتشرت المسيحية في بلاد العرب ، وبوجه خاص في طئ ودومة الجندل )( وكانت نجران الموطن الرئيسي للنصرنية في العربية الجنوبية ، ولعلها الموطن الوحيد الذي توطدت فيه هذه الديانة في اليمن ، وعند ظهور الإسلام كانت نجران المركز الرئيسي للنصرانية في اليمن ) وذكر د. محمد إبراهيم الفيومي أن ( المسيحية دخلت قلب مكة مع الغزو الحبشي لها ) بل أننا سوف نرى فيما يلي أن النصرانية اخترقت قبيلة قريش ذاتها وهي التي كان يتولى أفراد منها سدانة الكعبة وما كان بها من أصنام .

ويرى د . الفيومي أن الاضطهاد الذي وقع على أتباع المسيح عليه السلام كان أسباب انتشارها في الجزيرة العربي ودخلت على يد الحارث الغساني ) . وفي نطاق الأسباب السياسية فهي ( تتمثل في سعي الروم لمد سلطانهم في الجزيرة العربية عن طريق نشر دينهم على أيدي رجال الدين الذين يبشرون به ) ولقد ( حاولت المسيحية واليهودية أن تتغلغلا في الجزيرة العربي وكانت متصلتين بالصراع السياسي إذ بدت كل منهما حليفة لإحدى الدولتين الطامعتين ) . ويؤكد عطا الله جليان أنه ( كان للمذاهب النصرانية في مكة والمدينة وصنعاء ونجران واكسوم مرجعيات سياسية ومذهبية مركزية خارجية ) ، وهكذا نرى أن السياسة لعبت دور كبير في نشر المسيحية ، وكانت الدولة الرومانية " البيزنطية " توظف الدين لصالحها ، وتوقن أن تنصير القبائل العربية يخدم مصالحها ، بل أنها لم تتورع عن سلوك طريق الغزو المسلح لنشر المسيحية رغم ما في ذلك من مفارقة مضحكة ، ذلك أن المسيحية كما تصف نفسها جاءت لتلقي على الأرض السلام وللناس المحبة والمسرة ( يصور بعض المؤرخين المنازعة بين اليهودية والمسيحية في الجزيرة العربية كأنها نزاع ديني محض بين اليهودية والمسيحية في حين هي بجوهرها - بالرغم من اتخاذها المظهر الديني ـ نزاع سياسي بين ملوك الأحباش والحميريين )
ويستطرد حسين مروة فيقول ( كانت حملة الأحباش على مكة إذن إحدى ظاهرات الصراع على السيطرة السياسية والاقتصادية أساسياً ، لكن الإخباريين لا يجدون تفسيراً لها سوى التفسير الديني المحض ) ونذكر في مجال الأسباب الاقتصادية ( اتصال العرب بكل من نصارى الشام ومسيحيي اليمن في رحلتي الشتاء والصيف) كذلك كان عرب الجزيرة وخاصة من يقطنون الأطراف الشمالية على اتصال بكل من الغساسنة والمناذرة ، الذين كانت تفشو فيهم ديانة المسيح . ويذهب الأستاذ العميد د/ طه حسين أن العرب عرفوا النصرانية في الشام والعراق وربما في مكة وفي الطائف بفضل التجارة من جهة وبفضل من كان يصل إليها من الرقيق من جهة ثانية ، وبفضل بعض التجار الذين غامروا بأنفسهم وتجارتهم فوصلوا إلى مكة واستقروا فيها ، وكذلك عرف العرب المسيحية في نجران ) . ومن رأي د .محمد إبراهيم الفيومي ( أن المسيحية دخلت مكة وأن رحلات قريش التجارية ونظرية تقسيم الناس إلى أحرار وعبيد ساهمت في إدخال المسيحية في مكة ).( أما الحجاز فقد كان يستقبل بانتظام القوافل القادمة من أطراف سوريا وما بين النهرين ، وكانت تلك المناطق تذخر بالأديرة والمعابد فكانت هذه القوافل تحمل معها القصص والموضوعات المسيحية ) كذلك ( كان في الحيرة من سراة النصارى من اشتركوا مع سراة قريش في الأعمال التجارية مثل كعب بن عيد التنوخي فهو من سراة نصارى الحيرة ، وكان أبوه أسقفاً على المدينة ، وكان يتعاطى التجارة وله شركة في التجارة في الجاهلية مع عمر بن الخطاب في تجارة البز وكان عقيداً له )
ويرى كارل بروكلمان أن بلاد العرب الداخلية وخاصة مدن الحجاز التجارية لم تكن تجهل تعاليم المسيحية وتقاليدها بسبب من اتصالهم الدائم بقبائل الشمال ) . ومن أسباب انتشار النصرانية عند العرب وخاصة في الحجاز وجود عدد كبير من العبيد ( الرقيق ) الذين كانوا يدينون بها وقد كانت في مكة عند ظهور الإسلام جالية كبيرة من العبيد عرفوا بالأحابيش ومن هؤلاء عدد كبير من النصارى استورد للخدمة وللقيام بالأعمال اللازمة لسراة مكة . وقد ترك الأحابيش أثراً في لغة أهل مكة مثل عدد من الكلمات الحبشية والأدوات التي يحتاج إليه في الصناعات ، وفي الأعمال اليدوية التي يقوم بها العبيد وفي المصطلحات الدينية ) وهو ذاته ما أكده برهان الدين دلو والعميد طه حسين قال أن العرب في مكة والطائف عرفوا النصرانية بفضل من كان يصل إليهم من الرقيق ـ وجاء في كتب السيرة النبوية أن محمد ( ص ) عندما ذهب إلى الطائف يدعو إلى دينه قابل رجلاً نصرانياً من أهل نينوي يسمى " عداس " كان غلاماً أي عبداً لعتبة وشيبة ابنى ربيعة مما يؤكد انتشار الأرقاء النصارى في بيوت الأرستقراطية في مكة والطائف . وساهم وجود عدد من الأديرة التي يقطنها الرهبان النصارى في إفشاء الديانة الإبراهيمية " المسيحية " بين عدد من القبائل ( لعبت الأديرة دوراً هاماً في نشر النصرانية وتشير جغرافية توزيع الأديرة على انتشارها حتى في المواضع القصية من البوادي . وكانت الأديرة تتلقى المعونات من كنائس العراق والشام ).

ويؤكد د . جواد علي على هذه الحقيقة التاريخية فيقول ( أن دخول النصرانية إلى العرب كان بالتبشير وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا ، وبالتجارة والرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة ) وسبق أن ذكرنا أن د . حسن إبراهيم حسن أورد أن سيناء كانت أهله بالأديرة والصوامع ) و( من المواضع التي وجدت فيها النصرانية سبيلاً في أرض العرب : أيله .. ووادي القرى نزلته قضاعة فهي من أثبت القبائل في النصرانية وكان يسكنه نفر من الرهبان ذكرهم جعفر بن سراقة بقوله :فريقان رهبان بأسفل ذي القرى وبالشام عرافون ممن تنصروا إن انتشار الأديرة والصوامع في وادي القرى وشبه جزيرة سيناء بل وفي الأصقاع القاصية من بوادي الجزيرة كان عاملاً فعالاً في نشر المسيحية بين القبائل لأن هؤلاء الرهبان والنساك كانوا يرون لزاماً عليهم نشر ديانتهم اقتداء بالمسيح عليه السلام ونقرأ في دواوين السيرة المحمدية أن الرسول ( ص ) عندما بلغ اثنتى عشر عاماً خرج مع عمه أبي طالب في ركب للتجارة سنة 582 م إلى الشام وأنهم قابلوا على الطريق راهباً من أهل النصرانية في صومعته يسمى بحيري ( وفي نجد اعتنق النصرانية قوم من طيء وكندة وقد أنشئت أديرة لرهبان النصارى في جبال طيء ) ، ولقد كان الكثرة من هؤلاء الرهبان على علم بالطب وظفوه واستخدموه في توطيد صلاتهم بعدد من شيوخ القبائل والتبشير بدينهم ( كان الكثير من المبشيرين على علم ووقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس فتمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم من الأمراض).

ويرى بروكلمان أنه ( ليس من شك في أن الرهبان الذين انتثرت صوامعهم حتى قبل الصحراء كان لهم كبير أثر في تعريف العرب بالنصرانية وبلغ من تمكن النصرانية في بعض قبائل شبه الجزيرة العربية أن عدداً من أفرادها ذوي النفوذ فيها قام بدوره ببناء أديرة وصوامع .ويبين مما تقدم أن العديد من الأسباب تضافرت لإذاعة ديانة المسيح عليه السلام في الجزيرة العربية حتى أن قبائل كبيرة فشت فيها تلك الديانة كما سنوضح فيما بعد ، بل أن المسيحية دخلت مكة والمدينة المقدسة ومعقل الوثنية آنذاك ليس هذا فحسب بل إنها استطاعت ان تخترق قبيلة قريش صاحبة الولاية على مكة ، إذ آمن بالنصرانية بعض بطونها ونفر من رجالاتها - وهنا يتعين علينا أن نضع في حسباننا أن النصرانية ديانة تبشيرية ليست مغلقة على أهلها كاليهودية وكان ذلك أحد عوامل انتشارها .
تلك كانت أسباب انتشار الديانة السامية والتوحيدية الثانية ( المسيحية النصرنية ) في جزيرة العرب . ولكن في أي البقاع انتشرت ؟

ذكرنا فيما قبل استقرارها في شمال شبه الجزيرة العربية لدى الغساسنة والمناذرة ومدن الشمال الشرقي ( العراق ) ثم في الجنوب في اليمن وفي البحرين وعمان بفضل البعثات التبشيرية ) وفي بلاد الحجاز وخاصة وادي القرى وكان أهل نجران نصارى وقدم منهم وفد إلى يثرب على عهد محمد عليه السلام برئاسة السيد والعاقب والأسقف ، وظل النصارى بنجران حتى خلافة عمر رضي الله عنه حيث أجلاهم تحت شعار " لا يجتمع في جزيرة العرب ( دينان ) ولو أن الطبري يذكر في تاريخه أنه كان بنجران في زمانه بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل وأنهم أهل فضل وعبادة ) ( وكما انتشرت المسيحية في بلاد العرب وبوجه خاص في طيء ودومة الجندل ) وكانت هناك صوامع في وادي القرى ووجدت في نجران كنيسة أطلق عليها " كعبة نجران " ومال نفر من العرب إلى الرهبنة وبنوا أديرة ، والإخباريون ( يحدثونا أن حنظلة الطائي فارق قومه ونسك وبنى ديراً بالقرب من شاطئ الفرات يعرف بدير حنظلة ) وكان لتنصر المناذرة أثر كبير في بناء الأديرة والكنائس منها : كنيسة بيعة بني مازن ، وأخرى تسمى بيعة بن عدي ، ومنها كنيسة الباغوتة ، أما الأديرة فكثيرة منها : ( دير اللج ، ودير مارت مريم ، ودير هند الكبرى ، ودير هند الصغرى ، ودير الجماجم ، ودير عبد المسيح ) .

نظراً لانتشار المسيحيى بهذه الصورة ، فقد كان من المحتم أن تقوم الكنيسة بتنظيم شئون العبادة في تلك المراكز ، ولا تتركها تسير بصورة عشوائية وهذا ما رجحه العقاد ( ولما كانت للنصرانية هذه المثابة من الامتداد في بلاد العرب لزم عن ذلك ولابد أنه كان للنصارى أساقفة في مواضع جمة منها لتنتظم بهم السياسة للكنائس وقد تقدم ذكر أسقف ظفار وقال بعضهم كانت نجران مقام أسقف وكان لليعاقبه أسقفان : يدعى أحدهم أسقف العرب بإطلاق اللفظ وثانيهما يدعى أسقف العرب التغلبيين ومقامه بالحيرة ، أما النساطرة فلم يكن لهم من هذين الكرسيين سوى أسقف واحد تحت الرئاسة بطريك له ) كما (عمد جوستنيان في عام 543 م إلي تنصيب أسقفين مونوفيزيين مستقلين للمناطق الواقعة علي الحدود العربية هما: يعقوب البرادعي وتيودور وساعد الحارث بن جبلة ملك الغساسنة في تمكين المذهب اليعقوبي في مجالات بعيدة بين العرب في شمال شبه الجزيرة العربية ) ويؤكد أحمد أمين أن ( كعبة نجران كان فيها أساقفة معتمدون ) وقد اشتهر من بين رؤساء الإسلام قبل الإسلام قس بن ساعدة ويذكر أدباء العرب أنه كان أسقف نجران ، ويقطع لامانس في كتابه عن يزيد ببطلان ذلك ويذكر أنه لم يكن له صلة بنجران ) وربما كان ظن أدباء العرب ، ذاك الذي ذكره أ . أحمد أمين ، مبعثه أن قساً كان يخطب في أسواق العرب مثل غيره من الأديان الذين كانوا يتخذون من تلك الأسواق منابر للتبشير بعقائدهم .

أن كتب السيرة النبوية المعتمدة جاء فيها أن النبي محمداً ( ص ) سمع قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ وأنه ذكر لوفد بني إياد عندما وفد إليه في المدينة عام الوفود وأن واحدا منهم أعاد على مسامع محمد ( ص ) مقاطع من الخطبة التي سمعها الرسول ويقول د. محمد حسين هيكل كانت سوق عكاظ أكثر أسواق العرب شهرة فيها أنشد أصحاب المعلقات معلقاتهم ، وفيها خطب قيس وفيها كان اليهود والنصارى وعباد الأصنام يحدث كل عن رأيه آمنا لأنه في الشهر الحرام ) ولكن د. هيكل يذهب إلى أن قساً راهب نجران النصراني وهو الذي رفضه لامانس أنه من المرجح أنه من الحنيفية ثم أورد د . هيكل إحدى خطب قس بن ساعدة التي كان يلقيها في سوق عكاظ :
( أيها الناس اسمعوا وعوا ، من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو أت أت ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وبحار تزخر ، ونجوم تزهر ، وضوء وظلام ، وبر وآثام ، وطعم ومشرب ، وملبس ومركب ، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا ، وإله قس بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلكم زمانه ، وأدرككم وأنه فطوبي لمن أدركه فاتبعه وويل لمن خالفه )
فهنا نجد أن قساً في خطبته ذكر الآيات الكونية التي تدل على أن الحياة لم تخلق عبثاً وألمح إلى البعث والنشور والحساب ، والأهم من ذلك كله أنه بشر بقرب ظهور دين جديد أفضل وأكمل ، ولا يأتي بداهة إلا على يد نبي أو رسول ، وواضح أن ابن ساعدة قد تأثر بتعاليم الديانتين التوحيديتين الموسوية والعيسوية وبأفكارهما وبقيمهما وأخصها عقيدة المخلص الذي يفك أسر المأسورين ويرفع الظلم عن المظاليم ويحقق العدل المطلق وهو الحلم الأبدي الذي يقض مضجع البشرية منذ بدء الخليقة ، وتبني الإسلام هذه الفكرة تحت اسم ( المهدي المنتظر ) ، ومن اللافت للانتباه أن هذه الفكرة أو العقيدة من الأفكار أو العقائد القليلة ، وإذا شئنا قلنا النادرة التي يتفق على الإيمان بها أهل السنة والجماعة مع الشيعة ويروون الأحاديث التي تؤيدها ـ كما أن هذه الفكرة ذاتها هي نقطة التقاء بين الديانات السامية الثلاث : اليهودية والمسيحية والإسلام ، وتجد نظائر لها في العقائد الأخرى .

إن خطبة قس التي أوردنا فيما سلف بعض نتف منها تذكر كتب السيرة المعتمدة التي تلقتها الأمة بالقبول ، بل والتجلة ، أن محمداً عليه السلام سمعها في عكاظ أو في غيرها من أسواق العرب مثل مجنة أو ذي المحاز ودومة الجندل ونطاة خيبر والمشقر وحجر اليمامة ، وتلك الأسواق كانت مجال خطب الدعاة والمبشرين الدينيين ، ومعرض قصائد الشعراء ومعلقات فحول الشعراء . ( قدم وفد إياد ـ قبيلة قس بن ساعدة - على النبي محمد ( ص ) فقال لهم : ما فعل قس بن ساعدة ؟ قالوا : مات يا رسول الله ، قال : كأني أنظر إليع بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه فقال رجل من القوم أنا أحفظه يا رسول الله وتلا عليه الخطبة فقال رسول الله : يرحم الله قساً أني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده ) ولعل اعتناق قس بن ساعدة لدين عيسى عليه السلام - في رأي من يذهب إلى ذلك . أما نحن فنرجح أنه كان أحد الأحناف أو المتحنفين - نقول لعل اعتناق قس للمسيحية كان أحد أسباب انتشار النصرانية وفشوها بين أفراد إياد التي كانت واحدة من القبائل التي ذاعت فيها الديانة السامية الثانية _ أو المسيحية _ وهناك مبحث خاص سوف نخصصه للقبائل التي غزتها المسيحية وانتشرت بين أفخاذها وبطونها واعتنقها أبناؤها ، أو على أقل تقدير عدد وفير منهم ربما يصل إلى الأغلبية ، ( ويعد قس بن ساعدة من شعراء النصارى العرب مثل أمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد )

ويذهب د. السيد عبد العزيز سالم أن ( ممن اعتنق المسيحية من مشاهير العرب : أرباب بن عبد القيس وعدي بن زيد العبادي وأبو قيس ابن أبي دانس من بني النجار وورقة بن نوفل وعبيد بن الأبرص وبحيري الراهب ) وورقة بن نوفل أحد أبناء عم أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها أولى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به ، كما ان ورقة هو الذي قال أنه سوف يكون نبي الأمة ، أما بحيري الراهب فهو الذي تقابل معه محمد عندما كان غلاماً متوجهاً بصحبة عمه أبي طالب إلى الشام للمتاجرة ، ويقال أن ( أول من تنصر من ملوك الحيرة النعمان بن المنذر ، قيل على يد الجاثليق عبد يشوع ، وقيل على يد عدي بن زيد العبادي ، ودان بالنصرانية كثير من قبائل العرب النازلين بالحيرة أو بالمنطقة المحيطة بها من بينهم : تغلب من بطون من بكر بن وائل في ديار بكر ، وكانت هند بن النعمان زوجة المنذر بن امرئ القيس مسيحية ، فنشأ ابنها عمرو بن المنذر الذي تولى حكم الحيرة فيما بين عامي 554 / 569 م مسيحياً ، وإلى هند هذه ينسب دير هند الكبرى بالحيرة )
وكانت تنقلات القبائل أو بطونها أو أفخاذها مستمرة بين أطراف الجزيرة ووسطها ، ولذا فإن قبيلة تغلب هذه لم تكن هي الوحيدة التي فشت فيها النصرانية بل الكثير غيرها مثل : إياد قبيلة قس بن ساعدة وتميم وحنيفة وقضاعة وغيرها ، بل أن النصرانية اخترقت قبيلة قريش ذاتها ، فقد سبق أن كعب بن عبيد التنوخي وهو من سراة الحيرة النصارى رضي الله عنه قبل ظهور الإسلام ( وقال اليعقوبي : وأما من تنصر من أنحاء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى منهم عثمان بن الحويرث بن عبد العزى وورقة بن نوفل من أسد ) وقد ساق هذه الحقيقة التاريخية برهان الدين دلو (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام الجزء الثاني ص224 مرجع سابق ) وبذلك يمكن القول أن النصرانية كانت متغلغلة في مكة ، واخترقت بعض بطون قريش بل أن البعض يذهب إلى أن المسيحية وجدت داخل الكعبة ذاتها ، ولو أننا نرى أن هذا الرأي ربما يفتقر إلى الأدلة الوثوقية ، وأن استند إلى بعض القرائن التي لا ترقى إلى درجة الدليل منها أن ( عدي بن زيد ) وهو من أشهر شعراء العرب النصارى في الجاهلية يقول :سعى الأعداء لا يألون شراً عليك ورب مكة والصليب فكيف يؤمن رجل نصراني بعيسى والصليب ويقسم بالكعبة مجمع الأصنام ، واتخذه الأب شيخو دليلاً على انتشار النصرانية في مكة وعلى تنصر أحياء منها وعلى أن النصرانية قديمة فيها ... وأضاف أن : صور الأنبياء وصور عيسى وأمه التي أمر الرسول بطمسها ومحو معالمها هي دليل على أثر النصرانية في مكة ولهذا أقسم عدي بها وكذلك الأعشى :حلفت بثوبي راهب الدير والتي بناها قصي والمضاض بن جرهموالأعشى عاش في الجاهلية وأدرك الرسول ومدحه ) ( د. جواد علي المفصل ، المجلد السادس ، ص666ـ669 ، مرجع سابق ) .

وأياً كان الأمر فإن النصرانية كان لها وجود في جوف الكعبة - حتى مع عدم ترقي تلك القرائن لدرجة الدليل الذي تطمئن إليه النفس ـ ذلك أن محو صورتي عيسى وأمه مريم بأمر محمد ( ص ) قد ورد ذكره في كتب السيرة .ويؤكد أ . محمد كرد على وجود صور عيسى وأمه ، بقيتا حتى رآهما من أسلم من نصارى غسان وكان على أحد همد الكعبة تمثال مريم وفي حجرها ابنها مرزوقاً ) (محمد كرد علي ، الإسلام والحضارة ، ص123 الجزء الأول ، المرجع السابق .) عن ابن شهاب أن النبي (ص ) دخل الكعبة يوم الفتح وفيها صور الملائكة فرأى صورة إبراهيم فقال : قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال : امحوا الصور إلا صورة مريم . اخبرني محمد بن يحي عن الثقة عنده عن ابن اسحق عن حكيم بن عباد بن حنيف وغيره من أهل العلم أن قريشاً كانت قد جعلت في الكعبة صوراً فيها عيسى بن مريم ومريم عليهما السلام .قال ابن شهاب : قالت أسماء بنت شقر : أن امرأة من غسان حجت في حجاج العرب فلما رأت صورة مريم في الكعبة قالت : بأبي وأمي أنك لعربية ، فأمر رسول الله ( ص ) أن يمحو الله تلك الصور إلا ما كان من صورة عيسى ومريم .

ولعل من أظهر آثار الديانتين الساميتين على عرب الجزيرة قبل بعثة محمد عليه السلام ، شيوع أسماء الأنبياء الذين ورد ذكرهم في العهدين القديم والجديد ( التوراة والإنجيل ) مثل : آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قتل في الجاهلية وهو الذي وضع النبي محمد عليه السلام دمه بعد فتح مكة ، وإبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي القرشي ، واسحق الغنوي وهو من الصحابة وأبو أيوب الأنصاري ، وهو الذي نزل عليه الرسول عند مقدمه يثرب مهاجراً من مكة وسليمان بن نوفل ، وسليمان بن أبي حتمة القرشي ( كما كان اسم عبد المسيح شائعاً كثيراً لدى أهل الحيرة خاصة ) ولعل القارئ قد لاحظ أن عددا من هؤلاء كان من قبيلة قريش مما يدل على تأثرها بالمسيحية ، كذلك بين النساء انتشرت الأسماء الواردة في الكتابين المقدسين مثل : ( آسيا بنت الفرج الجرهمية ، مارية مولاة حجري بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل ، وهي التي حبس في بيتها الصحابي خبيب بن عدي، وحواء بنت زيد بن السكن ، وحواء بنت بجيد الأنصارية ، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رضي الله عنها إحدى زوجات النبي محمد ( ص ) ومريم بنت إياس الأنصارية وأم عيسى بنت الجزار وأم يحي امرأة أسيد بن حضير أحد زعماء الأنصار ) وكلهن صحابيات . _* من هذا كله يبين أن المسيحية كانت منتشرة في وسط الجزيرة العربية وأطرافها وذلك للأسباب التي أوردناها وكان حظها من الذيوع والانتشار أوفر من الديانة السامية التوحيدية الأولى ( اليهودية ) لعلل لا تخفى ، في مقدمتها أن النصرانية ديانة تبشير فضلاً عن استنادها إظلى مرجعيات سياسية متنفذة : دولتي الروم والحبشة ودويلتي أو إمارتي : الغساسنة والمناذرة ، والنصرانية كما اليهودية تركت أثاراً عميقة الغور في عرب الجزيرة على الأخص في الناحية الاعتقادية ، نذكر : أولاً : ترسيخ عقيدة التوحيد التي وضعت بذرتها اليهودية أي الإيمان بإله واحد ونبذ ما عداه ، وترك التعددية الإلهية المتمثلة في عبادة الأصنام والأوثان ، وسبق أن ذكرنا أن انتشار المسيحية واليهودية في القبائل العربية كانتا من أوائل العوامل التي دفعت إلى تفسيخ الوثنية العربية لصالح عقيدة التوحيد ، وإلى إقناع العرب وخاصة عقلائهم وحكمائهم بسخف الإيمان بالتعددية الإلهية .

ولا شك أنه كان للنصرانية النصيب الأوفر في ذلك ، لأنها كانت أشد ذيوعاً وأكثر انتشاراً من الموسوية ( اليهودية ) حتى أنها اخترقت قبيلة قريش ذاتها بل أنها دخلت قدس أقداسها ونعني به الكعبة .
ثانياً : تكريس عقيدة أو فكرة النبوة والتبشير بظهور نبي أطل أو أظل زمانه ، ففي الخطبة التي ألقاها قس بن ساعدة في عكاظ وسمعها محمد ( ص ) ( وإله قس بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظل زمانه وأدرككم أوانه ، فطوبي لمن أدركه واتبعه ، وويل لمن خالفه ) ( وعن مروان بن الحكم بن أبي سفيان عن أبيه قال : خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجاراً إلى الشام ، فكلما نزلنا منزلاً أخذ أمية سفراً يقرؤه علينا فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى ) ( د . محمد حسين هيكل ، في منزل الوحي ، ص395 ، مرجع سابق ) ( وقد روى الإخباريين قصصاً عن التقاء أمية بالرهبان وتوسمهم فيه إمارات النبوة وعن هبوط كائنات مجنحة شقت قلبه ثم نظفته وطهرته تهيئة لمنحه النبوة ) (محمد كرد علي ، الإسلام وحضارة العرب ، ص125 ) وأمية هذا ( حضر البعثة المحمدية ولم يسلم ولم يرض بالدخول في الإسلام لأنه كان يأمل أن تكون له النبوة ، ويكون مختار الأمة وموحدها فقد برز نموذجاً للتطهر والزهد والتعبد وقد مات سنة تسع للهجرة بالطائف كافراً بالأوثان وبالإسلام ) (د . سيد القمني ، الحزب الهاشمي ، ص70 )
ثالثاً : في الخطاب الديني تركت النصرانية أثراً في العرب لا يقل عن أثر الموسوية فيه ، ويذهب د . السيد عبد العزيز سالم إلى ( أن الشعر الجاهلي يشهد على ذلك ) ويؤكد أحمد أمين أن المسيحية نشرت تعاليمها بين العرب ) (أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص27 ) كما يرى أحمد أمين أن شعراء النصارى مثل قس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد لهم مسحة خاصة في شعرهم عليها طابع الدين ومتأثرة بتعاليمه ) (المرجع نفسه والصفحة نفسها ) . وأورد د . سيد القمني عدة قصائد للشاعر أمية بن أبي الصلت تتضمن كلمات : الجنة والنار والبعث والحشر والنشور والحساب والرب ذا العرش والميزان وآيات الله كالسماء التي رفعت بلا عمد والأرض بلا وتد وبعثة الرسل مثل إبراهيم وإسماعيل وقصة الذبح والفداء ، موسى وهارون ليذهبا إلى فرعون الذي كان طاغياً ، ومريم التي لم تكن بغياً ولا حبلى والملك الذي جاءها وقال لها لا تجزعي وعيسى الذي أتى من الإله آية ولم يكن غوياً ولا شقياً وقصص الأولين مثل عاد وجرهم ويظهر من أدبيات بعض الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل وأنهم وقعوا على ترجمات عربية للكتابين منهم ورقة بن نوفل وأمية بن أبي الصلت ( د. جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص680 ، المجلد السادس ) ، وقد أكد البعض ترجمة الإنجيل للعربية آنذاك ، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري في كتاب " بدء الخلق " وفي كتاب " التفسير " عن أنه كان يقرأ الإنجيل باللغة العربية ويكتب منه ما يشاء الله أن يكتب ( حسني يوسف الأطير ، البدايات الأولى للإسرائيليات في الإسلام ، ص20 ) .
كما يؤكد د / جواد علي أن الشعر الجاهلي قد حفل بالعديد من الألفاظ والعبارات والأفكار المستمدة من النصارى مثل الإقرار بإله واحد والنهي عن عبادة الأوثان ، والتقرب إليها والرب يكفي الإنسان ويرعاه ويساعده في حله وترحله والفناء على كل امرئ وليس أحد من هذه الدنيا بخالد ، والصلوات والقيام والركوع والسجود والتسابيح ، وتقديس اسم الله والتسبيح بعد الصلاة لا سيما الضحى والعشى ، والحواريون ورسم المسيح وتلامذته ) . (المرجع السابق ، ص67 )ولعل من نافلة القول أن نضيف أن قصائد الشعراء وخاصة الفحول منهم كانت تقوم بالدور نفسه الذي تقوم به الصحف والمجلات في عصرنا الحالي ، وكانت هي أداة الإعلام الفعالة ، يحفظها العرب ويرددونها ويتناقلونها في مجالسهم ، ذلك أن الأمية كانت هي الغالبة عليهم " نحن أمة أمية " هكذا قال الرسول محمد ( ص ) فضلاً عن ولعهم بالشعر وكان للشعراء عندهم مكانة تسامى مكانة الانتلجنسيا في هذه الأيام ، وعندما كان ينبغ شاعر في قبيلة عدت ذلك من مفاخرها ، ويذهب أحمد أمين إلى أن شعراء وخطباء النصرانية ( أدخلوا على اللغة العربية ألفاظا وتراكيب لم تكن معروفة ) (أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص28 ) . _

هذه الآثار التي بصمت بها اليهودية والنصرانية الذهنية العربية خاصة في المجال الديني ، كانت من العوامل البالغة الخطر في التمهيد لقيام دولة قريش على يد محمد النبي عليه الصلاة والسلام إذ ساعدت عقيدة التوحيد التي قامت تينك الديانات بنشرها بين العرب قبل الإسلام على تفكيك عرى الوثنية والتعددية الإلهية التي كانت مسيطرة وقتذاك وساهمت في تفسيخها وفضحها والكشف عن زيفها ومنافاتها للعقل ومجافاتها للمنطق والحس السليم ، بحيث أن الإسلام الذي نادى به محمد فيما بعد ، جاء وقد عبدت أمامه الطرق وحرثت من تحته الأرض لتتلقى البذور التي ألقاها وهي أيضا بذرة توحيدية . وتكمن أهمية المناداة بالإسلام ضمن مكونات الدولة الوليدة لا في كونه عقيدة خاصة بالعرب ومتميزة عما سبقها في بعض المناحي فحسب ، بل لأنه كان أحد الأعمدة الركينة التي ارتكز عليها البناء الخاص بتلك الدولة ، وكان استعمال الدين كمدماك لشد أزر بنية الدولة بدأ قديماً بمبادرة المؤسس الأول ومجمع قريش قصي الجد الأعلى لمحمد عليه السلام لأنه لما كان يتمتع به من ملكات عقلية فذة ونادرة أدرك بثاقب نظره أهمية عنصر الدين في تعضيد الدولة ومؤازرتها فسار الأحفاد من بعده على هداه ، ومترسمين خطاه . كما لعبت عقيدة التوحيد دوراً بارزاً آخر لا يقل خطورة وهو المساهمة في توحيد قبائل العرب ، لأن الإيمان بدين واحد أو عقيدة واحدة يخالف تماماً من الوجوه كافة وشتى المناحي اعتقاد كل قبيلة بإله خاص بها ، فالتوحيد في العقيدة سوف يؤدي بطريق الحتم واللزوم إلى صهر القبائل في بوتقة واحدة ، أو حتى التقريب بينها وإزالة مشاعر التفرد ، وربما النفور ، بما لا يستطيعه عامل آخر ، انظر إلى من يعتنقون ديناً واحداً سوف تجد بينهما العلاقة حميمة على اختلاف في عروقهم وتباعد بين ديارهم ، وهكذا كان فعل التوحيد التي بذرتها الموسوية والعيسوية أو اليهودية والنصرانية ( المسيحية ) في شبه الجزيرة العربية ، ولذا عندما جاء محمد ( ص ) يدعو إلى التوحيد والوحدة ونبذ العصبية وجد لصوته صدى ولندائه استجابة خاصة لدى العرب الذين خالطوا أبناء إحدى تبنك الديانتين وعلى سبيل المثال : الأوس والخزرج ، وهو باعتراف كتب التاريخ الإسلامي من أهم عوامل نجاح الدعوة المحمدية ، ونذكر في هذا المقام بقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهم ( يا معشر الأنصار لطالما أعز الله بكم الإسلام ) .

وقد واكب التوحيد في الألوهية الذي نشرته الديانتين المذكورتين بجزيرة العرب نماء الشعور القومي عند القبائل العربية ولقد تمثل ذلك في هزيمة الفرس أمام العرب في " يوم ذي قار " وفي انتصار " ذي يزن " ومن ثم فلم يكن من قبيل المصادفة أن يتوجه إلى اليمن لتهنئة وفد من قريش على رأسه عبد المطلب الجد المباشر لمحمد ( ص ) . وفائدة أخرى جليلة انطوت عليها عقيدة التوحيد ، وهي ترسيخ فكرة دولة مركزية يسوس أمورها حاكم فرد ، ذلك أن التعددية الوثنية أو بعبارة أخرى وجود إله لكل قبيلة أو مجموعة محدودة من القبائل ، يفضي إلى معنى مماثل وهو وجود رئيس لكل قبيلة ـ أما عقيدة التوحيد التي تنادي بإله واحد لا شريك له تنتهي إلى وجود حاكم واحد تخضع له كل القبائل ، ويذعن له جميع الناس ، لهذا وجد محمد بن عبد الله القرشي ( ص ) التربة صالحة لتولي مقاليد الدولة التي شاءت الظروف التاريخية أن تكون عاصمتها يثرب بدلاً من مكة ، حقيقة أن بعد وفاته لقى خليفته أبو بكر الصديق قدراً من المقاومة من بعض القبائل ، ولكن القبائل التي كانت قد مهدت لديها فكرة الدولة المركزية المنبثقة من عقيدة التوحيد والإيمان بالإله الوحيد وقفت إلى جانبه ، حتى تمت له السيطرة على الجزيرة العربية كافة ثم بدأ يمد السلطان العربي خارجها .

كذلك كان للديانتين الإبراهيميتين جانب آخر ساعد في التمهيد لقيام دولة قريش في يثرب ، هو ترسيخ فكرة مسئولية الإنسان عن أفعاله من خلال الثواب والعقاب لا في الحياة الآخرة ، فحسب بل أيضاً في الحياة الدنيا بوجود سلطة تتولى توقيع العقاب على المخالفين وهو ما عرف بـ " الحدود " وهذا أمر لم تكن تعهده بهذا المعنى المنتظم القبيلة العربية ، وخاصة تلك التي لم تكن مستقرة في المدن والقرى والواحات وأقصى ما كانت تعرفه هو الخلع ، أي خلع الفرد الذي يقارف أفعالاً منكرة تجر على القبيلة أو الفخذ المتاعب التي قد تؤدي إلى الحروب والغزوات ، ولعل اقتباس المتحنفين من الديانة اليهودية فكرة المسئولية الجزائية وتوقيع حدود الزنا والسرقة وشرب الخمر على المقترفين لها ، ومثال ذلك ما قام به عبد المطلب أستاذ الحنيفية وسيد مكة في زمانه والذي يقرب المعنى الذي نهدف إلى توضيحه ، ومن ثم لما جاء محمد ( ص ) ونادى بكل تلك القيم والتعاليم ، كانت الأذهان مهيأة لها ، وكانت تلك من الركائز التي توطدت بها أركان الدولة التي قامت على يديه في يثرب ، لأنه لا يتصور قيام أي دولة دون وجود مبدأ المسئولية والثواب والعقاب عن الأفعال . ليس معنى ما سطرناه في هذه الفقرة أن الجانب العقيدي هو وحده الذي قام بعبء التمهيد لدولة قريش في يثرب ، فهذه نظرة أحادية الجانب لا نظن أننا قد رمينا إليها ، ولكن ما قصدنا إليه هو أن هذا العامل كان أحد أخطر العوامل الممهدة لنشأة تلك الدولة القرشية ، ولكنه لم يكن الفاعل الفرد بل لعبت إلى جواره عوامل أخرى أدت أدواراً بالغة الخطر . * * * *

قبل أن نشرع في الكلام على القبائل التي اعتنقت المسيحية ، نلفت النظر إلى مسألة ذات بال وهي أن القرآن الكريم تحدث عن النصرانية لا عن المسيحية وعن النصارى لا عن المسيحيين ونسبة الناصري ترجع إلى ( الناصرة ) القرية التي ولد ونشأ فيها المسيح عليه السلام وتقع في منطقة الجليل ومن عنا لقب بـ ( يسوع الناصري ) . ورغم أن القرآن المجيد جاء بعد عيسى بأكثر من ستة قرون فإنه توقف في تناوله لـ ( النصرانية ) عند حد معين ، فهو لم يذكر شخصيات شديدة الخطر في تاريخ ديانة عيسى بن مريم مثل شخصية بولس أو شاول الطرسوسي أول من نادى بألوهية المسيح وبالتثليث وبذلك حول مسار المسيحية بكامله ، ولا تحدث القرآن عن حوادث ذات أهمية بالغة مثلما حدث في مجمع نيقيه 325 م الذي كرس تلك العقيدة مثلما أصّـل لها الأصول وقعـّد لها القواعد وأبدع اللاهوت اللازم لها ، وأمسك عن ذكر تلاميذ المسيح بتفصيل حتى عن أكابرهم ومتقدمهم مثل الصخرة بطرس والأدوار التي قاموا بها في نشر عقيدة المسيح والتضحيات التي قدموها في سبيل ذلك . وعندما جاء القرآن يتحدث عن كتاب المسيحية المقدس يذكر الإنجيل بالمفرد ولا يأتي بكلمة واحدة عن الأناجيل الأربعة المتداولة لدى اتباع يسوع عليه وعلى أمه السلام ـ أن القارئ للقرآن العظيم يشعر بفارق هائل بين حديثه عن اليهودية وبين تناوله للمسيحية .تكلم على الأولى باسهاب وافر في العديد من السور والآيات حتى أدق التفاصيل لم يغفلها بينما طرح المسيحية طرحاً موجزاً مقتضباً أشد ما يكون الإيجاز وأبلغ ما يجيء الاقتضاب .ما تفسير ذلك … ؟
العلة في رأينا ترجع إلى أن الفرقة ( أو الفرق ) التي وصلت إلى وسط الجزيرة وغربها .. إلى منطقة الحجاز كانت هي فرقة ( اليهود المتنصرين ) أو ( اليهود الناصريين ) نسبة إلى الناصرة مسقط رأس المسيح أو ( النصارى الموحدين ) أو ( الخوارج ) كما تصفهم بعض الكتابات المسيحية .هذه الفرق أو ( الفرقة ) هي التي آمنت بالمسيح رسولاً وليس إلهاً ولا هو ابن الله ولا هو ثالث ثلاثة وأنه مخلوق وبشر وليس رباً معبوداً وأنه نبي مثل غيره من الأنبياء وهو كأحدهم أرسله الله تعالى للناس وأن الله جل جلاله خلقه في بطن أمه مريم العذراء البتول من غير أن يلامسها ذكر وأنه روح القدس وكلمة الله تباركت أسماؤه وان روح القدس والكلمة مخلوقان خلقهما الله بقدرته .

ولعل القارئ قد لاحظ أن هذه المعاني أو الاعتقادات التي كانت تؤمن بها تلك الفرقة ( الفرق ) تكاد تكون مطابقة لما جاء بشأنها في القرآن الكريم مع بعض الفروق التي مردها إلى التزام القرآن الصارم بـ (التوحيد الخالص ) النقي من أية شائبة وإلى ميل القرآن إلى تنزيه السيدة مريم تنزيهاً كاملاً ، هذه الفرقة أو الفرق التي ظلت متمسكة بالتعاليم الصحيحة التي جاء بها المسيح فتعرضت للاضطهاد من قبل شاؤول الطرسوسي أو بولس ففرت بدينها الحق إلى وسط الجزيرة وغربها : مكة ، نجران ، دومة الجندل ، وادي القرى … تماماً كما هاجر اليهود ـ إلى الحجاز ـ فالجزيرة العربية ( وفيها الحجاز ) هي الامتداد الطبيعي للشام وفلسطين ويخبرنا التاريخ أن الهجرات كانت تبادلية بينهما . وسبق أن أوردنا رأي كل من العقاد والفيومي في وقوع اضطهاد في القرن الأول الميلادي على اتباع ابن مريم مما اضطرهم إلى الهروب إلى الحجاز ـ ووجود فرقة ( أو فرق ) تؤمن بتعاليم المسيح الصحيحة قامت أدلة على ثبوتها وجاء ذكرها في المصادر الإسلامية والمسيحية على السواء وكون المصادر تصمهم بالمروق أو الخروج أو التحريف لا ينفي مسألة ثبوتهم تاريخياً ) وركان علماء السلف من المسلمين على علم بوجودهم خاصة أولئك الذين أرخوا للفرق والملل والفصل والنحل والأهواء والشيع … الخ منهم ابن حزم الأندلسي .
وكان من البديهي أن يكف أولئك النصارى عن ذكر بولس أو شاؤول خصمهم اللدود أو عدوهم المبين وقاهرهم وملجئهم للهجرة والهرب وأن يصفوه وأتباعه بالكفر والمروق عن الدين الصحيح دون إفصاح عن أسمائهم أو تعيين لذواتهم إهمالاً لشأنهم وازدراء لهم . وكانت تلك الفرقة ( الفرق ) أيضاً لا تعترف إلا بـ " إنجيل " واحد والمعروف بـ " إنجيل الابيونيين " أي إنجيل " اليهود المتنصرين أو اليهود الناصرين أو النصارى الموحدين " وكانوا يعتبرون ما عداه تحريفاً للإنجيل الصحيح الذي بشر به يسوع . ولقد تحدث القرآن عن تحريف أهل الكتاب لكتبهم المنزلة وحصراً عن نسيان النصارى حظا مما ذكروا به ( س المائدة / 14 ) .

الخلاصة أن هذه الفرقة أو الفرق في صميم اعتقادهم أنه انجيل واحد ومن ثم لم تذكر الأناجيل الأربعة لأنها في نظرها باطلة . ويخبرنا باحث مسلم أن تلك الفرق أو الفرقة ( كانت تقول أن بولس مرتد وتسلم بـ ( إنجيل متى ) لكن هذا الإنجيل عندها مخالف لهذا الإنجيل المنسوب إلى متى الموجود عند معتقدي بولس الآن في كثير من المواضع ولم يكن البابان الأولان فيه ، فهذان البابان وكذا كثير من المواضع محرفة عند هذه الفرقة ومعتقدو بولس يرمونها بالتحريف . والفرقة المعنية في الفقرة السابقة هي فرقة الابيونيين وهي من أشهر فرق اليهودالمتنصرين وهي تقطع بأن إنجيل متى قد حرف خاصة في البابين الأولين وهما اللذان يتناولان قصة ميلاد عيسى وعذراوية أمه مريم . (عقائد النصارى الموحدين ، ص30 ) . أما المراجع المسيحية فتقول عن الابيونيين : وجد في فلسطين مسيحيون من اليهود باسم الناصرين وابيونيين ولا نستطيع الجزم هل كانا مذهبين منفصلين أو أنهما كانا جناحين لمذهب واحد من ذوي الآراء المتحررة أو الضيقة . فالبعض مثل هارناك يعتقد أن الإسمين هما لقب للمسيحيين من اليهود بينما يعتقد البعض الآخر أن الابيونيين هم جماعة الرجعيين والمذهب الأضيق من المسيحيين اليهود بينما كان الناصريون أكثر تسامحاً مع من يختلفون معهم في العقيدة والممارسات ( دائرة المعارف الكتابية ، الجزء الأول ، ص55 ، ط1 ، 1988 ) . وفي موضع آخر ( يمكننا وصف الابيونيين عموما بأنهم : المسيحيون اليهود الذين عملوا على الاحتفاظ بقدر الامكان بتعاليم وممارسات العهد القديم ) (المرجع نفسه والصفحة نفسها ) ولعل التوصيفات التي أطلقتها دائرة المعارف الكتابية على الابيونيين مثل : ذوي الآراء الضيقة .. جماعة الرجعيين .. المحتفظين بتعاليم العهد القديم .. تشي بأنها الفرقة أو الفرق التي تمسكت بالتعاليم الأولى الأصلية التي بلغها المسيح والذي صرح في أكثر من مناسبة أنه ما جاء لنقض الناموس وألوهية المسيح والتثليث نقض لا شك فيه للناموس .

ولكن الدوائر الدينية المسيحية الرسمية ( رئاسات شئون التقديس ) تضع إنجيل الابيونيين من ضمن الأناجيل الأبوكريفا أي غير المعترف بها أو الخارجة أو المحرفة أو المتحولة أو المزورة . ان الابيونيين لديهم إنجيل يسمى ( الإنجيل بحسب متى ) غير كامل وغير صحيح تماماً بل هو مزور ومشوه ويسمونه الإنجيل العبري . (دائرة المعارف الكتابية ، الجزء الأول ، ص55 ) . ونذكر أن الحذف يتعلق بنسب المسيح . ويلقي لنا د. عبد المنعم حفني مزيدا من الضوء على هؤلاء الابيونيين منهم :فرقة من اليهود المستنصرين .. التسمية تعني الاغمار لأنهم كانوا من نكرات اليهود .. أو انهم من الفقراء إلى الله قبلوا المسيح بمعنى ( المهدي المنتظر ) ورفضوا الإقرار بالألوهية وولادته العذرية وقالوا أن المسيح .. رسول قد خليت من قبله الرسل ( الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية ، ص43 ،ط1 ، 1410 / 1980 ) .ونضيف أنهم يؤكدون أن من يزعم خلاف ذلك فهو مجدف في حق الله تعالى .. ومستحق اللعنة الأبدية ورفضوا الإقرار برسولية بولس ( شاؤول ) ودخلوا معه في عراك .
أما د. جواد علي فيرى أن الابيونيين ( جماعة من قدماء اليهود المتنصرين عرفوا بهذه التسمية العبرانية الأصل التي تعني الفقراء .. وهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون وينكرون رأي بولس الرسول في المسيح ويحافظون على حرمة السبت وحرمة يوم الرب وقد ذهب بعض قدماء من نتحدث عنهم إلى أنهم فرقتان بالقياس إلى مولد الابن المسيح من الأم العذراء ويعتقد أكثرهم أن المسيح بشر مثلنا أمتاز على غيره بالنبوة وأنه رسول الله . وهو نبي كبقية من يبقه من الأنبياء المرسلين . وقد آمن بعض منهم بعقيدة ( العذراء ) وولادتها المسيح من غير اتصال ببشر ، غير أن بعضاً آخر منهم آمن بأن المسيح ابن مريم من ( يوسف ) فهو بشر تماماً ، أنكر الصلب المعروف ، وذهب إلى أن من صلب كان غير المسيح وقد شبه على من صلبه فظن أنه المسيح حقاً ورجعوا إلى إنجيل متى المعروف بالعبرانية وأنكروا رسالة بولس على النحو المعروف عند بقية النصارى ) (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، د.جواد علي ، الجزء السادس ، ص635 ، ط2 ، 1978 م ، دار العلم للملايين ، بيروت ) .

ولسنا بصدد تاريخ للفرقة الموده من أتباع يسوع ولا نزعم أن الفرقة البيونية هي حصراً التي هاجرت إلى الجزيرة العربية واستقرت أو شيعة منها في مكة حتى ظهور الإسلام ، ولكن الحقيقة المؤكدة أن هناك فرقة أو فرق من اليهود الذين تنصروا وتمسكوا بتعاليم صحيحة له وأوذوا واضطهدوا من أجل ذلك ففرت إلى الحجاز وظلت على عقيدتها وتبشر بها وتتعامى عن خصومها وأعدائها ولا تعترف إلا بإنجيل واحد ، ولعزلتها في وسط وغرب الجزيرة انعزلت وانقطعت صلتها بباقي الفرق والطوائف المسيحية ولم يعد لها بما كان يجري في مسيرة المسيحية خارج الحجاز أو الجزيرة وظلت على هذه العزلة تجتر تلك التعاليم الأولى التي أحضرتها معها من فلسطين وبقيت على هذا المنوال وعلى هذه الصورة حتى أعلن النبي محمد ديانته .. ولكن الذي لا شك فيه أن ذلك كان موافقة تاريخية بكل المقاييس لأن تلك الفرقة كانت موحدة تنادي بالتوحيد وتلح عليه وكانت كل الظروف في تلك الآونة تطلب التوحيد بل وتنقب عليه بمعنى أنه ولو كانت تلك الفرقة مثلثة أي تؤمن بالتثليث وتبشر به وتنبذ التوحيد وترفضه وتعاديه ، لحدث تنافر بينها وبين تلك اللحظة التاريخية التي كانت تمر بها الجزيرة العربية .ومن هذا المنطق ـ منطلق التوافق ـ بين دعوة تلك الفرقة أو الفرق وبين موجبات التوحيد السائدة على كل الأصعدة ، تبرز القيمة الحقيقية لوجودها آنذاك .


قبائل كبيرة تــفشت فيها النصرانية



انتشرت المسيحية في شبه الجزيرة العربية عموماً وفي الحجاز خصوصاً ومما يدل على ذلك أن عدداً من القبائل الكبيرة اعتنقت غالبية أفرادها تلك الديانة ، نذكر فيها على سبيل المثال ثلاثاً .



أولاً : إياد



يبدو أن ديانة المسيح كانت متمكنة من هذه القبيلة ، ويظهر ذلك من قيامها بدور بارز فيما سمي في التاريخ الإسلامي بـ " حروب الردة " ونحن نعتقد أنه جانب من أهم الجوانب التي غفل عنها المؤرخون وهم يعددون الأسباب التي دفعت كثيراً من قبائل شبه الجزيرة العربية إلى الانتفاضة على الحكومة التي قامت في المدينة برئاسة الصديق أبى بكر رضي الله عنه بعد وفاة الرسول محمد ( ص ) أو قل أن المؤرخون تغافلوا عنها ونعني بذلك الجانب الاقتصادي والجانب العقائدي ونقصد بالأخير هو أن اعتناق القبائل للديانة المسيحية وتغلغلها في صفوف أفرادها وأن إسلامها من ثم كان ظاهرياً جعلها تتحين الفرصة للثورة على المدينة ، وقد جاء لها الفرصة عند وفاة الرسول ( ص ) . وقبيلة إياد مثل على ذلك فقد ساهمت في حروب الردة ووقفت إلى جانب جيوش الروم والفرس أثناء الفتح العربي الإسلامي لبلادها أو للبلاد التي كانت تحت سيطرتها . ولم يحدد المؤرخون الوقت الذي تحولت فيه قبيلة إياد من الشرك وعبادة الأصنام إلى المسيحية ولكنهم يطرحون العديد من الأسباب التي أدخلت النصرانية إليها ، منها اتصالها بالدولة اللخمية وانطواؤها تحت هيمنتها ، كذلك ارتحال بعض بطونها إلى مشارف بلاد الروم واتصالهم بأهلها ، فقام قسس ورهبان من الروم بالتبشير بالنصرانية بينهم ، ( والأمر المؤكد أن إياداً كانت على النصرانية وقت ظهور الإسلام ) وموطن إياد كان " تهامة " وقد عاونت " مضر " في إجلاء " جرهم "من مكة وتولت حماية البيت ثم هاجرت إلى البحرين والعراق ، ولوجودها هناك خضعت لسلطان دولة اللخمين في الحيرة التي كانت المسيحية قد انتشرت فيها منذ أن نبذ النعمان عبادة الأوثان فبنيت الكنائس والأديرة . وأصبحت في الحيرة طائفة هامة هي طائفة العباد ( د . السيد عبد العزيز سالم ، دراسات في تاريخ الإسلام ، ص284 ) ومن تلك الأديرة : دير اللج الذي بناه النعمان ودير مارت مريم ودير هند الكبرى ودير هند الصغرى ودير الجماجم وهو ينسب إلى قبيلة إياد ويفسر البلاذري في فتوح البلدان سبب هذه التسمية بأن (مالك بن محرز الإيادي قتل قوماً من الفرس ونصب الجماجم عند الدير فسمي دير الجماجم ( ودير عبد المسيح ) ( المرجع نفسه ، ص281 ) . ومن أسباب انتشار المسيحية في قبيلة إياد تنصر قس بن ساعدة أحد أبناء القبيلة وأحد خطباء العرب المعدودين ، وكانت له في سوق عكاظ خطب مأثورة يحفظها الناس عن ظهر قلب لبلاغتها ، وعلى الرغم من أن وفداً من إياد جاء إلى رسول الله ( ص ) في عام الوفود سنة 9هـ فانه من الثابت أن إيادا كانت ضالعة في حروب الردة بشكل متميز .



كما أنها قاتلت جيوش الفتح العربي في فارس والشام ، ونحن نرجع علة ذلك إلى تفشي النصرانية في صفوفها وأن الإسلام كان غطاء ظاهرياً وأنها كانت تتربص مثل بعض القبائل التي كانت دخلت دين المسيح ، وتتحين الفرص لتعود إلى دينها ، وهذه مسألة تحتاج من المؤرخين خاصة لفجر الإسلام ، مزيداً من التمحيص .



وفي سنة 11هـ انضمت قبيلة إياد إلى " سجاح " التميمية ( وكان على رأسها وتاد بن فلان وكان الإياديون يشكلون فرقة من جيش سجاح وهي مقبلة من أرض الجزيرة بالعراق ) ولم تمهد إياد بعد انكسار المرتدين ( ففي السنة الثانية عشرة من الهجرة نجد اسمها في عداد من قاتل خالد بن الوليد في " عين التمر " التي انتهت بظفر خالد بن الوليد والمسلمين على جموع العجم والنصارى ) (د . محمد إحسان النص قبيلة إياد ، ص24 ) ( وإلى جانب هؤلاء الأعاجم أقام عشير عظيم من قبائل البادية : بني تغلب والنمر وإياد يرأسهم عقبة ابن أبي عقة والهذيل ومن كان معهم على قيادة الجيوش التي نفرت مع سجاح لغزو المسلمين بالمدينة ) (د . محمد حسين هيكل ، الصديق أبو بكر ، ص221 ) وكعادته في المعارك التي تولى قيادتها خالد بن الوليد رضي الله عنه دحرهم ، ولكن إياد لم تستسلم وظلت على عدائها للإسلام والمسلمين فشاركت في قتال خالد بن الوليد وذلك في وقعة " الفراض " وهي على تخوم الشام والعراق والجزيرة فدارت الدوائر على الروم وأحلافهم ) بل أن هناك من الباحثين من يرى أن ( قبيلة إياد لم تكن من بين المنضمين للروم فحسب ، بل كانت من بين من كان يحرضهم على قتال المسلمين ) هذه الاستجابة من قبل إياد على محاربة المسلمين مرة بعد مرة مع من سموا بـ " المرتدين " وأخرى مع العجم ( الفرس ) وثالثة مع الروم دليل لا يقبل الشك على تمسكها بعقيدتها النصرانية وأن ذلك كان أحد العوامل وأن لم تكن العامل الوحيد في إصرار إياد على عداوة الدين الجديد .

وكما ذكرنا فقد كانت هناك عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية ولكنها تخرج عن نطاق بحثنا وهو انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية والحجاز وقت ظهور الإسلام .



أياً كان الأمر ، فالثابت أن المسيحية لم تكن ديناً عارضاً أو عقيدة هامشية في تلك البقاع بل على العكس فقد كانت هناك من القبائل الكبيرة ذات الثقل ممن دانت بها .



ثانيا : تميم



عرفت المسيحية طريقها إلى قبيلة تميم مثلها في ذلك مثل قبائل أخرى : تغلب وقضاعة وطيء ومذحج وغسان وربيعة ، وسبق أن ذكرنا أسباب ذلك وهناك سبب خاص بـ " تميم " ساعد على اعتناق كثير من أفرادها الديانة المسيحية وهو وجود علاقة حميمة بينها وبين مملكة الحيرة التي دان ملوكها بالدين نفسه مؤخراً ، إلى جانب ذلك بحث الإخباريون عن روابط وثيقة للغاية قامت بين زهماء قبيلة تميم وقريش ( ذكر كسترو أن تميماً لعبت دوراً كبيراً في العصر الجاهلي ، وكانت تساهم كثيراً في دعم نفوذ هذه المدينة في المجتمع القبلي لشبه الجزيرة العربية ( د. عبد الجبار العبيدي في قبيلة تميم العربية بين الجاهلية والإسلام ص31 الرسالة 37 ، الحولية 7 ، 1406هـ ، 1986 م ) . ولم تكن تلك الرابطة تقتصر على المصالح التجارية أو على " الإيلاف " بل تعدتها إلى علاقات اجتماعية تمثلت في قيام مصاهرات أسرية بين القبيلتين إذ تزوج قرشيون من تميميات وتزوج تميميون من قرشيات ، وكان ذلك منذ عهد مبكر ، فقد تزوج عبد شمس بن عبد مناف : عبلة بنت عبيد ابن جازل " التميمي " وكان أولاده وأحفاده منها يسمون " العبلات " واستمرت علاقة المصاهرة حتى بعد ظهور الإسلام إذا اصهر عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي في ابنته " أسماء " وكذلك فعل علي وجعفر ـ ابنا أبي طالب ـ ومن الجانب الآخر تزوج حنظلة بن الربيع كاتب النبي محمد ( ص ) من بنت نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ونلفت الانتباه أن الإصهار إلى قريش كان لا يتم إلا من رؤوس بني تميم وشيوخهم ، لا من عامتهم كما سبق أن ذكرنا .

علاوة على ذلك كانت هناك تداخلات سياسية بين القبيلتين الكبيرتين ، إذ بخلاف الإيلاف الذي دخلت فيه " تميم " كغيرها ، فإن فريقاً من المتنفذين من قبيلة " تميم " قبلوا كمستشارين يؤخذ رأيهم في إدارة مكة من الوجهة السياسية بل أن قريشا قلدت " تميما " وظائف على درجة كبيرة من الأهمية من الناحية الدينية ، فقد كانت وهذا على سبيل المثال وظيفة " الإفاضة " غداة النحر إلى منى في يد تميمي هو زيد بن عدوان ، واستمرت في بني تميم حتى جاء الإسلام .



فهذه القبيلة التي كانت المسيحية فيها فاشية توثقت العلاقة بينها وبين قريش من نواح عديدة : تجارية واجتماعية ودينية ، وهذا الاتصال الوثيق يجعل المسيحية وتعاليمها قريبة المنال من القرشيين .



وإذ أن تميماً من القبائل التي اتصلت بمصب الفرات وبالخليج الفارسي وكان أبناؤه ينتقلون بين شبه الجزيرة العربية وأرض العراق ، فقد كان ذلك واحداً من أسباب اعتناق كثير منهم النصرانية ، وكان ممن تنصر " سجاح " التي ادعت النبوة فيما بعد ، وهي من بني " حروب الردة " موقف سجاح تلك وموقف قبيلة تميم من تلك الحروب مع ما قلناه من اعتناق غالبية أبنائها للمسيحية وتنصر سجاح ، كل ذلك يدعونا إلى تكرار ما نادينا به من ضرورة تمحيص الباعث الديني لمثل تلك القبائل في ضلوعها في حرب حكومة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في المدينة ـ وعدم الاكتفاء بالسبب السهل " المجاني " الذي يرجع تلك الحروب إلى سبب وحيد هو امتناع تلك القبائل عن تأدية الزكاة لحكومة المدينة .



ومما يقطع بأن قبيلة " تميم " قد ضربت بسهم وافر فيما سمي بـ " حروب الردة " أن خالد بن الوليد ( لم يدع بني تميم حتى قضى في ديارهم على كل نافخ نار للفتنة أو في رمادها ) فهذه القسوة البالغة من جانب " سيف الله المسلول " والتي دفعته إلى القضاء على كل " نافخ نار " تقطع بأن مقاومة بني تميم لجيوش المسلمين كانت شديدة الصلابة ، بالغة العناد ونرجح أن سبب ذلك هو انتشار المسيحية فيها ، وهو الذي جعلهم يستميتون في الدفاع عن عقيدتهم ـ هذا بالأضافة إلى الأسباب الأخرى التي تند عن مجال بحثنا ويحدد د. محمد حسين هيكل منازل بني تميم على الوجه الآتي :



( تمتد من الشمال الشرقي لبلاد العرب حتى تتاخم خليج فارس في شرقها وهي تقع كذلك إلى شمال المدينة من الشرق ثم تنحدر حتى الجنوب الشرقي من مكة ) أي أن القبائل التي انتشرت النصرانية فيها كانت مضاربها قريبة من مكة والمدينة " الحجاز " ثم تمتد حتى التخوم وأن علاقات حميمة وروابط وثيقة انعقدت بينها وبين القرشيين .



ولعل من الأدلة التي تقوم على فشو النصرانية في قبيلة بني تميم ( قول طخيم بن الطخماء في مدحهم :

وأني وأن كانوا نصارى أحبهم ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 16:08   رقم المشاركة :5
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
Post


ثالثاً : حنيفة



إحدى القبائل التي كانت تدين بالنصرانية وقد اعتنقها وملكها هوذة ابن علي " الحنفي " وزاره آركون أسقف دمشق وتباحث معه في شأن ظهور الدين الجديد " الإسلام " وتروي بعض الأخبار أنه بعد أن وعده الرسول ( ص ) أن يقره على ما تحت يده ـ في حالة إسلامه ـ فأن جماهير بني حنيفة " النصارى " أبوا عليه ذلك ، وهددوا بخلعه إن فعل . ( د. إحسان صدقي العمد ، في حركة مسليمة الكذاب ، ص32 ، الحولية العاشرة ، الرسالة الثامنة والخمسون ، 1409 ، 1410 هـ ، 1981 ، 1982 م حوليات كليات الآداب ، جامعة الكويت ) . ويبالغ " ليال " إذ يقول : " أن بني حنيفة على بكرة أبيهم كانوا نصارى " وإذ إن مضاربهم كانت في اليمامة في أواسط نجد شمال شرق الجزيرة العربية ، فان الأمر المؤكد أنه كانت توجد في تلك الأنحاء أديرة يسكنها عدد من الرهبان النصارى مما يقطع بوجود مسيحي في اليمامة ، وما هو جدير بالذكر أن بني حنيفة كانوا يسكنون الحجاز وغادروها عقب البسوس في منتصف القرن السادس الميلادي ( المرجع نفسه " حركة مسليمة الكذاب " ص28 ) ومعلوم أن مسليمة الكذاب الذي ادعى النبوة كان من بني حنيفة وكان يقول : " أن له نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا لا يعدلون ) ( د . محمد حسين هيكل في الصديق أبو بكر ، ص75 ) . ودور بني حنيفة فيما عرف بـ " حروب الردة " مشهور وقد قاتلوا المسلمين قتالا مريرا حتى أن عكرمة بن أبي جهل رغم جسارته وقرشيته انهزم أمامهم هزيمة منكرة ( وجاء النصر على يد خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد شدائد وأهوال في موقعة " حديقة الموت " واستشهاد مئات المسلمين منهم تسعة وثلاثين من كبار الصحابة والقراء " حفظة القرآن " ) ( المرجع نفسه،ص19 ) .



أن الدفاع المستميت والقتال الشرس من جانب بني حنيفة للمسلمين فيما عرف بـ " حرب الردة " له أسباب اقتصادية إذ أن " حنيفة " كانت مضاربها في واحات خصيبة تغل محصولات زراعية متنوعة ، وكان شطر من أبنائها يعملون في الزراعة وكانت منطقتهم مشهورة بإنتاج القمح " الحنطة " . وأحرى اجتماعية إذ كانت التركيبة الاجتماعية لديهم تختلف عن باقي القبائل لكن بداهة يجيء في مقدمة تلك الأسباب : السبب العقائدي ونعني به إيمان غالبية أناء تلك القبيلة بالمسيحية ـ وهذا ينطبق بدوره على سائر القبائل التي اعتنقت هذه الديانة وخاصة القبائل الثلاث التي ذكرناها في هذا الفصل .



ويرى برهان الدين دلو أن المسيحية ( تسربت إلى اليمامة وهي إحدى الواحات الشهيرة بتقدم زراعتها ورقي صناعتها وتحضر سكانها وكان معظم أهل اليمامة قبيل الإسلام من بني حنيفة الذين اعتنق بعضهم المسيحية ) ( برهان الدين دلو ، في جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الثاني ، ص225 ) .















الصابئة

أولاً : الصابئون



فرقة دينية قديمة ـ سوف نرى فيما بعد لها فرعين - ذات معتقدات يشوبها قدر من الغموض والتعقيد . أما عن قدمها : فيزعم بعض أتباعها أنهم يعتنقون ملة النبي نوح عليه السلام بل وتعاليم النبي أدريس عليه السلام وغيرهم يرى أن اسمهم يرجع إلى اسم صابئ بن لامك أخي نوح .



ولسنا بصدد التأريخ لها وشرح عقائدها إلا بالقدر الذي يتصل بجوهر كتابنا ونعني به تبين العوامل الفاعلة في التوحيد الذي ساهم في تحول قريش من قبيلة هاشمية تسكن جبال مكة وأطرافها إلى دولة مركزية تحكم الجزيرة العربية كلها ثم الإمبراطورية الواسعة التي عرفها التاريخ .



* * * *



احتدم الخلاف بين اللغويين والباحثين والمؤرخين والمفسرين والدارسين في حقل الملل والنحل والفرق سواء بين الإسلاميين والإسلاميين أو بين الإسلاميين والغربيين حول الصابئة أو الصابئين حتى هذين الاسمين لم يفلتا من الاختلاف ، فالبعض يرى أنهما يدلان على مسمى واحد وأنه لا فرق بين الصابئة والصابئين ، والبعض الآخر يذهب إلى أنهما متمايزان وأن الصابئة فرقة والصابئين فرقة أخرى .



والاختلاف بدأ مبكراً بخصوص أصل الاسم أوجذره أو مأخذه فهناك من يرى أن " صبأ " معناه ظهر وطلع كما تطلع النجوم أو تظهر ( تاج العروس من جواهر القاموس ، الزبيدي ، والقاموس المحيط ، الفيروز آيادي ، والمعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية ) .



ومنهم من يذهب إلى أن " صبأ " يصبو : إذا نزع واشتاق أو فعل فعل الصبيان أو صبا إذا عشق " (معجم القرآن الكريم ، إعداد مجمع اللغة العربية نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب ) .

فهنا نرى أن جذر الكلمة "صبأ " قد تراوح ما بين :

ـ طلع أو ظهر

ـ نزع أو اشتاق

ـ فعل فعل الصبيان

ـ عشق

ولكنها جميعاً تدل على : الظهور والبزوغ والتحول من حال إلى حال .



هناك شبه إجماع بين البحاث العرب المسلمين على أن معنى صبأ الرجل : خرج من دينه الذي هو عليه إلى دين آخر .

ومن هنا كان يقال عن النبي محمد ( ص ) " الصابئ " هكذا كانت تسمية العرب وقريش وهذه المصادر الثلاثة التي أوردناها على سبيل المثال تعلل ذلك بقولها :

أن النبي ( ص ) ترك دين قبيلته قريش إلى دين الإسلام فهو قد صبأ .

وهو تعليل جرى عليه السلف ةلكن ليس هناك ما يمنع عقلا أن يكون هناك تعليل أخير .



******



أما عن الدارسيين الغربيين فهم طالهم الاختلاف حول جذر الكلمة أو مأخذها وأتى كل واحد منهم بتفسير فمنهم من يرجع كلمة ( صبأ ) إلى الكلمة العبرية ( صبغ ) أي غمس أو غطس أو أغمد ...

وبذلك يكونون هم " المعمدون " الذين يباشرون طقس ( التعميد ) بواسطة الغطس .



وهنا نورد معلومة قد تلقي مزيداً من الضوء على الرأي الذي يذهب إلى أن معتقدات الصابئة ترجع في الأصل إلى مصر القديمة ، فالتعميد بالغطس كان طقساً مصرياً قديماً في بعض الأقاليم إذ كان المولود في الأسبوع الأول من ولادته يعمد بـ ( تغطيسه ) في نهر النيل المقدس أو حابي وما زالت هذه العادة سارية في بعض القرى في النوبة في أسوان إذ تقوم النسوان فيها بممارسة هذا الطقس مع مواليدهن .



أما الفريق الآخر من الدارسين الغربيين فهو يذهب إلى أن كلمة " صابئة " ربما تكون مشتقة من الكلمة المصرية القديمة ( سب ) التي تعني ( الحكمة ) و ( النجوم ) وربما تكون هذه الكلمة المصرية هي أصل الكلمة اليونانية ( سوفيا ) أو ( الحكمة ) وربما ولكن بقدر مشكوك فيه تكون هي أصل كلمة ( الصوفية ).

ولسنا في حاجة لأن نذكر أن هذا التفسير يؤيد المذهب الذي يرجع معتقدات الصابئة إلى مصر القديمة وسوف نرى أن النبي إدريس عليه السلام يرجح البعض أن ولادته كانت في مصر أو على الأقل إقامته فيها ردحاً من عمره ، وسبق أن قلنا أن بعض الصابئون يزعمون أنهم على دين ادريس عليه السلام ولو أن البحاث الإسلاميين يكذبونهم في ذلك .



وإذا كان هذا هو قدر الاختلاف حول مأخذ كلمة الصابئة سواء فيما بين الإسلاميين أو بين الغربيين ( الفرنجة ) فأن الاختلاف حول أصل عقائد الصابئين أشد :



( الصابئون يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وهم قوم يزعمون أنهم على ملة نوح ) (المعجم الوسيط ) وأيضاً ( … ويزعمون ) أنهم على دين نوح عليه السلام بكذبهم وفي التهذيب عن الليث كذلك أما في الروض فهم منسوبون إلى ( صابئ بن لامك أخي نوح عليه السلام ) (تاج العروس ، الزبيدي )



ولقد لفت نظري وأنا أبحث حول الصابئة ما ذكره الطبري في تفسيره " جامع البيان عن تأويل آي القرآن أو تفسير الطبري " حققه وراجعه الإخوان محمود وأحمد شاكر ـ المجلد الثاني ـ ص147 ـ ط2 ، 1969 م ـ دار المعارف بمصر . ومن المفسرين من اقتصر على بيان دين الصابئة بقوله :



هم قوم عدلوا عن دين اليهودية أو النصرانية وعبدوا الملائكة ) ( الزمخشري ، في الكشاف ، الجزء الأول عند تفسير آية البقرة التي ورد بها ذكر الصابئين) .

وللإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رأي جرئ في خصوصية عبادة الصابئة للكواكب لا يسعنا إلا إيراده : [أما الصابئات فقد قال أبو حنيفة يجوز للمسلم أن يتزوج بهن وقال أبو يوسف ومحمد ( الصاحبان ) لا يجوز وسبب الخلاف أن أبا حنيفة يرى أنهم قوم يؤمنون بكتاب ويقرون بنبي ولا يعبدون الكواكب بل يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في أنهم يستقبلونها عند صلاتهم وهذا لا يمنع التزاوج من نسائهم ] (أحكام الزواج والطلاق في الإسلام ، للشيخ بدران أبو العينين بدران ، كلية الحقوق بالقاهرة ، ص99 ، ط2، 1961 ، مطبعة دار التأليف بمصر ، وكذلك كتاب الأحكام الإسلامية في الأحوال الشخصية ، للشيخ محمد ذكريا البرديسي ، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية حقوق القاهرة ، ص167 ـ 168 ، ط3 ، 1966 ،1967 الناشر دار النهضة العربية بمصر . )



ومعلوم أن أبا حنيفة عاش في العراق حيث كانت هناك فرقة من الصابئة فرأيه إذن على قدر من الأهمية لأنه نفى عنهم عبادة الكواكب وأكد أنهم يعظمونها وقارن بين تعظيمها للكواكب وتعظيم المسلمين الكعبة وهي لفتة ذكية ولا غرو فقد اشتهر شيخ الأحناف بالذكاء وسرعة البديهة .



وسوف نتناول فيما بعد حكم الفقه في الصابئة ولكننا استبقنا ذلك لأن رأي الإمام الأعظم يدخل في تقييم عقيدة الصابئة .



أما الطبري فيورد في تفسيره : [ كما نقل : أنهم فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور ] ( تفسير الطبري عند تفسيره لآية سورة البقرة السابق ذكرها ـ نقلا عن معجم ألفاظ القرآن الكريم ) وعن مجاهد والحسن : هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، وعن قتادة : قوم عابدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات .



وقيل وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب .. وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام ) (غرائب القرآن ، النيسابوري عند تفسيره الآية / 62 من سورة البقرة )



أما قول مجاهد والحسن أنهم طائفة من اليهود والمجوس فيشوبه الغموض فهل هؤلاء ( الصابئة ) كانوا في الأصيل يهوداً ثم صبأوا ومجوساً ثم صبأوا وما أهمية ذكر الدين السابق إذا العبرة أنهم في نهاية المطاف تحولوا إلى صابئة .أما أنهم كانوا مجوساً ثم تهودوا ثم صبأوا !!!



والمعلومة التي ذكرها قتادة أنهم يصلون كل يوم خمس مرات للشمس فهي علي درجة كبيرة من الأهمية ويكاد يكون قتادة قد انفرد بها .

أما تعليله أن هذه الصلوات الخمس هي للشمس فنحن لا نوافق عليه خاصة وأن قبلتهم لم تكن نحو الشمس كما سنذكر فيما بعد .

ونذهب إلى أن علة ذلك يرجع إلى أن الصابئة كانوا يعبدون الكواكب أو يعظمونها وإذ أن الكواكب السيارات هي خمس : المشترى والزهرة وزحل وعطارد والمريخ فيغدو المجموع خمس صلوات لأنهم يتوجهون لكل واحد منهم بصلاة .

وهناك من يؤكد أنهم ينتهون بعقائدهم إلى غاذيمون وهو شيث بن آدم وهرمس وهو أدريس النبي عليه السلام وقالت فرقة منهم أن إدريس وهو هرمس ولد بـ ( منف ) وسموه هرمس الهرامسة أو مثلث الحكمة وباليونانية آرمسيس أي عطارد وعند العبرانيين أخنوخ وقالت فرقة أخرى أن إدريس ولد ببابل وانتقل إلى مصر وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم وأن الله أفهمه سر الفلك وعدد السنين والحساب وأنه أول من نظر في الطب وتكلم فيه ( هامش ص109 من الجزء الثاني من كتاب الملل والنحل للشهرستاني وهو التعليق بقلم الشيخ أحمد فهمي محمد المحامي الشرعي الذي صحح " الملل " وعلق عليه .)



ولا شك أن مصحح كتاب " الملل " قد نقل ذلك من كتاب التفاسير ( تفاسير القرآن ) التي نقلت بدورها بشأن إدريس كثيراً من الأساطير التي وردت في ( التوراة ) بشأن ( أخنوخ ) في حين أن المسلم يلتزم في شأنه بما ورد في القرآن الكريم أما الأساطير التي تعج بها التوراة فهو في غنى عنها ( انظر تعليق أ . محمد فريد وجدي على مادة إدريس التي وردت في دائرة المعارف الإسلامية ، ص484 ـ 485 من المجلد الثاني دائرة المعارف الإسلامية، إعداد وتحرير إبراهيم ذكي خورشيد وآخرين ، ط1، 1969 ، دار الشعب بمصر ) .



وبعيداً عن الأساطير فإن تأثر الصابئة بأحد أسلافهم سواء أكان اسمه إدريس أو أخنوخ أو هرمس عاش في مصر وتعلم من كهنتها الحكمة والطب . وسر الفلك أمر يقوم شاهداً على احتواء عقائد الصابئة على وشائج حميمة بالكواكب بلغت درجة العبادة ( أو التعظيم ) وعلم القدماء المصريين في الفلك والطب لا يماري فيه أحد وقد استطردنا قليلاً في هذه الجزئية للتأكيد على أن من يذهب إلى أن عقائد الصابئة تؤوب في مصادرها الأولى إلى مصر القديمة لم يخطئ .



_*



وتوسع الشهرستاني - ربما بعكس غيره - من الإسلاميين الذين تكلموا في ( الملل والنحل ) في شرح عقائد الصابئة فقال أنهم يقفون في مقابل الحنيفية وأنهم يقرون بأن للعالم صانعاً فاطراً حكيماً مقدساً عن الحدوث ويعجز البشر عن الوصول إليه وأنما يكون التقرب إليه بالوساطات المقربين وهم ( الروحانيون ) المقدسون ومنهم شيث بن آدم وإدريس .



وأن أحوال هؤلاء الروحانيين من الروح والريحان .. الخ ومنهم الساجد والراكع والقائم والساكن والمتحرك ومنهم كروبيون في عالم القبض وروحانيون في عالم البسط وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( الملل والنحل ، الشهرستاني ، ت548 هـ ، صححه وعلق عليه الأستاذ الشيخ أحمد فهمي محمد المحامي الشرعي ، ص108 وما بعدها ، الجزء الثاني ، ط1 ، 1467 هـ ، نشرته مكتبة الحسين التجارية بمصر ) .



ولعل وصف هؤلاء الروحانيين يذكر بأوصاف الملائكة في الإسلام ( والملائكة الكروبيون أقرب الملائكة إلى حملة العرش ،وقال أبو العالية : الكروبيون سادة الملائكة منهم : جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم المقربون ( هامش ص116 من المصدر نفسه ) .



بل كان العرب قبل الإسلام الجاهلية يعرفون الملائكة الكروبيين يقول أمية بن أبي الصلت : ملائكة لا يفترون عبادة .. كروبية منهم ركوع وسجد ( المرجع السابق ) . وسنذكر فيما بعد أن من تأثير الصابئة في عملية التوحيد تجذير عملية الوساطة ولكن حل الملائكة عند عرب ما قبل البعثة المحمدية محل الروحانيين وتهيئة الأذهان لقبول الأوصاف الروحية التقديسية للملائكة ..وكيف أن عقيدة الوساطة تحولت إلى الشفاعة ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه ) الآية 355 من سورة البقرة .



أما عن طقوسهم العبادية :

أنهم يصلون خمس صلوات في رأي قتادة وثلاث في رأي غيره ـ وقد رجحنا رأي قتادة وأن لم نأخذ بتعليله وطرحنا التعليل الأصح حسب اجتهادنا .

أما قبلتهم في صلاتهم ( نحو مهب الحنوب ) ( تاج العروس ، الزبيدي ) وفي الصحاح :

قبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار .

وفي التهذيب : أن قبلتهم نحو مهب الجنوب .

المصدر نفسه : وقبلتهم مهب الشمال عند منتصف النهار ( المعجم الوسيط ) ومن مسلكهم :

التضرع والابتهال بالدعوات وإقامة الصلوات وكذلك الزكوات والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب القرابين والذبائح يضاف إلى ذلك أنهم عرفوا الوضوء فقد ( كانوا يطهرون أنفسهم بالوضوء عند الاتصال الجنسي وأنهم كانوا يحرمون لحوم الخنزير والكلاب والطيور ذات المخالب .. وأنهم كانوا يبيحون الطلاق أو يجيزونه ) ( First Encyclopedia of Islam )



وهذه الفروض العبادية قد تسربت إلى الأديان الأخرى ، ولعل فريضة الصيام هي أشدها لفتا للانتباه لأنها امتناع عن المطعومات والمشروبات في حين أنها في اليهودية والمسيحية امتناع عن أنواع مخصومة من الطعام في أوقات معينة .

وسبق أن تكلمنا عن شعيرة " التعميد " بالغطس أو الغمس في الماء وفي رأينا أنه طقس من طقوس الانتقال أكثر مما هو طقس عبادي أو شعائري ( معجم العلوم الاجتماعية ، أشرف على تحريره د.إبراهيم مدكور ، ط1 ، 1975 الهيئة العامة المصرية للكتاب ) .



وليس ثمة ما يمنع أن يوحنا المعمدان تلقفه منهم وعنه أخذته المسيحية مع تغيير في الأداء ونذكر بما قلناه أنه في الأساس مأخوذ من مصر القديمة .



ولعل طقس التعميد هذا هو الذي حسم الفرق بين الفرقة التي تدخل في زمرة أهل الكتاب وتسمى الصباة أو الصابئة وهم الماندرائيون وهي فرقة يهودية مسيحية تمارس طقس التعميد وموطنها فيما بين النهرين .

أما الصابئون فهم الحرانيون نسبة إلى حران وهم وثنيون وهم الذين عاشوا شطراً من الزمن تحت ظلال الإسلام .

وهم متأثرون بالثقافة الهللينية وإليهم ينسب عدد من المدرسين المشهورين في الثقافة الإسلامية مثل ثابت بن قره وجابر بن حيان .



ولا يعنينا ما تقوله المصادر الغربية في شأن معاملة حكام المسلمين للصابئين أو الصباة التي تتراوح بين الرعاية والاضطهاد لأنها تند عن موضوع درسناه .

ولقد ذكر ابن النديم هؤلاء الحرانيين باسم ( الحرنانية الكلدانيين المعروفين بـ الصابئة ) وأورد طرفاً من عبادتهم وطقوسهم العبادية فقال ( المفترض عليهم من صلاة في كل يوم ثلاثة … لموضع الأوتاد الثلاثة التي هي : وتد المشرق ووتد السماء ووتد المغرب ، في صلاتهم ركعات وسجدات . وفي صلواتهم : فروض ونوافل . ولا صلاة لهم إلا على طهور . والمفترض عليهم من الصيام ثلاثون يوماً ولهم أعياد منها : عيد ( فطر السبعة ) و ( فطر الشهر ) و ( عيد الميلاد ) وهو في ثلاثة وعشرين من كانون .



ولهم قربان ( ضحية ) يتقربون به وإنما يذبحون للكواكب ويذبحون للقربان ( الأضحية ) : الذكور منهم المعز والضان وسائر ذوات الأربع مما ليس له أسنان في اللحيين جميعاً ومن الطير : غير الحمام مما لا مخلب له . والذبيحة عندهم ما قطع الأوداج والحلقوم والتذكية متصلة بالذبيحة لا انفصال بينهما . ولا ذبيحة إلا لما له رئة ودم . وقد نهوا عن أكل الجزور وما لم يذك وكل ما له أسنان في اللحيين جميعا : كالخنزير والكلب والحمار .ومن الطير غير الحمام وما له مخلب . ومن النبات غير الباقلي والثوم ويتركون الاختتان . ويتزوجون بشهود . لا من قريب القرابة ـ ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة ولا يراجع المطلق ولا يجمع بين امرأتين ولا يطأ إلا لطلب الولد . وفي الميراث : فريضة الذكر مثل الأنثى ( الفهرست لابن النديم د. ت . ن . الناشر دار المعرفة ، بيروت )



أن كثير من هذه الطقوس والشعائر قد انتقلت أم بحذافيرها أو ببعض التعديلات لغيرها من الأديان.

ولكن يظل سؤال هو :



هذه الطقوس والشعائر كانت سائدة لدى الحرانيين الصابئة في وقت كتابة ابن النديم للفهرست أي في القرن الرابع الهجري ؟ فهل هي نفسها التي كانت موجودة لدى الصابئة أو الصابئين وقت أن كانت قريش تعمل على السيطرة على مقدرات الجزيرة العربية ؟



أنني من ناحيتي أرجح ذلك لأن الطقوس والشعائر من سماتها الرئيسية الدوم والاستمرار وترثها الأجيال بعضها عن بعض كما هي .



وقد ذكر القرآن الكريم الصابئين في ثلاثة مواضع :

الآية 62 / من سورة البقرة

الآية 69 / من سورة المائدة

الآية 17 / من سورة الحج



وفي المرات الثلاث قرنهم باليهود والنصارى وهناك ملحظ لا يخفي على التأمل الذي يقرأ بعين مفتوحة وعقل يقظ وهى أنة في آيتي المائدة والحج قدم الصابئين علي النصارى وهما تاليتان في المصحف لسورة البقرة فهل هذا مرجعة إلي تقييم أو وزن العقائد في كلتا الديانتين أم مردة لمدي الانفتاح علي كل منهما . وسبق أن ذكرنا أن الصابئين يصلون خمس مرات في اليوم وأن صيامهم كف عن تناول المطعومات والمشروبات لمدة ثلاثين يوماً وأنهم يتوضأون ويتضرعون ويقدمون الأضاحي ويؤدون الزكاة ويحرمون الخنزير ويجيزون الطلاق ... الخ فهل كان لذلك أثر في تقديم ذكر الصابئين على النصارى في السورتين التاليتين ( في ترتيب المصحف ) لسورة البقرة ... ومن نافلة القول أن نذكر أن ما يجئ في الذكر الحكيم محسوب بدقة بالغة وبعناية شديدة فلا يقال أن تقديم الصابئة على النصارى في السورتين المتأخرين قد جاء اعتباطاً ـ

تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .



ولكن ما هي الفرقة التي جاء ذكرها في القرآن العظيم في السور الثلاث التي أوردناها ؟



الباحثون الإسلاميون لم يقدموا إجابة مباشرة عن هذا السؤال ـ ولكن يمكن الاهتداء إليها من خلال ما كتبوه أي ما بين السطور :



عندما يرى أكثر الفقهاء أن الصابئة كحكم النصارى في الذبيحة والنكاح والجزية ( كتاب الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم ، أبي منصور عبد الله البغدادي المتوفي 429 هـ ، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ، ص215 ، ( د . ت . ن . ) مؤسسة الحلبي بمصر ) فإن مفاد ذلك أن القرآن الكريم قد عنى الفرقة التي ترى أن الخالق صانع حكيم منزه عن الحوادث تؤمن بحدوث العالم حتى وأن وقع خلاف معها في صفات الصانع وأن عظمت الكواكب لأن هذا التعظيم لا يبلغ رتبة العبادة وشأنه شأن تعظيم المسلمين الكعبة فلم يقل أحدهم أنهم يعبدونها ومن غير المعقول أن يكون القرآن قد قصد الفرقة الوثنية التي تعبد الكواكب .



وقد اختلف شيخ الأحناف أبو حنيفة مع تلميذيه الأثيرين أبي سيف ومحمد الصاحبين في شأن الصابئين فالأمام الأعظم ذهب إلى حلية نكاح نسوانهم أي معاملتهم معاملة أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين في حين أن الصاحبين يحرمان على المسلمين التزوج من الصابئات ...الخ .

ومرد الخلاف هو تفسير موقف الصابئة من مسألة الألوهية فإن كانوا يعترفون بالصانع المبدع فيعاملون كاليهود والنصارى أما إذا كانوا يعبدون الكواكب فيعاملون معاملة المشركين .

وذهب رأس الحنيفية إلى أبعد من هذا فقد قال أنهم يؤمنون بكتاب ويقرون بنبي ( أحكام الزواج والطلاق في الإسلام ، للشيخ بدران والأحكام الإسلامية في الأحوال الشخصية ، للشيخ البرديسي ) ونحن نميل إلى ترجيح رأي الإمام الأعظم ودليلنا على ذلك أن القرآن المجيد في الآيات الثلاث قرن الصابئين باليهود والنصارى بل أنه في آيتي المائدة والحج قدم الصابئين على النصارى كما ذكرنا ويستحيل عقلاً أن يفعل ذلك لو كانوا وثنيين ولا يؤمنون بالصانع المبدع ومعلوم أن الخلاف او الاختلاف على صفاته ليس إنكاراً له ... ولسنا في حاجة إلى التذكير بالخلاف على صفات الباري بين فرق أهل الكلام في الإسلام .



ومن هنا نرى أن ما يذهب إليه الدارسون الغربيون ( الفرنجة ) من أن موقف القرآن الكريم من الصابئة غير معروف لا يتسم بالنظرة المتأنية إنما أطلق على وجه العجلة ( وعلى كل فمن غير المعروف من هم الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن والحقيقة المؤكدة أن عدة طوائف انتسبت إلى الاسم ومن ثم فان من المستحيل تعيين ما عناه القرآن منهم على وجه الدقة ) .

ولو أمعن الدارس النظر في الآيات الثلاث التي جاء ذكر الصابئين وخاصة في السياق الذي شمل هؤلاء والنظم الذي سلكهم لاستبان له كنه فريق الصابئة الذي عناه القرآن ـ هذا بالإضافة إلى منهج القرآن ذاته يحيل عقلا تمجيد المشركين وحشرهم في زمرة المؤمنين بل وتفضيلهم على بعض أهل الكتاب.



ولكن دارساً عربياً إسلامياً له وزنه توقف عند الصابئة الذين ذكرهن القرآن ولم يقطع فيهم برأي كما فعل الباحثون الغربيون أو الفرنجة ( ولكن الذي يفهم من القرآن الكريم أن الصابئة جماعة كانت على دين خاص وأنها طائفة مثل اليهود والنصارى أي أن الكلمة مصطلح ولها مدلول معين ) (الفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، د . جواد علي ، الجزء السادس ، ص702 ، الطبعة الثانية ، يناير 1978 ، دار العلم للملايين بيروت ، ومكتب النهضة بغداد ) .



وكنا نود لو أنه أفصح عن رأيه وحدد الفرقة الصابئة التي ذكرها القرآن ويشرح لنا مدلول المصطلح ! ثم يعيب على المفسرين أن تعريفهم للصابئة أو تقييد لهم ( أنما تكون عندهم في الإسلام وبعد وقوفهم على أحوال الصابئة واتصالهم بهم ) ( الفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام المرجع السابق ص702) .

ولا ندري كيف كان يتأتى للمفسرين معرفة الصابئة وفرزهم وتصنيفهم دون الاتصال بهم ثم الوقوف على أحوالهم !



* * * *



وأهمية تحديد الفرقة الواردة في القرآن يساعد على معرفة مدى تأثيرها في دفع عجلة التوحيد إلى الأمام ، ولا يقتصر ذلك على البصمات التي تركتها تعاليم ومناسك الصابئة على غيرها فحسب بل قبل ذلك الدور الذي لعبته الصابئة كبوتقة ساعدت على صهر مختلف العقائد التي تؤمن بالإله في نهاية المطاف ولو كانت طريقة الوصول إليه تتم عبر بوابة ( الروحانيين ) أو ( الملائكة ) أو ( الشفعاء ) أو ( عزير ) أو يسوع )..الخ . فما دمت تؤمن بالصانع فأنت تدخل في زمرة المؤمنين حتى ولو كنت ترى أنه لا يتوصل إليه إلا بوسيلة الشفعاء .. الخ فهذا التسامح كان عاملاً فعالاً في التأليف والتوحيد وهذا ما لا حظه أحد البحاث الفرنجة ( الغربيين ) [ أن تصورات ( مفاهيم ) الصابئة أو أفكارهم مفتوحة الباب للتسامح مع أي دين يتبين بطريقة صحيحة أنه يؤدي إلى عبادة الله ] ( The concise Book of Encyclopedia of Islam) .



وإذا كان دور اليهودية والمسيحية تمثل في إثراء الخطاب الديني لدى عرب ما قبل الإسلام والتعريف بمفردات ومصطلحات كانت مجهولة لديهم وفي غرس فكرة النبي المنتظر في وجدانهم قبل عقولهم ـ فأن دور الصابئة تمثل في تصوير التوحيد كمعنى شامل لا يتقيد بألفاظ أو تراكيب أو صيغ ضيقة فما دام القصد هو الإيمان بالصانع المبدع فأن الوسائط تغدو ثانوية وهو ما يساعد على لم الشمل الذي كان خطوة واسعة في طريق التوحيد .



* * * *



وفكرة الشفاعة عن طريق الملائكة أو غيرها كانت شائعة لدى عرب ما قبل ظهور الإسلام ، فقبولها منهم ـ كما ترى ذلك الصابئة تولف قلوبهم ولا تنفرهم فالصابئة لم تنظر إليها على أنها شرك بالله أو أن هؤلاء الشافعين أو الشفعاء شركاء له في ملكه ـ بل كانت تركز نظرتها على الهدف وهو عبادة الصانع المبدع .

وإذا كان الإسلام قد رفض تلك الفكرة وعدها شركاً ونسبة بنات إلى الله ... الخ فلا يعني أن تلك النظرة التسامحية لم تؤد دورها في التماسك والتقارب والامتزاج .

وكان منطلق الإسلام في الرفض هو التوحيد الخالص أي من منظور ديني ـ في حين أن قريشاً كانت بارعة في استخدام جميع العوامل الموصلة للتوحيد الذي كانت قناعتها به كاملة لتحقيق حلمها وهو السيطرة على الجزيرة العربية تحت سلطانها هي دون غيرها من القبائل .

وأخيراً يبقى سؤال أخرناه عمداً وهو : ما الدليل على وجود الصابئين في مكة أو في الحجاز وقت أن كانت قريش تخطو خطواتها الواثقة نحو حكم الجزيرة العربية ؟

ويأتي على رأس الإجابة عنه : ذكر الصابئين في القرآن ثلاث مرات فلو أنهم كان لهم حضور في تلك المنطقة لما ذكرهم .

إلا فلماذا لم يذكر القرآن الكريم : الديانة الفيدية أو الديانة البرهمية أو الديانة الجينية أو الديانة البوذية وهي لا تقل عراقة عن ديانات الصابئة وتتفوق عليها في كثير من النواحي وخاصة الروحية والخلقية .

أنه لم يذكرها لأنها لم تكن معروفة في بلاد العرب وقت ظهور الإسلام .

إذن باختصار ذكر الصابئة في القرآن الكريم دليل لا يقبل النقض على وجودها في بلاد العرب عامة والحجاز خاصة .

ولقد رجح بل أكد كثير من الباحثين وجود " الصابئة " هناك .

وأنهم كانوا يملون حضوراً ملموساً وقت أن أعلن محمد ( ص ) دعوته :

1 ـ ( ولا استبعد أن يكون من سكان مكة أناس كانوا من الصابئة ، جاءوا إليها تجاراً من العراق أو جاء بهم الحظ إليها حيث أوقعهم في سوق النخاسة فاشتراهم تجار مكة وجاءوا بهم إلى مدينتهم وعرفوا أنهم صابئة ) ( د . جواد علي ، مرجع سابق ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) .



2 ـ ( والوثنيون على اختلاف أربابهم واليهود والنصارى والصابئون كان يمكنهم زيارتها ( أي الكعبة أو بيت الله ) والتعبد فيها … ( أحمد إبراهيم الشريف ، ص181 ، دار الفكر العربي بمصر ، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ) .



وعندما يتناول شعيرة الحج فيقول :

( أن الذين كانوا يشهدون موسم الحج لم يكونوا قاصرين على أهل مكة أو القطر الحجازي بل منهم من يأتي من اليمن ونجد ومشارف الشام ومشارف العراق كما كان منهم إلى جانب المشركين الحنفاء والصابئة والنصارى واليهود ) ( المرجع السابق ، ص193 ) .



3 ـ [ والذي يفهم من القرآن الكريم أن الصابئة جماعة لهم دين خاص كاليهود والنصارى ومن الأرجح وجودهم في أرض العرب وفي أرض الحجاز خاصة …] ( أديان العرب قبل الإسلام ووجهها الحضاري والاجتماعي ، ص333 ، الأب جرجس داوود ، ط2 ، 1408 هـ / 1988 م ) .



4 ـ وكان في بلاد العرب وفي البلاد المجاورة صابئة ومجوس يعبدون النار ] ( محمد حسين هيكل ، ص166 ، ط11،دار المعارف بمصر ، حياة محمد ) .



5 ـ وهناك باحث آخر يرجع بوجودهم إلى زمن سحيق نسجت حوله بعض المسطورات التي لا زالت تؤمن بها وتتعبدها بعض الأمم وهو زمن إبراهيم وإسماعيل وأمه هاجر [ ويطرح افتراضا هو أن المذهب الصابئ قد استقل بمضمونه الفكري منذ رحلة إبراهيم ] ( في الفكر الديني الجاهلي ، ص131 ، د . محمد إبراهيم الفيومي ، ط1983 م ، دار المعارف بمصر ) .



وسواء صح هذا الافتراض أو لم يصح فأن الذي لا مرية فيه أن الصابئة كانت هناك عندما طفقت قريش تشد الرحال في طريقها إلى السيطرة على مقدرات جزيرة العرب وأنهم لعبوا دوراً بارزاً في دفع عجلة التوحيد الذي كان المطية التي ركبتها قريش وهي تيمم شطر هدفها المنشود أو بتعبير آخر نحو مشروعها الذي وضع أساسه قصي والذي أتم تشييده حفيده محمد بن عبد الله عليه السلام .


( 5 ) الحنيفية



ظهر في شبه الجزيرة العربية تيار ديني متميز هو " الحنيفية " وقد أطلق على معتنقيه الحنفاء ( والحنف هو الميل عن الضلال إلى الاستقامة وتحنف فلان أي تحري طريق الاستقامة وسمت العرب كل من حج أو اختتن حنيفاً تنبيهاً أنه على دين إبراهيم عليه السلام ) ( أبو القاسم حسين بن محمد المعروف بـ الراغب الأصفهاني ، المفردات في غريب القرآن ، تحقيق محمد سيد كيلاني " مادة حنف " ، ط1381 هـ / 1961م ، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ) .



لفظة " حنف " عرفتها اللغات التي كانت سائدة في تلك المنطقة آنذاك ( وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن اللفظة من أصل عبراني هو " تحنيوث " أو من " حنف " ومعناها " التحنث " في العربية والسريان يطلقون لفظة " حنيفية " على " الصابئة " وقد وردت لفظة " حنف " في النصوص العربية الجنوبية بمعنى " صبأ " أي مال بشيء ما .. فاللفظة إذن من الألفاظ المعروفة عند العرب الجنوبيين ) (د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء السادس ، ص543 ) ، كما تحدث القرآن الكريم عن الحنفاء وقد وردت لفظة " حنيفا " في 10 مواضع من القرآن الكريم ولفظة " حنفاء " في موضعين منه وبعض الآيات التي وردت فيها آيات مكية وبعضها آيات مدنية ) ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص451 ) .



رغم أهمية حركة " الحنيفية " وخطورتها فأنها في رأينا لم تنل حظها من الدراسة والتمحيص الجادين المستقصيين من قبل الباحثين المحدثين ، وترجع أهميتها إلى أنها كانت حلقة في مرحلة الانتقال من مرحلة ما قبل الإسلام إلى الإسلام ) ( عز الدين كشار ، اليمن دنيا ودين ، ص124 ، ط1 ، 1988م ، دار الهمداني ، عدن ) .

لم يكن تنامي حركة الحنيفية وانتشارها واعتناق العديد من الحكماء والعقلاء والمتنورين والشعراء لها قبيل البعثة المحمدية أمراً اعتباطياً أو مستغرباً بل كانت تحتمه موجبات ذلك المجتمع فـ ( منطق التاريخ نفسه يدعونا إلى رؤية ظاهرة الحنفاء كواقع حتمي تقتضيه طبيعة التغيرات التي كانت تحدث في مجتمع الجاهلية خلال القرن السادس الميلادي على طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص312 ، ط4 ، 1981 م ، دار الفارابي بيروت ـ لبنان ) .

ويشرح لنا برهان الدين دلو المتغيرات التي طالت مجتمع ما قبل ظهور الإسلام ، والتي أدت إلى ذيوع الحنيفية بقوله ( تطورت القوى المنتجة وتوسعت أعمال الري الاصطناعي وازداد الإنتاج الزراعي وارتبط الإنتاج الصناعي بسوق التبادل ونمت المدن وتحولت العديد من القرى إلى حواضر مدنية.. ونظمت الأسواق الموسمية العامة … ونشطت التجارة الداخلية والخارجية فازداد العرب تقارباً . وأدى نشاط التجارة واتساع عمليات التبادل في نشر التعامل النقدي داخل المجتمع القبلي مما سارع في تفككه … وتفكك رابطة الدم والنسب بين أبناء القبيلة ونما التيقظ القومي متمثلاً في ظهور الأحباش في اليمن عام 575 م وبانتصار العرب على الفرس في موقعة " ذي قار " عام 609 م … وعلى الصعيد الثقافي انصهرت اللهجات وتوحدت في لهجة مشتركة " لهجة قريش " التي أصبحت لغة التعبير الفني ولغة التعامل المشترك بين مختلف القبائل أثناء انعقاد المواسم العامة التجارية والدينية و الأدبية … وقد ساعد إلى جانب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وجود اليهودية والنصرانية في تغيير الوعي الديني باتجاه النظر التجريدي نحو مشكلة الوجود متجاوزاً النظرة الحسية في خلق " ظاهرة الحنفاء " (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الثاني ، ص237 ، 238 ، ط1 ، 1989م ، دار الفارابي بيروت ، لبنان ) ويرى الباحث أن " ظاهرة الأحناف " ( كانت بداية الإرهاص الفعلي لظهور دعوة الإسلام ) (المرجع نفسه والصفحة نفسها ) .



أما الباحثون المثاليون فيذهبون وجهة أخرى هي أن هؤلاء الحنيفية بما امتازوا به من رجاحة عقل وسعة أفق وسمو في الخلق وثقافة أعلى نسبياً من نظرائهم في ذلك المجتمع ( أنفوا من عبادة الأصنام ودعوا إلى التوحيد ) ( د / السيد عبد العزيز سالم ، دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص436 د. ت. ، مؤسسة الشباب الجامعة ، الإسكندرية ) .



ويصف جواد على الحنفاء بأنهم ( جماعة سخرت من عبادة الأصنام وثارت عليها وعلى المثل الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك الزمن ) ( د . جواد علي ، المرجع السابق ، ص462 ) ، ويرى البعض من أصحاب النظرة المثالية في تفسير التاريخ أن عرب ما قبل ظهور الإسلام أخذوا يفكرون في عدم جدوى الأصنام وعبث التعبد لها ، وأنها غير ذات نفع لهم ، ويضربون على ذلك أمثلة منها : موقف امرئ القيس الشاعر المشهور من " ذي الخلصة " وهو صنم كانت تعظمه العرب ، عندما أراد الغارة على بني أسد آخذاً بثأر أبيه فخرج له قدح الناهي فكسر القداح وضرب بها وجه الصنم وقال في ذلك شعراً ، وموقف أعرابي من صنم آخر يقال له " سعد " ذهب إليه ومعه إبله لنوال البركة فنفرت منه الإبل وتفرقت في كل وجه ، فتناول حجرا ورمى به الصنم وأنشد بعض أبيات الشعر يسخر فيها من الصنم " سعد " ( د . محمد إبراهيم الفيومي ، الفكر الديني الجاهلي ، ص451 ،ط1983 م ، دار المعارف بمصر ) وأن هذا كله كان مدعاة إلى ظهور وانتشار " الحنيفية " بحثاً عن دين جديد يكون أكثر عقلانية .



وفي رأينا أن أصحاب النظرتين المادية والمثالية قد غالوا في مذهبهم ، إذا أننا بإزاء حركة عقائدية ، فليس من الصواب الاقتصار على التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية التي ضربت مجتمع ما قبل البعثة المحمدية ، كما أن الأسباب الأخلاقية مثل مدارك المتحنفين ، وعلو كعبهم في السلوك والاخلاق أو التعلات التعبدية أو الطقوسية مثل القناعة بعبثية عبادة الأصنام وافتقاد أي نفع من وراء ذلك ، جميعها أمور لا تكفي بذاتها لاشتداد عود الحنيفية ، ولكن الأصح أن يقال أن هذه العوامل بكاملها قد تفاعلت حتى نمت ، فأدت إلى تفشي الظاهرة وذيوعها وشيوعها في أنحاء متفرقة ، خاصة في المدن أو المراكز المتحضرة ، وليس انبثاقها أو ظهورها كما انتهى إليه عديد من الباحثين ، إنما عندما تكاملت تلك الظروف وتعاضدت معا بدأت " الحنيفية " وتتحول من " ظاهرة " خافتة الصوت إلى " حركة " لها وجود متميز تمثل في الشخصيات العديدة البارزة التي آمنت بها والمبادئ التي كانوا يدعون إليها والتي تركت بصمات واضحة على الفكر الديني الذي ساد جزيرة العرب .



من هم هؤلاء الأحناف ؟



إنهم مجموعة من الحكماء ( سمت نفوسهم عن عبادة الأوثان ولم يجنحوا إلى اليهودية أو النصرانية وإنما قالوا بوحدانية الله ) ( د . السيد عبد العزيز سالم ، دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص434 ) ، كذلك تميزوا بجانب سلوكي أخلاقي راق فرفضوا الرذائل التي تفشت في مجتمعهم مثل الزنا والمخاذنة وشرب الخمر والتعامل بالربا ووأد البنات ( كان ذلك من قبائل محدودة ) ، ولم يكتفوا بنبذ عبادة الأوثان فحسب بل امتنعوا عن الذبح لها وعن أكل ما يذبح لها ، وعن أكل الميتة والدم ، وكانوا على ثقافة عالية نسبياً ذلك أن كثيراً منهم كان يقرأ كتب الديانتين الساميتين : اليهودية والمسيحية وبعضهم كان يعرف لغة أخرى غير العربية مثل العبرية والسريانية وكانوا في الغالب على درجة من اليسر المالي الذي مكنهم من السياحة في البلاد وخاصة فلسطين والشام بحثا عن دين النبي إبراهيم عليه السلام الذي يصفه القرآن الكريم أنه كان " حنيفاً " ، ولم يكتفوا بالالتزام الذاتي بل كانوا يدعون قومهم إليها مما عرض بعضهم إلى الأذى والعنت منهم " زيد بن عمرو بن نفيل العدوي " عم " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه ( وقد كان الخطاب " أبو عمر " آذى زيدا حتى خرج إلى أعلى مكة فنزل " حراء " مقابل مكة .. وأغرى به شباب قريش وسفاءها فأخرجوه وآذوه ، كراهة أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراق ما هم عليه ) ( الشيخ أحمد فهمي ، هامش ص297 ، من كتاب الملل والنحل ، للإمام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى عام 584هـ ، صححه وعلق عليه الشيخ أحمد فهمي ، ج3 ، ط1 ، 1949 م ، مكتبة الحسين التجارية بمصر ) .



والأحناف لم يكونوا على مشرب واحد بل كانت لهم توجهات متباينة ( لذلك فنحن لا نستطيع أن نقول إن الحنيفية فرقة تتبع ديناً بالمعنى المفهوم من الدين كدين اليهودية أو النصرانية ، لها أحكام وشرعية تستمد أحكامهم من كتب منزلة مقدسة ومن وحي نزل من السماء على نحو ما يفهم من الأديان السماوية ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص458 ) ، والقاسم المشترك الذي كان يجمعهم هو رفض عبادة الأصنام ، والبحث عن دين إبراهيم الحنيف عليه السلام ، وفي سبيل البحث عن حنيفية إبراهيم عليه السلام ، ساحوا في البلاد وقابلوا كثيراً من رجال الدين : الأحبار والرهبان والقساوسة وسألوهم عن دينهم ، وعن دين الخليل إبراهيم عليه السلام ، ونظروا في أسفارهم المقدسة . وانتماء المتحنفين متميزة وعشائر موسرة هو الذي أتاح لهم فرصة التجوال في الأرض واقتناء الكتب الدينية ، وقد نسب إلى بعضهم اعتناق ديانة المسيح عليه السلام مثل قس بن ساعدة الإيادي ، وعثمان بن الحارث ( أو الحويرث ) القرشي ، ولكن غالبية الباحثين تؤكد أن المتحنفين رغم عدم تماثلهم في الرأي أو المنعقد رفضوا كلا من اليهودية والمسيحية . أما نبذهم للأولى فهو واضح لا يحتاج إلى شرح إذا أنها ديانة منغلقة وليست تبشيرية نشطة وكان هم أتباعها منحصراً في الأنشطة المالية والتجارية ، أما عدم إقبالهم على الأخرى وإعراضهم عنها فله دواع كثيرة ، منها أن المسيحية ملة معقدة مليئة بالأسرار ولا تتناسب مع العقلية العربية الساذجة البسيطة ، ومنها أنها ديانة الإمبراطورية الرومانية البيزنطية التي حاولت فرض سيطرتها على الجزيرة العربية ، بل أن القيصر عندما تنصر عثمان بن الحويرث أرسله إلى مكة ليصير ملكاً عليها ـ ومن ثم تكون تابعة له شأنها في ذلك شأن طويلة الغساسنة ولكن القرشيين رفضوه بل يقال في إحدى الروايات أنهم قتلوه وقالوا كلمتهم المشهورة :

إن قريشاً لقاح لا تملـَك ولا تـُملـَك ، هذا بالإضافة إلى زيادة الشعور القومي لديهم وهذا لا يتحقق باتباع ديانة غيرهم ، بل حتم عليهم أن يختصوا هم أنفسهم بدين مستقل ، ومن هنا جاء بحثهم الدؤوب عن " الحنيفية " دين الخليل إبراهيم عليه السلام ، الذي كانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم أنه جدهم الأعلى . ويضيف أحد الباحثين في نطاق مجانبتهم لدين المسيح عليه السلام أن النصرانية كانت ( غير متأهبة لتلبية حاجات التطور الاقتصادي والاجتماعي في جزيرة العرب في فترة الجاهلية لما تتسم به من السكينة والخنوع والمطالبة بالخضوع ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، ص240 ) ، وفي رأينا أن هذا سبب غير مقنع ، لأن المسيحية لو كانت كذلك لما قدر لها الانتشار بين ربوع شطري الامبراطورية الرومانية ، كما أن مجتمعها لم يكن خامداً ، بل كان أكثر ديناميكية من مجتمع الجزيرة قبل الإسلام ، ومشهور عن الرومان إقبالهم على الحياة والعب من لذائذها .

_*

ضمت حركة " الحنيفية " شخصيات تميزت بالسمو العقلي والأخلاقي أو بالحنكة السياسية أو الثقافية العالية نسبياً ، ولما كان الشعراء يمثلون في مجتمع ما قبل البعثة المحمدية " الفئة المثقفة " لذا كان عدد كبار الشعراء آنذاك من الأحناف منهم : " أمية بن أبي الصلت " ، وزهير بن أبي سلمى " و "النابغة الذبياني " و " عامر بن الظرب " ، ولهم قصائد في الإيمان بوحدانية الله والبعث والنشور والحساب ، وفي الناحية السلوكية الأخلاقية : الترفع عن الدنايا وتحريم شرب الخمر . ويرى د. جواد علي أن في أكثر ما نسب إلى أمية أبن أبي الصلت ( من آراء ومعتقدات دينية ووصف ليوم القيامة والجنة والنار تشابه كبير وتطابق في الرأي جملة وتفصيلاً لما ورد عنها في القرآن الكريم ، بل ونجد في شعر أمية استخداماً لألفاظ وتراكيب واردة في كتاب الله وفي الحديث النبوي ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ الإسلام ، ج6 ، ص490 ) .



ومما يلفت النظر أن قبيلة قريش ضمت عدداً من " الأحناف " ، ويؤكد بعض الإخباريين أن الحنيفية بدأت فيها مبكرة مع " قصي " الجد الأعلى لمحمد ( ص ) مؤسس دولة قريش في يثرب . يقول " الشهرستاني " عنه 0 وكان قصي بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله تعالى من الأصنام وهو القائل :



أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور

تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير



وقيل هي لزيد بن عمرو بن نفيل ) ( الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج3 ، ص332/333) ، وفي رأينا أنه لا مانع أن يكون قصي بن كلاب هو الذي أنشأ هذا الشعر ثم ردده من بعده زيد بن عمرو بن نفيل خاصة وأنهما من قبيلة واحدة ، والتمثل بمقولات الأجداد أمر طبيعي خاصة في مثل المجتمع الأمي " غير الكتابي " الذي كان يعتمد على الذاكرة في حفظ السلف ، ويصف الشيخ أحمد فهمي وهو محقق كتاب " الملل والنحل" قصيا بأنه ( عالم قريش وأقومها للحق وكان يجمع قومه يوم العروبة ، ويذكرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم بأنه سيبعث فيه نبي ، وكان ينهي عن عبادة الأصنام ) ( الشيخ أحمد فهمي علي ، هامش الملل والنحل ، ص331 ، 332 ) ، ثم جاء عبد المطلب الجد المباشر للنبي محمد ( ص ) ويكاد يجمع الإخباريين على أنه من المتحنفين وقد فصلنا القول فيه في المبحث الخاص به ، ويطلق عليه الدكتور سيد القمني لقب " أستاذ الحنيفية وزعيمها " ( د.سيد القمني ، الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية ) .



وهناك رأي أن محمداً ( ص ) مؤسس دولة القرشيين في يثرب كان قبل تبليغه رسالة الإسلام من " الأحناف " ( ... يمكن الاستنتاج من رواية السهيلي إذا صحت أن الرسول ( ص ) في حياته الاولى ونشاطه الديني كان حنيفياً وعلى صلة بـ " مسيلمة الكذاب " وغيره من الأحناف ) ( برهان الدين دلو ـجزيرة العرب قبل الإسلام ، ص224 ) ولعل مما يؤيده ما جاء في دواوين السنة النبوية : أنه عندما عرض عليه عمرو بن الخطاب رضي الله عنه أنه يقرأ أشياء في التوراة مع ما جاء به الرسول غضب الرسول ( ص ) وقال : امتهوكون يا ابن الخطاب والله لقد جئتكم بـ " الحنيفية " السمحة ، ولو كان موسى بن عمران حيا ما وسعه إلا أتباعي ، ولما ورد في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " إن الدين عند الله الحنيفية " بدلاً من " أن الدين عند الله الإسلام " الآية 19 من سورة آل عمران ( أبو بكر عبد الله بن داود بن الاشعث السجستاني ، كتاب المصاحف ، هامش الصفحة 70 ، 1985م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان) ، وكذلك لما ورد في سيرة محمد ( ص ) من ترفع عن الدنايا والاتصاف بالأخلاق الحميدة والنفور من عبادة الأصنام ، والاعتكاف في غار " حراء " لـ " التحنث " في شهر رمضان ، و " حراء " هو الغار نفسه الذي كان يلجأ إليه " المتحنف " المجمع على تحنفه : زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ، و " التحنث " في شهر رمضان في غار حراء هو ما كان يفعله الجد المباشر عبد المطلب وزعيم الحنيفية . ولو أننا نرى مانعاً من أنه اختلط بـ " الصابئة " الذين كانوا موجودين في مكة خاصة والحجاز عامة واطلع على عقائدهم وطقوسهم العبادية التي ظهرت بصماتها جلية بعد ذلك ( مبحث الصابئة ) . كما أن إجماع قريش والعرب على تلقيبه ( الصابئ ) أمر له دراسته . أما التعليل الذي أورده الإخباريين والمفسرون واللغويون من أن ذلك مرجعه هو خروجه عن دين قومه فهو غير كاف ذلك أنهم لم يلقبوا زيد بن عمر بن نفيل أو ورقة بن نوفل أو غيرهما بـ الصابئ " !!!



ولم يقتصر أمر الحنيفية في قبيلة قريش على هؤلاء بل كان منها :

" ورقة بن نوفل " أحد بني عمومة السيدة خديجة رضي الله عنها أولى زوجات محمد ( ص ) ، و " عثمان بن الحويرث " الذي سبق أن ذكرنا محاولة قيصر الروم تنصيبه ملكاً على مكة ورفض ذلك ، و " زيد بن عمرو بن نفيل " وهو من أشهر المتحنفين وقد أوردنا خبر معاملة الخطاب أبي عمر له بعد إعلان تحنفه .



وبذلك يجيء محصول قريش من الحنيفية والأحناف وفيراً بالنسبة لغيرها من القبائل ، ولعل سكانها في مكة العاصمة الدينية الهامة وملتقى القوافل المحلية والعالمية بما يحمله تجارها من أفكار ومبادئ وعقائد بجانب ما يحملونه من عروض التجارة وثراء كبرائها مما أتاح لبعضهم السفر إلى الخارج والاختلاط بالشعوب الأخرى ولقاء عدد من رجال الدين ، بالإضافة إلى رياح التغيير اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً التي أدت إلى ذلك ، تكون حظوة قريش بهذا العدد من " المتحنفين " دون غيرها من قبائل الجزيرة أمراً كانت تحتمه طبائع الأمور في تلك الحقبة ، ونحن في وجهة نظرنا هذه نختلف مه برهان الدين دلو في ( ... أما في مكة التي كانت حصناً للشرك وغالبية أهلها من المشركين ، فإن " الحنيفية " لم تنتشر انتشاراً واسعاً ، لأن الشعائر الدينية كانت هناك منظمة تنظيماً حسناً ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، ج2 ، ص243 ) ، فالأسباب التي ساقها لا تؤدي إلى تدعيم رأيه بل تنقضه : فكون مكة حصناً للشرك وموئلاً للمشركين ، وأن غالبية أهلها منهم ، وأن العبادة الأصنامية الاوثانية نظمت فيها تنظيماً جيداً ، كل هذا ادعى لتنامي حركة مضادة لدى أقلية تنادي بعبثية التعبد لغير الله تعالى ، خاصة وأن المجتمع المكي كان يضم صفوة من العقلاء والحكماء والمتنورين لأن قريشاً امتازت عن غيرها من القبائل الأخرى بالذكاء والفطانة واللسن ، يضاف إليه أن مكة بحكم مركزها الديني المرموق وموقعها التجاري الهام كانت نقطة لقاء بين أصحاب العقائد والملل كافة مما جعل نخبة المجتمع القرشي تطلع عليها وتنفعل بها ، وسبق أن قلنا أن " الأحناف " كانوا على بينة من مبادئ الأديان والنحل الأخرى وكتبها المقدسة ، والأخطر من ذلك أن المجتمع المكي كان شأنه شأن سائر مجتمعات الجزيرة العربية خاصة في المراكز الدينية ـ في حالة تطور وتمور بالحركة والنمو ، وكانت العلاقات القبلية التقليدية وروابط النسب قد أخذت تميل إلى التفكك من أثر المستجدات الاقتصادية ، كما كان المبحث يؤرق نفوس الصفوة للعثور على عقيدة توحد وتجمع وتؤلف القبائل المتفرقة المتنافرة . تلك كانت الدوافع التي دفعت " الحنيفية " إلى النمو والتحول من " ظاهرة " إلى " حركة " تستجيب إلى مقتضيات الواقع ومسيرة التاريخ ، فكيف يقال بعد ذلك كله أن " الحنيفية " لم تكن منتشرة في مكة ؟؟؟ .



لقد خلط الباحث بين أمرين على تباين ظاهر بينهما : أولهما : انتشار " الحنيفية " وثانيهما : محاربتها من قبل التجار والمرابين الذين كانوا يجنون الأرباح الطائلة من عبادة الأوثان ، حقيقة أن كبار القرشيين وطواغيتها حاربوا " الأحناف " واشتدوا عليهم في الإيذاء لدرجة النفي كما فعلوا مع زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ، حفظاً على الوثنية ، لا حباً لها في ذاتها ، وإنما لما توفره لهم من أرباح جمة ـ ولكن العداء لـ " الحنيفية " لا يدل على ندرة معتنقيها أو حتى قلتهم بل على العكس ، فإن الإمعان في تعذيبهم قرينة واضحة على تمكن " الحنيفية " بين عدد من متنوري قريش .



يخرج عن نطاق بحثنا في " الحنيفية " الكشف عن مكان نشأتها ونقطة انطلاقها ، فسواء في " اليمن " باعتبارها ديانة توحيد ( ثم امتد دين الوحدانية المجردة ، كما امتد التوحيد المتجسد إلى قلب الجزيرة العربية لتواصل المسيرة ، مسيرة خلق الدولة المركزية الموحدة لعموم المنطقة العربية ) ( ثريا منقوش ، التوحيد في تطوره التاريخي ـ التوحيد يمان ، ص160 ، ط2 ، 1981 م ، دار ازال ، بيروت ) ويميل إلى هذا الرأي عز الدين كشار مستدلا على ذلك بكثرة " الحنفاء اليماننين " من أمثال ( قس بن ساعدة ـ الإيادي وأرباب بن رئاب وأسعد أبو يكرب الحميري ، ووكيع بن سلمة بن زهرة الإيادي ..

وسيف بن ذي يزن ، وخالد بن سنان بن غيث العبسي وعبد الله القضاعي وعلاف بن شهاب التميمي . وقيس بن عاصم بن تميم ، وعفيف بن معدي كرب من كندة .. وغيرهم من الأسماء التي يبدو أنها يمنية الأصل ، كذلك ما هو معروف من أن أهل الجنوب قد عرفوا التوحيد ولو بصورة أولية قبل عرب الشمال ، ومن آلهتهم التي تذكر في هذا الشأن ذو سموي والمقة التي يرجح بعض الباحثين أن اسم " مكة " هو تحوير لها .



أو أن الحنيفية ( نشأت في اليمامة وهي إحدى المناطق المتحضرة والمتقدمة نسبياً في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وانتشرت في غربي الجزيرة العربية ) ( برهان الدين دلو ، المرجع السابق، ص243 ) نقول سواء كان هذا أم ذلك فأن الثابت تاريخياً أنها كانت منتشرة في أنحاء عديدة من جزيرة العرب ولو أننا نؤيد الباحثين اليمانيين في أن بدايتها كانت في اليمن . إنما الذي يهمنا أن نفرق بين أمرين ذكرناهما هما : نشوء " الحنيفية " كظاهرة دينية أو عقائدية وبين اشتداد عودها بعد ذلك وتحولها إلى حركة لها حضورها المتميز الذي ترك آثاره العميقة في الفكر الديني الذي تلاها في الجزيرة العربية .



ليس صحيحاً على الإطلاق ما يذهب إليه د . السيد عبد العزيز سالم عندما ذكر ( ظهرت قبيل الإسلام حركة جديدة أصحابها جماعة من العرب ، سمت نفوسهم عن عبادة الأصنام ... الخ ) ( د.السيد عبد العزيز سالم ، دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص435 ) وليس د. سالم هو الوحيد الذي قرر ذلك بل سبقه ولحقه كثير .



أن " الحنيفية " لم تظهر قبيل الإسلام بل كانت أقدم من ذلك بكثير ، بدليل أن كعب بن لؤي بن غالب " وهو أحد أجداد محمد ( ص ) البعيدين عده كثير من الباحثين في زمرة " الأحناف " منهم د/ السيد عبد العزيز سالم نفسه ( كعب بن لؤي أحد أجداد الرسول كان متحنفاً ( المرجع السابق ، ص438 ) وهذا الخبر في ذاته يؤيد وجهة نظرنا عن انتشار " الحنيفية " في قبيلة قريش ثم ما ثبت من أن " قصياً " كان من الأحناف ، وقصي بينه وبين ظهور الإسلام ما يقرب من مائتي عام ، وهذه مدة لا يمكن أن يقال بصددها " قبيل الإسلام " ، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه بين " كعب " و " قصي " جدان هما " مرة " و " كلاب " ومع الافتراض بأن بين كل جيل والذي يليه أربعين عاماً تقدير " ابن خلدون " في المقدمة أضفنا لذلك ثمانين عاما كان معنى ذلك ببساطة أن بين " حنيفية كعب " والبعثة المحمدية ما يقرب من ثلاثة قرون فكيف يجوز للدكتور سيد سالم ومن لف لفه أن يصفها بأنها " قبيل الإسلام " !!!



" الحنيفية " إذن كانت قديمة نسبياً ، وكان وجودها الغالب في المراكز الحضرية أو المدينية مثل اليمن واليمامة ومنها ثمامة بم كبير بن حبيب الحنفي المشهور بـ " رحمان اليمامة " ثم أطلق عليه محمد ( ص ) لقب " مسيلمة الكذاب " والطائف ( ومنها أمية بن أبي الصلت ) ويثرب ( ومنها أبو قيس صرمة بن أبي أنس من بني النجار ، وأبو عامر بن عبد عمر بن صيفي وكان قومه يسمونه " الراهب " ولما عادى محمداً ( ص ) أمر المسلمين أن يسموه " الفاسق " ثم تحولت من " ظاهرة " إلى " حركة " إذ تضافرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والعقائدية على نمو عودها فاستوائه فاشتداده ، وكان من الطبيعي أن يتم بصورة واضحة في المدن ، وأن يعتنقها عدد من المستنيرين من أبنائها ، ولكن لماذا المدن بالذات ؟



لأن المتغيرات التي لحق بمجتمعاتنا كانت أكثر سرعة من مجتمعات البدو والريف معاً ، لم يكن الهدف " الحنيفية " شن الحرب على الرذائل الاجتماعية والأدواء أو المنكرات السلوكية الخلقية فحسب ، بل نبذ عبادة الأصنام والدعوة إلى عبادة إله واحد ، تأثراً بالديانتين التوحيديتين اللتين عرفهما عرب الجزيرة وهما : اليهودية والنصرانية ، ولأن عبادة الأصنام كانت من عوامل الفرقة بين القبائل إذ كان لكل قبيلة أو مجموعة قبائل صنم تعبده وتذبح له وتنتظر منه النفع وكشف الضر وتستشيره عن طريق القداح في حالة السفر والحروب … الخ والدعوة إلى عبادة إله واحد مدعاة إلى التوحيد المادي ، هذا بالإضافة إلى العوامل الأخرى التي ساهمت في عملية التوحيد ، ومن ثم يصح القول بأن " الحنيفية " قد ( واكبت تطور المجتمع المكي وحاجاته وتطورت معه إلى أن دخلت معه مرحلة جديدة هي التي مهدت لظهور الإسلام ) ( بلياييف ، العرب والإسلام والخلافة ، ص143 ، نقلا عن برهان الدين دلو ، مرجع سابق ) .



لم يكن تحول الحنيفية إلى حركة قاصراً على اعتناق عدد كبير من المتنورين العرب إياها ، بل في البصمات العميقة الغور التي تركتها على الفكر الديني الخالف لها في جزيرة العرب .

فبادئ ذي بدء كان " للحنيفية " الفضل في نشر العقيدة وتجذرها واستهجان عبادة الأوثان والسخرية منها ومن عبادها والكشف عن زيف ما كانوا ينسبونه إليها من قدرات وتهيئة الأذهان إلى الإيمان بالبعث والنشور والحساب والجنة والنار ..الخ .



أما في نطاق التعبديات والسلوكيات والأخلاقيات فقد تركت من ورائها سنناً ترسخت ، منها (تحريم الربا ، تحريم شرب الخمر وحد شاربها ، تحريم الزنا ، وحد مرتكبيه ، الاعتكاف في غار " حراء " في شهر رمضان والإكثار من عمل البر وإطعام المساكين والفقراء .. وقطع يد السارق ، تحريم أكل الميتة والدم والخنزير .. والنهي عن وأد البنات وتحمل تكاليف تربيتهن .. والصوم والاختتان والغسل من الجنابة ) ( خليل عبد الكريم ، الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ، ص25 و26 ، ط1 ، 1990 م ، دار سينا للنشر ) .



وإذا كانت الحنيفية كما قلنا في مفتتح المبحث هي إرهاص لـ " الإسلام " ، وإذ أن الدين منذ عهد الجد عبد المطلب قد ظاهر الدولة القرشية وساندها ودعمها فإنها بذلك قد شكلت بلا ريب إحدى المقدمات الهامة لتلك الدولة التي أقامها الحفيد محمد عليه السلام في يثرب .


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 16:18   رقم المشاركة :6
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
Post


الباب الثالث : المقدمات السياسية

كانت الأحوال السياسية للدولتين العظميين : الرومانية الشرقية أو البيزنطية والفارسية بالغة السوء عندما قدر لدولة قريش أن تنشأ وتتبلور ملامحها ، ثم تستوي على عودها في يثرب . ولسنا هنا في مقام التأريخ لتينك الدولتين ، إنما يكفينا أن نبرز القسمات العريضة لكل منهما بالقدر الذي يؤيد ما نذهب إليه ، وهو أن ضعفهما ودخولهما في دور الإنحدار كان أحد العوامل التي ساعدت على نجاح القرشيين في تأسيس دولتهم ، بالإضافة إلى العوامل الأخرى التي ذكرنا بعضاً منها وسوف يجيء البعض الآخر في حينه .

1 ـ الدولة الفارسية
كانت الدولة الفارسية في الوقت المعاصر لنشوء دولة قريش وتدرجها ونموها حتى قيامها في يثرب على يد محمد بن عبد الله - عليه الصلاة والسلام - تعاني الكثير من المعضلات ، سواء في الداخل أو في الخارج ، من جيرانها وأخصها الإمبراطورية البيزنطية . والمراقب لأحوالها آنذاك يقطع بأن شمسها أخذت في الأفول وأول ما يشد الانتباه في هذا الصدد هو سرعة تعاقب الملوك على عرشها ، حتى أن بعضهم لم يهنأ به سوى شهور لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، وبعضهم أسابيع محدودة بل أيام قليلة وأحدهم - أو اثنان منهم ـ اغتيل ساعة جلوسه على سرير الملك ، وكان القتل وسمل العينين مصير بعضهم ، وبلغ بهم الأمر أن أحدهم قتل أباه وبضعة عشر أخاً له ، حتى يأمن تآمرهم عليه ، ولما فنى رجالهم ملكوا عليهم اثنين من نسائهم ، وطمع أحد قوادهم في الملك واستشرقت نفسه ليه رغم أن ذلك كان محرماً في تقاليدهم المتوارثة وهو ألا يخرج الملك عن آل ساسان ، ويبدو أن ذلك كان عرفاً مستقراً لدى الأسر الحاكمة في العصور الوسطى على الأقل في الشرق ، وهنا يرد ذاكرتنا الأثر المعروف " الأئمة من قريش " والذي عقب نتائج شديدة على التاريخ الإسلامي حتى الآن.

يرسم لنا الطبري صورة مروعة لملوك فارس " كسرى أبرويز طغى وشره شرها فاسداً .. بلغت خيله القسطنطينية وإفريقيا وكان يشتو بالمدائن ويصيف ما بينها وبين همذان .. كانت له 12000 جارية وقيل 3000 للوطء ، والباقيات للخدمة والغناء وغير ذلك .. احتقر الناس واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم .. وظلم أبناءه .. كان ملكه اثنتين وثلاثين سنة وشهور قتله الشعب بمساعدة ابنه شيرويه الذي قتل سبعة عشراً أخاً له ... وفشا الطاعون في أيامه .. كان ملكه ثمانية أشهر .. ثم ملك أردشير أبنه .. قتل بأمر شهر أبرويز .. كان ملكه سنة وستة أشهر .. ثم ملك شهر ابرويز .. ولم يكن من أهل بيت المملكة .. قتلوه وكانت فترة جميع ملكه أربعين يوماً .. ثم ملكت بوران بنت كسرى ابرويز بن هرمز بن كسرى انو شروان وكان ملكها سنة وأربعة أشهر .. ثم ملك بعدها رجل يقال له جسندة من بني ابرويز الأبعدين وكان ملكه أقل من شهر .. ثم ملكت آزر ميدخت بنت كسرى أبرويز .. قتلها القائد رستم وسمل عينيها وقيل سمها وكان ملكها ستة أشهر .. ثم ملك كسرى بن مهر جشنس قتل بعد أيام .. ثم ملك خرذاد خسروان من ولد ابرويز استعصوا عليه وخالفوه .. ثم ملك فيروز بن مهر جشنس ويقال أنه هو الذي تولى الملك مباشرة بعد آزر ميدخت بنت كسرى ابرويز .. قتل ساعة جلوسه على سرير الملك .. ثم ملك فرخزاد خسروا .. قتلوه بعد ستة أشهر .. ثم ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى ... وفي عهده ضعف أمر مملكة فارس واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه وجربوا بلاده وتصرفوها وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه ) .

المصادر العربية التاريخية تختلف فيما بينها اختلافاً واضحاً في ترتيب سلسلة الملوك الفارسية ومدد حكمهم ، انما ننبه إلى ما سبق أن سطرناه أن القصد ليس التاريخ الدقيق ، إنما رسم الملامح البارزة لكل من فارس وبيزنطة في تلك الحقبة خاصة تلك التي اتفقت عليها المصادر العربية بشأن الإمبراطورية الساسانية بغض النظر عن التفاصيل . والذي خرجنا به من قراءتها أن تلك الدولة طفقت في الذبول ، وكان تعاقب الأكاسرة على عرشها بتلك الطريقة الفاجعة هو أحد المؤشرات البالغة الدلالة على ذلك . يمتاز أبو حنيفة الدينوري - عن الطبري - بأنه حاول أن يقرن تاريخ بعض ملوك دولة العجم بتاريخ النبي محمد ( ص ) مؤسس الدولة في يثرب ( وولد رسول الله ص في آخر ملك أنو شروان فأقام بمكة إلى أن بعث بعد أربعين سنة ، فيها سبع سنين بقيت من ملك أنو شروان ، وتسع سنة ملكها هرمز بن كسرى أنو شروان ، وبعث وقد مضى من ملك كسرى ابرويز ست عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وقد مضى من ملك ابرويز تسع وعشرون سنة ، فأقام بالمدينة عشر سنين وتوفى ( ص ) وآله تسليما بعد موت كسرى ابرويز فكان عمره ( ص ) ثلاثاً وستين سنة ) ( أبو حنيفة الدينوري ، الأخبار الطوال ، تحقق عبد المنعم عامر ، مراجعة جمال الدين الشيال ، من سلسلة " تراثنا " ، ط1 ، 1960 ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، القاهرة ) .
وعلى ذلك وحسب رواية الدينوري يكون الرسول ( ص ) قد عاصر كلا من : أنو شروان هرمز وابرويز ، والذي يطبق عليه المؤرخون أن أنو شروان كان محمود السيرة بالمقاييس التي كانت سائدة في عصره ، والتي أقرها أولئك المؤرخون ، وكان ضابطاً لأمور مملكته ، ولكن الوهن بدأ يصيبها في زمن ابنه هرمزد ( فلما كانت سنة إحدى عشرة من ملكه حدق به الأعداء من كل وجه ، فاكتنفوه اكتناف الوتر سبتي القوس ، أما من ناحية الشرق فإن شاهنشاه الترك أقبل حتى صار إلى هراة وطرد عمال هرمز ، وأما من قبل المغرب فأن ملك الروم أقبل حتى شارف نصيبين ليسترد آمد وميا فارقين ودارا ونصيبين ، وأما من قبل أرمينية فإن ملك الخزر أوغل حتى أذربيجان فبعث الغارات فيها ( الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص78 ، 79 ) . وظلت الأحوال تسوء في عهده حتى تآمر عليه العظماء والأشراف والمرازبة ( أقبلوا على الملك هرمز فنكسوه عن سريره ، وأخذوا تاجه ومنطقته وسيفه وقباءه ، فأرسلوا بها إلى كسرى " ابرويز " وهو بأذربيجان ) (المرجع السابق ، ص84 ) وانتهى به الأمر إلى القتل الذي يرجع إلى طغيانه إذ أنه لم يكن خيار الأعاجم وسراتهم كما أنه " مولداً " إذ أن أمه كانت تركية أي لم يكن فارسياً خالصاً ، ثم تولى بعده ابرويز الذي وصفه الطبري كما أسلفنا بأنه طغى وشره شرهاً فاسداً وكانت لديه اثنا عشر ألف جارية منها ثلاثة ألف للوطء أي المتعة ، ويضيف البريجادير سير برسي ساكس أنه تزوج بمسيحية ذات جمال تسمى شيرين وأنه كان ميالاً للنصرانية ( البريجادير سير برسي ساكس ، الفصل السادس والثمانون " نهضة الفرس الحربية والثقافية " من كتاب تاريخ العالم بإشراف السيرجون أ . هامرتن أ . هامرتن ، المجلد الرابع ، أشرف على ترجمته قسم الترجمة بوزارة التربية والتعليم نشر مكتبة النهضة المصرية )
وروى المسعودي أن اسم هذه الزوجة مارية ، وأنها ابنة ملك الروم موريقوس ويبدو أن اسمها الأصلي كان مارية وبعد أن تزوجها كسرى أطلق عليها شيرين ، واستمر في جبروته وطغيانه حتى قتله الشعب بمساعدة ابنه شيرويه كما أورده الطبري فيما سبق ... ومن المحتمل أن يكون من بين دوافع الثورة عليه ثم قتله زواجه بنصرانية وميله إلى دين المسيح عليه السلام ـ وهو دين الإمبراطورية البيزنطية العدو اللدود للفرس . وباغتياله بدأ العد التنازلي لملك دولة الأعاجم الساسانية ، إذ تعاقب على عرشها ملوك متعددون لم يدم ملك أحدهم شهوراً أو أسابيع أو أياماً ، بل أن أحدهم قتل قبل أن يجلس على سرير الملك . حتى انتهى الأمر إلى يزدجرد بن شهريار بن كسرى وفي عهده قوض العرب الإمبراطورية الفارسية وورثوا ملكها .

وكانت للعرب صولة سابقة على الفرس ، وذلك في موقعة أو الحروب المعروفة بـ " ذقار " أو يوم " ذي قار " التي حدثت في عهد الملك ابرويز وكان النبي محمد ( ص ) قد أدرك أهمية هذه المعركة ، والنتيجة التي انتهت إليها في صالح العرب وما دلت عليه من ظهور علامات الشيخوخة على الدولة الساسانية وقد قال عليه السلام في حقه ( هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ونصرت عليهم بي ) ويقدر المسعودي عدد ملوك الدولة الساسانية باثنين وثلاثين منهم امرأتان . ولعل كثرة حكام الإمبراطورية الفارسية في تلك الفترة وتداولهم سرير الملك لفترات قصيرة ترجع إلى ظلمهم للرعية ـ وخاصة المتأخرين منهم ـ وقتلهم الأشراف والمرازبة لأتفه الأسباب، وإلى إسرافهم الذي لا يرقى إلى تصوره خيال . والأوصاف التي حملتها كتب الأدب العربي وقصائد الشعر لـ ( إيوان كسرى ) وما جاء في كتب التاريخ الإسلامي عن الغنائم التي حصل الفاتحون العرب ما يقطع بذلك ، وسبق أن أوردنا عدد الجواري اللائى كان يمتلكهن كسرى ابرويز ويضيف المسعودي بأنه ( كان على مربطه خمسون ألف دابة وسرج ذهب مكللة بالدر والجوهر على عدد ما لركابه من الخيل وكان على مربطه ألف فيل منها أشهب أشد بياضاً من الثلج ومنها ما ارتفاعه اثنا عشر ذراعاً ) (المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، ص210 ) وكان ذلك كله على حساب الرعية المحكومة بالسيف ، ومن ثم كانت تعيش في أحوال بلغت المنتهى في التدني و الانحطاط ولم يكن مستغرباً أن تتفشى فيها الأوبئة .. الفتاكة ، يحدثنا المسعودي عن شيرويه المشئوم فيقول ( وفي أيامه كان الطاعون بالعراق وغيرها من الأقاليم فهلك فيه مائتا ألف من الناس فالمكثر يقول : هلك نصف الناس والمقل بقول الثلث ) ( المسعودي ، المرجع السابق ، ص211 )

ومما أحدث اضطراباً في بنية المجتمع الفارسي وأثار النقمة العارمة بين أفراده هو ما يمكن أن نطلق عليه : التجميد الطبقي ومعناه أن أبناء كل طبقة يظلون تابعين لطبقتهم لا يغادرونها ولو تمتع أحد أفرادها بمواهب أو ملكات تؤهله للترقي إلى طبقة أعلى فيستحيل عليه ذلك ، كما أن الواحد من أفراد طبقة عالية يستمر فيها حتى ولو كان عاطلاً من أي ميزة . ولقد انتقد المفكرون الإسلاميون ذلك بشدة فيا بعد عندما اطلعوا على أحوال المجتمع الفارسي ( كانوا يحرمون على رعاياهم الترقي من مرتبة إلى مرتبة ومن ذلك ما يعوق التراكيب السوية عن كثير من الشيم الرضية ... وليس بشك أن تسخير العاقل الحر بالقهر والغلبة على المنزلة الواحدة وزجره عن اكتساب المحامد بالهمة العلية .. في الغاية من الاتضاع والخسة )

وقد يكون من الصائب أن نذكر أن ذلك كان أحد الدوافع التي حفزت الأعاجم إلى الترحيب بالفتح العربي الإسلامي لما سمعوه من أن دينهم يحض على المساواة بين الناس .والشعوب مهما طال صبرها فأنها تثور ضد الطواغيت وحكام البغي ، وهذا أحد وجوه تفسير كثرة ملوك الفرس في تلك الفترة . ومما ضاعف من سوء الأحوال الاقتصادية في دولة الفرس ، وزاد معاناة الشعب وتفاقم بؤسه ، الحروب العدية التي خاضها الأكاسرة سواء ضد الدولة الرومانية البيزنطية أو غيرها ، فهذه المعارك تتطلب نفقات باهظة وتسحب من سوق إنتاج الفلاحين والعمال الذين يقع على أكتافهم عبء الإنتاج ، ونتيجة لذلك تشح المنتجات فترتفع أثمانها وتغدو بعيدة عن متناول يد الفقراء بل والمتوسطين ، كما أن الجنود الذين يقتلون في ساحة الوغى أو يصابون هم أرباب أسر تصبح بعدهم بغير عائل أو معين وهكذا تقع أعباء هذه الحروب على كواهل القاعدة الشعبية العريضة مما يسارع من نقمتها على ملوكها فتساهم في الانتفاض عليهم . وهذه المعارك توضح أو تدلل على أنها كانت من أسباب الخور الذي ضرب مملكتهم وأدى في مختتم الشوط إلى امحائها من الوجود ، وكان ذلك بلا أدنى ريب في صالح دولة القرشيين في يثرب ، ومن الطريف أن نذكر أن أنو شروان الذي ترجع شهرته من جهة إلى مآثره العسكرية ، قد بدأ حكمه بمهادنة جستنيان ولكن هذا تؤازره قوة قائده بتنزاريوس الذي عاد إلى شمال أفريقيا مما أدى إلى أن يجتاح أنو شروان الشام فجأة خشية أن تدهمه قوات عدوه ، ولم يكن جستنيان مستعد قط ، وراحت إنطاكية بثروتها كلها غنيمة لكسرى ، وعقد صلح مؤقت نقضه جستنيان حين استكمل استعداداته العسكرية ...واشتبكت الإمبراطوريتان في حروب عدة سنوات .. وترجع شهرة أنو شروان العسكرية إلى هذه المعارك خاصة ، وهي المعارك التي لا نملك معلومات عنها ، ولكنها أضافت كثيراً إلى قوة كسرى وشهرته، ذلك إلى أن جوستين الذي ارتقى عرش الإمبراطورية نقض السلام عام 572م للأسباب التي حفزت أنو شروان على ذلك من قبل ثلاثين عاماً ، وكانت النتيجة استمرار الحرب بين الإمبراطوريتين بقية حكم أنو شروان فهي حر أوقعت خسائر فادحة بالجانبين بينما لم يجن أحدهم منها أية فائدة ، هذا فضلا عن تحريض عرب الغساسنة الموالية للرومان على إثارة القلاقل ، والإغارة على أطراف دولة الفرس ودويلة عرب الحيرة المناذرة الموالين للفرس ( وظهر تعاون الغساسنة الذين انتقلت مشيخة العرب الموالين للرومان في عهد انستا سيوس إبان الحرب مع الفرس 502 / 503 م ) .

وفي عهد هرمز بن أنو شروان ( ولاثنتي عشرة سنة من ملكه تخرم عليه الملك وتداعت أركانه وزحفت عليه الأعداء وكثرت عليه الخوارج ) ( المسعودي ، مروج الذهب ، المجلد الأول ، ص204 ) ويوضح المسعودي ذلك ( وكان من سار إليه شابة بن شب عظيم من ملوك الترك في أربعمائة ألف ... وسار إليه من أطراف أرضة طراخنة من الخزر في جيش عظيم .. وسار إليه بطريق لقيصر في ثمانين ألف .. وسار فيما يلي اليمن جيش عظيم للعرب من قحطان ومعد .. فاضطرب على هرمز أمره ) ويؤيد الدينوري ذلك ويذكر أن هرمزد إزاء ذلك اضطر إلى مصالحة قيصر الروم ( فرد عليه المدن التي كان أبوه اغتصبه إياها وسأله الصلح والموادعة فأجابه قيصر ذلك ) ثم يسرد لنا الدينوري أطرافاً من حروب ابرويز مع الروم نعلم منها أنها انضوت على معارك طاحنة كانت سجالاً بين طرفيها خسر فيها كل منهما خسائر فادحة ، وأن ابرويز لما سمع عن هزيمة جيشه في الجزيرة حتى بلغت فلوله الموصل خرج في جنوده حتى الموصل وانضم إليه قواده الثلاثة وسار نحو هرقل فاقتتلوا فانهزم الفري ، ولما رأى ذلك كسرى غضب على عظماء جنوده ومرازبته فأمر بحبسهم ليقتلهم ) ( الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص79 ) حارب العرب كسرى ابرويز في " يوم ذي قار " ( وذي قار ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط .. ويرجع الإخباريين بسبب وقوع ذي قار إلى مطالبة كسرى ابرويز هانئ ابن قبيصة بن مسعود بتسليم الودائع التي أودعها النعمان لديه فلما أبى هانئ تسليم ما أؤتمن عليه لغير أهله غضب كسرى ... وانهزمت الفرس وكسرت كسرة هائلة وقتل أكثرهم وفيهم الهامرز وجلابزين ـ وهما من قواد كسرى ـ وانتصر العرب على الفرس انتصاراً عظيماً وانتصفت فيه العرب من العجم ( د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الثالث ، ص293 ، 294 ، نشر دار العلم للملايين ، بيروت ومكتبة النهضة ، ط1 ، تموز / يوليو 1969م ) .

وكانت هزيمة الفرس ومن تابعهم من القبائل نكراء ( ثم اتبعت بكر الفرس وأحلافهم من العرب يقتلونهم بقية يومهم وليلتهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا السواد ودخلوه في طلب القوم ) (محمد أحمد جاد المولى بك وآخران ، أيام العرب في الجاهلية ، ص33 ، نشرته دار إحياء الكتب العربية ، بدون تاريخ ) ولقد احنق كسرى ابرويز هذا الانتصار الساحق الذي حققه العرب على جيشه وأنصاره من القبائل العربية وأوجعه وأغاظه لأنه رأى من خلاله بوادر أفول مملكته ومملكة آبائه ، وكذلك لما وصل خبر الهزيمة المريرة أمر بالرسول الذي حمله إليه . فنزعت كتفاه ) ( المرجع السابق ، ص34 ) أما محمد بن عبد الله (ص) مؤسس الدولة القرشية في يثرب ، فقد رأى فيه بعبقريته الفذة وحنكته السياسية بشائر ارتفاع الراية العربية على الجزيرة العربية ودلائل غروب شمس دولة الأكاسرة الساسانيين ومن ثم قال الحديث الذي سبق أن أوردناه آنفاً .

تلك كانت ملامح سريعة عن دولة الفرس حاولنا قدر الاستطاعة أن تكون وافية بالغرض وهو التدليل على أنها كانت في طور الانهيار والاندثار في الوقت الذي كانت فيه دولة قريش تتقوى وتتوطد أركانها ويعلو بنيانها ، والذي لا شك فيه أنه بكافة المقاييس جاء ذلك في صالح الدولة الفتية التي كانت تتخلق في الحجاز ، إذ لو كانت مملكة الساسانيين آنذاك في أوج مجدها وعز عنفوانها لما استطاعت دولة قريش أن تأخذ فرصتها التي واتتها ولتغير مسار الأحداث في شبه الجزيرة العربية ولكنها عجلة التاريخ التي لا تكف عن الدوران .


( 1 ) الدولة البيزنطية :
كانت الدولة الرومانية البيزنطية هي الأخرى وقت أن بدأ ساعد دولة القريشيين في يثرب يقوى ويشتد تعاني من معضلات متفاقمة تختلف في بعضها عن مشاكل الدولة الفارسية وتتماثل في البعض الآخر . أولى المشاكل التي تباينت فيها عن نظيرتها الفارسية هو ما يمكن أن نسميه المشكلة الدينية أو المشكلة العقيدية .
واختلاف أبناء الدين الواحد وتفرقهم شيعاً وطوائف اختلافاً يصل إلى درجة العراك الدموي أمر ثابت ومعروف في تاريخ الأديان الإبراهيمية الثلاثة بدأ باليهودية ثم انتقل إلى المسيحية ومنها إلى الإسلام ، وهو ما أكد وقوعه الرسول محمد ( ص ) من استقرائه لأحوال الديانتين - اليهودية والنصرانية - ولنقاط التشابه بين العقائد الثلاث ـ بأن اتباعه المسلمين سوف يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت من قبل النصارى على اثنتين وسبعين فرقة واليهود على أحدى وسبعين فرقة وذلك في حديث مشهور له ، وأسباب تنازع المؤمنين بالدين الواحد إلى حج التقاتل متنوعة ولا مجال لذكرها هنا ، وأن كنا تناولنا بعضا منها في كتابات سابقة .

انتشرت المسيحية من مهدها في فلسطين إلى روما عاصمة الإمبراطورية ، بدأت بالجماهير ـ كما هي العادة في كل دين ـ ثم انتقلت إلى الحكام ونظراً إلى أن بيئة شعوب الإمبراطورية كانت مختلفة عن البيئة التي شهدت ميلاد المسيحية ، وبعضها كان متشبعاً بالثقافتين اليونانية واللاتينية فقد كان من البديهي أن تصبح لمعتنقي المسيحية وخاصة الطبقة المثقفة نظرات فلسفية ، ومن هنا بدأ البحث في أمور لاهوتية معقدة أشد التعقيد : هل للمسيح عليه السلام طبيعة واحدة إلهية أم له طبيعتان أحداهما إلهية والأخرى إنسانية ؟ وهل له مشيئتان أم مشيئة واحدة ؟ وهل له طاقتان أم طاقة واحدة ؟وهل هو مساو له في الجوهر أم لا ؟
وهل السيدة مريم ـ عليها السلام ـ يصح أن يطلق عليها " أم الإله " وإذا جاز ذلك فهل أمومتها له تشمل الطبيعة الإنسانية أم الطبيعتين الإلهية والإنسانية ؟

وهي كما يرى القارئ مسائل فلسفية ونحن نعلم أن الشق الشرقي من المبراطورية الرومانية كانت ثقافته اغريقية وأهم ما امتاز به اليونان فلسفتهم فضلاً عن أن ( أهل بيزنطة كانوا شديدي الإيمان بالخرافات والأساطير وكانوا جميعاً مولعين بالجدل والنقاش في المسائل الدينية وأصبح ذلك فيهم غريزة وسليقة لا تكاد تفارقهم ) ( د . عبد السلام عبد العزيز فهمي ، فتح القسطنطينية ، ص42 ، ط1 ، المكتبة الثقافية ، الكتاب رقم 227 ، الهيئة العامة للتأليف والنشر ، القاهرة )

. كان الخلاف على المسيح عليه السلام هل له طبيعة واحدة أم طبيعتان ؟ هو الأشد ضراوة حتى أدى إلى شطر الكنيسة المسيحية إلى كنيستين سنة 45م وانقسم اتباع عيسى عليه السلام إلى كاثوليك ( المؤمنين بالطبيعتين ) والارثوذكس ( المؤمنين بالطبيعة الواحدة ) ( ويتبعهم السريان الذين أطلق عليم اليعاقبة ) ( د . إبراهيم صبحي ، " مصر في عهد الرومان " ص219 من موسوعة الحضارة المصرية ، المجلد الثاني ، العصر اليوناني ، الروماني ، العصر الإسلامي ، ألفه نخبة من العلماء ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر ، الموزع : مكتبة مصر بالفجالة ) .
تعددت أثناء ذلك المذاهب مثل :الإثناسية ، الأريوسية ، البلاجيوسية ، النسطورية ، الدوناتية ....الخ . وكان أباطرة بيزنطة من المؤمنين بالطبيعتين وخالفتهم في ذلك كنيستا الإسكندرية وإنطاكية على وجه الخصوص ويمكن القول أن الشعوب الشرقية ( الشام ومصر ) تمذهبت برأي أو عقيدة الطبيعة الواحدة للمسيح عليه السلام .وأبدى أباطرة الدولة الرومانية الشرقية تعصباً مقيتاً شايعهم فيه البطارقة الذين كانوا يدورون في فلكهم وأخذوا يضطهدون مخاليفهم القائلين بالطبيعة الواحدة حتى أنهم أطلقوا عليهم لقب " الهراطقة " والواقع أنه لم يكن في القرن الخامس الميلادي مسألة اشتد حولها الخلاف مثل مسألة الطبيعة الواحدة والطبيعة المزدوجة في المسيح أو حول الطبيعة التي يمكن التعبير عنها باتحاد الطبيعتين تعبيراً دقيقاً ) (هـ . أ . ل . فيشر ، تاريخ أوروبا ـ العصور الوسطى ، نقله إلى العربية محمد مصطفى زيادة ، السيد العريني ، ص56 ، الجزء الأول ، ط6، 1976م ، جمعية الحديث بالاشتراك مع دار المعارف المصرية ) .

في عهد إنسطانيوس ( 492 / 518م) سادت فترة هدوء نسبي ولكن لما تولى الحكم الإمبراطور يوستنيوس الأول ( جوستين الأول 518 / 527 م ) اشتد الاضطهاد إذ أمر بغلق الكنائس في مصر ، ولم يجد الشعب المصري مكانا للصلاة ، فبنوا كنيستين سراً في المكان المعروف باسم السواري غربي الإسكندرية ... وقد خطا يوستنيوس خطوة أوسع في اضطهاد المصريين وإرغامهم على قبول مذهب الطبيعتين .. وشهد عهده مذبحة كبرى قتل فيها عدد من أفراد الشعب الذين رفضوا اتباع عقيدته ...) (د.إبراهيم صبحي ، " مصر في عهد الرومان " ، ص224 ) .

وكان جوستينيان من الأباطرة الذين أمعنوا في اضطهاد أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة وهم " المونوفيزتيون " ولو أنه حاول التوفيق بين المذهبين وهادن خصومه بعض الوقت ولكن جهوده تلك ذهبت أدراج الرياح فعاد إلى التنكيل بهم بشتى السبل منها : منع نسخ كتبهم وقطع إيدي نساخها وتشريد أحبارهم ورهبانهم وبطاركتهم وقسوسهم ( ولم يخف جوسنتيان بغضه الشديد تجاه الطوائف المسيحية التي لا تدين بمذهب الدولة لأنهم " لا يستحقون إلا كل ازدراء " على حد قوله ، هذا فضلاً عن أنه جعل اعتناق المذهب الخلقيدوني شرطاً أساسياً في شغل وظائف الدولة ، وبذلك أعطى امتيازاً لأتباع مذهب الدولة على باقي الطوائف وعمل على تطبيق هذا القانون بكل حزم ) (د . محمد فتحي الشاعر ، السياسة الشرقية .. ص142) وبعد جوستيان ( زاد اضطهاد الرومان للأقباط حتى أن الرومان حرموا الأقباط من الكنيستين اللتين بنوهما سراً في غرب الإسكندرية ... وفي 631م عين هرقل بطريكاً ملكانياً أو ملكياً اسمه " كيرس " وهو الذي اشتهر باسم " المقوقس " وهو الذي عاصر فتح العرب بمصر ، زاد اضطهاد المصريين اضطهاداً رهيباً مما نفرهم منها في وقت كانت فيه محتاجة أشد الاحتياج إلى استرضاء الأقباط بسبب حرج موقفها في حربها مع الفرس ) ( د إبراهيم صبحي ، " مصر في عهد الرومان " ص225 ) .

وكانت النتيجة المحتومة أن رحبت الشعوب المضطهدة ومنهم المصريون ( أيما ترحيب بالفاتحين " العرب " لينقذوهم مما يشكون من اضطهاد ) ( والتر السون فيلبس ، ص376 في الفصل الذي عنوانه " حرب المذاهب " من كتاب تاريخ العالم) وهذا ما أجمع عليه المؤرخون كافة ( أن تلك الشقوق - أي الناجمة عن الاضطهاد ظلت تتسع اتساعاً مضطرداً فأضعفت روح الولاء نحو القسطنطينية لا سيما في مصر والشام ومهدت الطريق للفتوح الإسلامية ) ( هـ . أ . ل فيشر ، تاريخ أوروبا ـ العصور الوسطى ، ص85 ) . ومما يذكر بالحمد والثناء لأقباط مصر صلابتهم وتمسكهم بمذهبهم رغم المحن الشديدة التي تعرضوا لها على أيدي الرومان الطغاة ( أن الكنيسة القبطية ثبتت على مر الأيام ولا تزال تقوم على صخرة المونوفيزتية القديمة ) ( المرجع السابق ) ، ولقد فعل الأقباط هذا بينما خارت قوى غالبية أسقفيات العالم المسيحي واضطرت إلى الخضوع لسيطرة الرومان وبابوات روما ـ ولم يقف إلى جوار الإسكندرية غير أسقفية أنطاكية التي لاقت صورة مشابهة من الاضطهاد وتحمل أساقفتها العزل والنفي وتحمل شعبها الاضطهاد ) ( د . إبراهيم صبحي ، ص220 ، المرجع السابق ) . (شخصيا استغرب هذا الطرح بالرغم من وجود مايكفي للقول ان الاقباط دافعوا عن وطنهم ضد الاحتلال وحاربوا التمييز والوصاية والاذلال).

كانت هناك مشكلة أخرى تتعلق بالدين إذ مورس تعصب وتعنت بالغان ضد فرقاء من مواطني الإمبراطورية الرومانية الشرقية ، مما جعلهم يضيقون ذرعاً بحكامها حتى تمنوا زوالها بل عمل بعضهم على ذلك . لم يتسع صدر الأباطرة لمخالفيهم في المذاهب وأن اتحدوا معهم في الملة فما بالكم بمن لا يتبعون دينهم وهم : الوثنيون ، السامريون ، اليهود . أما عن الوثنيون فمنذ منتصف القرن الرابع الميلادي أصدر الإمبراطور قنسطانز والإمبراطور قنسطنيوس سنة 342م قانونا نص على إغلاق معابد الوثنين في كل مكان ، ومصادرة أملاكهم وتحويلها إلى خزانة الدولة ) ( د . محمد فنحي الشاعر ، السياسة الشرقية ، ص124 ) . واهتدى جوسنتيان بسنة أسلافه في ذلك حتى قضى على الوثنيين والوثنية بشكل نهائي .

_

يتمركز السامريون في فلسطين ، وبينهم وبين المسيحيين خلاف عقائدي ، وهم بعكس الوثنيين لهم كتاب مقدس ويؤمنون برسالات السماء ولهم شعائرهم وطقوسهم ، ولكن هذا جميعه لم يشفع لهم عند حكام بيزنطة الذين حاولوا تنصيرهم ، ولما خاب مسعاهم نالهم الاضطهاد ومصادرة الأموال والأملاك وهدم المعابد وشرع شطر منهم في الانتفاض ضد السلطة وتظاهر الآخرون بالدخول في دين المسيح عليه السلام ـ حتى تتاح لهم الفرصة في الثورة ، وهي نظرية معروفة في كل الملل باسم " التمكن " .
وأرادوا أن يثأروا لأنفسهم مما وقع عليهم من اضطهاد فأغروا ( قباذ ) ملك الفرس باحتلال فلسطين ( وهكذا نجح السامريون في عرقلة جهود السلام بين القوتين العظميين ومن الانتقام لأنفسهم من الرومان الذين اضطهدوهم في فلسطين سنة 529م ) ( المرجع السابق ، ص193 ) ، وظل السامريون يواصلون العنف والانتفاضة والثورة مما اضطر جوستنيان في آخر الأمر إلى إلحاق أقسى صنوف العذاب بهم .

بدأت مضايقات الرومان لليهود مع فجر القرن الخامس الميلادي منذ عهد تيودوسيوس الثاني 408 / 450م مثل فرض الضرائب على المعابد ورفض التصريح ببناء معابد جديدة ، وإذا بنى منها شيء دون ترخيص صودر ، وتحريم الختان ونفي من يباشره ، ومنعهم من تولي الوظائف المتقدمة ... الخ ودرج الأباطرة على نهج هذه السياسة المتعصبة حتى أمسك جوستنيان بيديه صولجان الملك وكان مسيحياً تقياً يتوقد حماسة لدينه ، ويعمل على نشره ، ويمقت أتباع الديانات الأخرى ويود في قرارة نفسه لو ألقى بهم خارج حدود إمبراطوريته ومن ثم فلم يكتف بتلك الأعمال التعسفية التي كان ينزلها من سبقوه من الأباطرة على اليهود بل ( مس جوهر عقيدتهم ذاتها مستهدفاً تعديل مفاهيمهم عن المسيح بما يتطابق مع العقيدة المسيحية ) ( د . محمد فتحي الشاعر ، السياسة الشرقية ، ص151 )
ومن نافلة القول أن نضيف أن اليهود لم يذعنوا له لأنهم يعتبرون أنفسهم أصحاب الديانة الإبراهيمية الأولى التي تفرعت عنها باقي الديانات وأنهم الأساس والأصل وكيف يتبع الأصل الفرع الذي نبت منه ؟
تلك الممارسات القمعية من قبل أباطرة بيزنطة ضد الطوائف اللا مسيحية وما نجم عنها من تداعيات كانت من أسباب تضعضع بنيان إمبراطورية الشرق الرومانية .

* * * *

عندما تناولنا الدولة الفارسية بالدراسة ، ذكرنا أن من بين أسباب انهيارها :
الحروب الطاحنة التي دارت بينها وبين الدولة البيزنطية وإذ أنها قاسم مشترك بينهما فلا موجب لسرد وقائعها مرة أخرى هنا ونحن بصدد بحث أحوال دولة الروامن في الشرق . بيد أننا سوف نوضح جانباً حربياً آخر ونعني به المعارك التي استخدمت كل واحدة منهما الدويلة العربية التي كانت تتبعها وتدين لها بالولاء .
كانت دولة الغساسنة تقع على مشارف الشام وسبقهم إليها الضجاعم ولكنهم غلبوهم وأنشأوا لأنفسهم دولة دخلت في تبعية مع الروم الذين درجوا على النظر إليها باستعلاء واستكبار ولكن بعد احتدام حروبهم مع الفرس خاصة في القرن الخامس الميلادي ( اضطروا إلى استنصار عرب الشام وهم الغساسنة) ( جرجي زيدان ، العرب قبل الإسلام ، طبعة جديدة ،ص214 ، دار الهلال ) .

قدر ملوك العرب عدد الملوك في غسان باثنين وثلاثين ملكا ، ولكن نولدكة نزل بهم إلى عشرة ملوك فحسب ، انما يهمنا منهم الحارث بن جبلة إذ أنه كان من أكبر أعوان بلزاريوس القائد الروماني في محاربة الفرس سنة 531 ) ( المرجع السابق ، ص216 ) .
لما أفلح كسرى أنو شروان في اجتياح الشام وآسيا الصغرى وكاد يفتح القسطنطينية العاصمة واهتزت مملكة الروم المشارقة ( وارتعدت فرائض القيصر فاستنهض قائده بليزاريوس واستنصر عرب غسان ، وخلع زعيمهم الحارث بن جبلة ، فمشى جند الروم بقيادة هذين الرجلين وتقدم بليزاريوس في معظم هذا الجيش ، حتى خالف جند كسرى في الطريق فنزل ما بين النهرين وتجاوز نصيبين إلى بلاد فارس وخلف الحارث وراءه ليستأثر بثمار الفتح والنهب ) ( جرجي زيدان ، العرب قبل الإسلام ، ص214)
وبلغ الحارث لدى الروم مكانة رفيعة حتى أن قيصرهم خلع عليه عدة ألقاب مثل : الصفي والمحترم والملك والمختار والأمجد والشريف ، كذلك استعمل الرومان الحارث في إنزال ضربات موجعة بدويلة المناذرة التابعة للفرس إذ نجح جوسنتيان في زيادة التوتر القائم بين عرب إمارة الحيرة ـ أي المناذرة ـ وبين الحارث بن جبلة وحرضه على القيام بغزوة انتقامية على أراضي الحيرة والقلاع الفارسية المجاورة ) ( د . محمد فتحي الشاعر ، السياسة الشرقية ، ص176 )
وكان ذلك هو الرد البليغ على ما قام به المنذر سنة 527 م من الإغارة على ثلاثة اقاليم رومانية قريبة من الحدود الفارسية وأنزل بها خراباً شديداً .

وبهذا يبين أن الرومان والفرس لم يكفيا بالمواجهة المباشرة بينهما بل عمل كل فريق على تحريض الدويلة التابعة له ، وكانت هذه الحروب غير المباشرة تكلف كلاً منهما الكثير من أسباب الوهن الذي أصاب كليهما .هذا بالإضافة إلي وجود قبائل عربية كانت تعمل لحسابها الخاص وتغير علي تخوم كل منهما ، وتنهب ما تسطيع نهبه مما كان ينال من هيبتهما ويكبدهما الكثير من الخسائر ( وهكذا نجد أن البدو يقومون في تاريخ الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية بدوري المغير والتاجر . وحاولت الإمبراطوريتان بشتى الطرق الدفاع عن نفسيهما من الغارات المعادية التي يشنها البدو للسلب والنهب ) ( مادة " بدوي " دائرة المعارف الإسلامية ، المجلد السادس ، ص194 ،إعداد وتحرير إبراهيم زكي خورشيد وآخرين ، طبعة دار الشعب بمصر ) .

ومن المشكلات التي عانت منها بيزنطة أن الدولة الفارسية قد ضيقت عليها الخناق في التجارة العالمية مما أصاب ماليتها بالعسر .. ( … هكذا أصبح من الواضح أن السياسة الرومانية فشلت أثناء عهد جوسنيان في مقاومة الاحتكار الفارسي للتجارة العالمية سواء في جزيرة سبلان أو في المواني الفارسية ذاتها ، وكان على رأس هذه السلع التجارية الحرير الصيني ) ( د . محمد فتحي الشاعر ، السياسة الشرقية .. ص179 ) . كذلك قام ذو نواس الحميري اليمني ببتر شريان التجارة بين الأحباش والرومان ، بأن قتل التجار الرومان وقطع طريق القوافل بين الحبشة وبيزنطة فأوعز قيصرها إلى ملك الحبشة لتأديب ذي نواس فاستجاب لندائه وأرسل قائديه أرياط وأبرهة فقاما بذلك ، ولكن الأخير خيب آمال قيصر بيزنطة ، إذ سلك سياسية شبه مستقلة ثم امتدت أطماعه إلى مكة لأنها كانت مركزاً تجارياً هاماً وطريقاً حيوياً للقوافل ، ولكنه فشل في ذلك لأن جيشه لم يتحمل حرارة جو الصحراء ، وهكذا يبين أن الدوافع وراء قتل ذي نواس لأصحاب الأخدود ، تجار الرومان النصارى ، وغزو أبرهة لمكة المعروفة بـ " واقعة الفيل " لم تكن دينية غيبية بل كانت بواعث اقتصادية وتجارية ( سيف على مقبل ، دراسات في التاريخ اليمني ، ص44 ، ط1 ، 1988 نشرته دار الهمداني ، عدن ـ اليمن ) .

لم يكن للفرس وغيرهم هم الذين حرموا بيزنطة من هذا الشريان التجاري الحيوي بل انضم إليهم اليمنيون وإلى حد ما الأحباش . وافتقاد دولة الرومان المشارقة لهذا المورد المالي ضاعف من مصاعبها وسارع في خطوات انهيارها .انقسم المجتمع الروماني المشرقي إلى طبقة الأشراف وطبقة العامة ، وهذه الأخيرة كانت محرومة من معظم حقوقها ولو أن أحوالها خاصة في العاصمة والمدن كانت أحسن بعض الشيء من نظيرتها في الدولة الفارسية ، إذ وجد بعض الأباطرة الذين حاولوا أن يقوموا ببعض الإصلاحات التشريعية والإدارية التي تنصف الشعب وعلى رأسهم جو ستنيان ، وفي المدن ( مما حال دون التقدم الاقتصادي ظهور نظام طوائف الصناع والتجار وقد كان هذا النظام يحول دون حرية التجارة والصناعة بعد أن أصبحت المهن وراثية ) ( د . محمد عبد المنعم بدر ود . عبد المنعم بدراوي ، مبادئ القانون الروماني ، ص129 ـ 130 ، ط 1956م ، نشرته دار الكتاب العربي بمصر ) . كما أن الضرائب كانت شديدة الوطأة على العامة ( وقد بلغ من قسوة الضرائب حتى وقت السلم أن الأغلبية العظمى من الإمبراطورية كانت فيما يبدو تعيش على الدوام فوق حد الكفاف بقليل وكان يزيد من شر هذه الضرائب الفادحة ما كان يتبع في جبايتها من أساليب ممقوته ، وكان المألوف أن تجمع الضرائب بطريقة الالتزام أي أن أتباع ضرائب الإقليم مقابل مبلغ من المال يدفع فوراً على حساب دافعي الضرائب المنكوبين وكثيراً ما كان يلجأ إلى العنف والتعذيب لاغتصاب آخر درهم لديهم ، وقد ألغى جستنيان هذا النظام في يوم من الأيام إلا أنه سرعان ما عاد إليه لشدة الحاجة إلى النقد ، إذا ما ذكرنا ازدهار العمارة والمجد الحربي أيام جستنيان فإن علينا أن نذكر الوجه الآخر في صورة الدولة في عهده ) ( ف . ن . بريس " القسطنطينية في عصر جستنيان " ص331 من الفصل الخامس والثمانين من تاريخ العالم ) .

كذلك كانت الألقاب والوظائف كبيرها وصغيرها تشتري بالمال ذلك أن الوظائف كانت موارد دخل تدور حولها المساومات ) ( ف.هـ . مارشال " الحركة البيزنطية في مظاهرها المختلفة " ص702 من الفصل الواحد بعد المائة من تاريخ العالم ) . وساءت حال الفلاحين الذين كانوا ( يعيشون في حماية كبار الزراع في حالة بين الحرية والرق ) ( د.محمد عبد المنعم بدر وآخر ، مبادئ القانون الروماني ، ص130 ) ويؤكد ف.ن. بريس هذه الحقيقة بقوله ( غير أنه لم يكن لأهل العاصمة ما يشكون منه إلا القليل فإنه علينا أن نذكر أن حظ أهل الريف كان تعساً إلى أقصى حدود التعاسة فكثيراً ما كان الغزاة يغيرون على أحسن أقاليم إمبراطورية جوستنيان ويخربونها فيحرقون منازلها ويتلفون زرعها ومحصولها ويتخذون أهلها التعساء عبيدا لهم يقتلونهم تقتيلاً ) ( ف. ن. بريس ، ص331 ) ويمكن إجمالاً أن يقال أنه ( من الناحية الاقتصادية كان العصر عصر تدهور فقد قل الرخاء بسبب القلاقل والاضطرابات التي سادت في هذا العصر ونتيجة للغزوات التي تعرضت لها الإمبراطورية فزال الأمن اللازم لازدهار المعاملات الاقتصادية ولذلك ارتفعت الأسعار ) ( د.محمد عبد المنعم بدر وآخر ، ص129 ) .

هذا البؤس الذي رزح تحت نيره الشعب هو الوجه الآخر من العملة ، أما وجهها الأول فهو الإسراف الذي كان سمة مميزة للأباطرة البيزنطيين ، بدءاً بالإمبراطور قسطنطين الذي أسس مدينة القسطنطينية وبذل في إنشائها الأموال الطائلة واستقدم العمال ومواد البناء من جميع الأرجاء حتى تكون جديرة بحاضرة الملك وتقف على قدم المساواة وتنافس روما عاصمة إمبراطورية الغرب ، وسار خلفاؤه على منواله إلى أن جلس على سرير الملك الإمبراطور جستنيان الذي كان ( دون ريب من كبار البناة في العالم ، إلا أن هذا الجهد الكبير استنزف موارد الإمبراطورية ) ( ف. ن. بريس ، ص326 ) .
فما هو هذا الجهد الكبير الذي استنزف المواد ؟ بنى العشرات من القصور والكنائس والتماثيل .. الخ وأعاد بناء القصر الإمبراطوري ومبنى مجلس الشيوخ وكنيسة الحكمة المقدسة ـ أيا صوفيا التي احترقت من بين ما احترق في ( ثورة انيقا ) ، وأنفق على تجديدها مبالغ أسطورية والأوصاف التي يوردها المؤرخون عن هذه الكنيسة تفوق ما يتصوره الخيال ، كذلك وحتى يخلد خاله الإمبراطور جوستين وزوجته تيودورا بنى باسم كل منهما مدينة ، أما المدن التي حملت اسم جستنيان بالشرق فهي عديدة ) ( د.محمد فتحي الشاعر ، السياسة الشرقية .. ص107 ) ولكن هذه المدن لم تخلد ذكره بقدر ما خلدته مجموعته القانونية ، لأن الأعمال الفكرية أبقى على الزمن من المنشآت المادية .

هذا الإسراف الجنوني في البناء والتشييد لمؤسسات لا يفيد منها الشعب فائدة مباشرة مع المبالغة المفرطة في الإنفاق عليها في حين أن الشعب كان يتكدس في مساكن متواضعة أشد ما يكون من التواضع وتفتقر في معظمها إلى المرافق الضرورية مع إحاطته بالمصاعب الحياتية من كل مكان ـ كل هذا شكل البواعث الدافعة لانتفاضة الشعب أو ثورته على جستنيان ثورة مسلحة حاول جهده فيها خلعه عن العرش وتنصيب آخر بدلاً منه وكاد النجاح يحالف الثائرين لولا رباطة جأش تيودورا زوجة الإمبراطور ودموية بلزاريوس الذي أجهز على ثلاثين ألف رجل من الثوار في ساعات قلائل عرفت في كتب التاريخ بـ " ثورة نيقا " أو " انتفاضة نيقا " .
وإذا عد جستنيان من أعاظم البناءين من بين الأباطرة أو حتى من بين حكام على مدار التاريخ فإن ذلك قد تم على حساب القاعدة الجماهيرية العريضة التي عاشت في أحوال متردية مزرية ـ نذكر هنا بما جاء سبق أن قلناه أنها كانت أحسن من نظيرتها الفارسية ـ ولكن ( كان النبلاء على ثراء حسن ، يعيشون في ترف ، وكان الذهب والعاج اللذان يطعم بهما أثاث القصور الفخمة يتلألأن في تلك القصور ، ولم يكن من غير المألوف على الإطلاق أن يقوم على خدمة صاحب القصر ألفان من العبيد أو ثلاثة آلاف ) ( ف. ن. بريس " القسطنطينية في عصر جستنتيان " ص331 ) .
هذا السفه الإمبراطوري والتفاوت الطبقي الرهيب هما إفراز طبيعي لمجتمع منحل متهرئ ، ولهذا لم نستغرب عندما نقرأ أن الدعارة كانت متفشية فيه لدرجة كبير حتى نساء الطبقة الراقية لم يفلتن من شباكها ، أما الفقراء والمعوزون فكانت ظروفهم البائسة تضطرهم وتدفعهم إلى بيع بناتهن في سوق البغاء بأبخس الأثمان ومن ثم انتشرت تجارة الرقيق الأبيض ، وغدت شوارع المدن وخاصة العاصمة تكتظ بالبغايا .حارب جستنيان هذا الداء الاجتماعي الوبيل بطريقة عملية بمعونة زوجته تيودورا التي قيل أنها تمارس تلك المهنة البغيضة قبل زواجها منه ـ بأن أقاما للبغايا اللائى كففن عن مزاولة البغاء دارا أطلقا عليها ( قصر التوبة ) وذلك بعد إصدار قانون يحرم البغاء ويقضي بمطاردة المتكسبين من تجارته ونفيهم إلى الخارج .كذلك كان اللواط متفشياً بين الطبقات كافة حتى القسس ، الأمر الذي حد الإمبراطور جستنيان إلى محاربة اللوطية وعقابهم والتشهير بهم وكان من بين الشواذ الذين شهر بهم بعض القساوسة .
ولم يكن هذا هو مظهر الفساد الوحيد في الكنيسة بل أنه سرى إلى شرايينها ( كان منصب الأسقف قد تطرق إليه الفساد والتدهور ، إذ كان في استطاعة أي أمي لا يعرف القليل عن مبادئ الإيمان المسيحي أن يصل إلى هذا المنصب طالما في مقدوره دفع الثمن المطلوب حتى ولو كانت حياته ملطخة بالوحل ) ( د.محمد فتحي الشاعر ، السياسة الشرقية ، ص129 ـ 130 ) .


ولعل ما يؤكد وصول مجتمع الإمبراطورية الرومانية الشرقية قمة الانحلال والتفسخ هو استشراء الفساد في مؤسسة دينية أخرى قامت أساساً على العفة والطهارة وقمع الشهوات والإعراض عن اللذات … الخ ونعني بها (المؤسسة الديرية ) فقد تغلغلت الجنسية المثلية في الأديرة التي تضم نوعاً واحداً ( السحاق في أديرة الراهبات واللواط في أديرة الرهبان ) ـ أما في الأديرة المشتركة أي التي تضم الرجال والنساء فقد تفشى الزنا والمخاذنة بل بلغ إلى حد قيام بعض الرهبان باغتصاب عدد من الراهبات ( بالرغم من أن عقوبة الاعتداء على الراهبة كانت تساوي الإعدام منذ عهد الإمبراطور يوفيان أوجوفيان 363 / 943 ) ( المرجع السابق ، ص136 ) ومن المضحك المبكي أن الاتصال الجنسي مع الراهبات في أديرتهن كان يتم تحت ستار استقدام الرهبان بعض الطقوس العبادية بل والجنائزية ، ولم يكتف الرهبان بنزواتهم داخل الأديرة بل امتدت نزواتهم إلى خارجها مثل : التردد على أماكن اللهو وتعاطي الخمور وغشيان بيوت الفواحش مما كان مثار سخرية جميع فئات الشعب وهبط بسمعة رجال الدين بعمومهم إلى الحضيض نهذا حفز الإمبراطور جوستنيان إلى إصدار تشريع من تسعة فصول لإصلاح أحوال المؤسسة الديرية وهو الـ ( نوفلا رقم 5 لسنة 535م عن الرهبان ) ( المرجع السابق ، ص239 ) .

تلك صورة إجمالية أو موجزة للإمبراطورية الشرقية ( البيزنطية ) أيام تخلق دولة قريش في يثرب ثم نموها فاستوائها على عودها ، يبين منها أن الإمبراطورية المذكورة كانت تترنح وتوشك على السقوط ولهذا كان طبيعياً أن تجتاح الجيوش العربية الإسلامية شطراً كبيراً من البلاد التي بسطت يدها عليها في فترة وجيزة ولا زال هذا الأمر يثير دهشة المؤرخين ، ولكن في الحقيقة لو أمعنا النظر في ظروف الإمبراطورية الرومانية لارتفع العجب وتأكد لدينا أنه كان متوقعاً بل ومحتوماً ، وأياً كان الرأي في هذه النقطة التي ربما يرى البعض أنها تخرج عن نطاق بحثنا وأننا أوردناها من باب الاستطراد ، فأن الأمر المتيقن أنه في الوقت الذي طفقت فيه أركان دولة قريش تتوطد حتى تأسست في يثرب وأعلنت عن نفسها كانت تلك الإمبراطورية قد حكمت عليها أحوالها بالذبول والانكماش ، وهذا جميعه بلا ريب جاء متوافقا مع مصالح القرشيين .


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 16:20   رقم المشاركة :7
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
Post




( 3 ) الأنصار : المزاج النفسي والظروف الموضوعية*

كان عقد بيعة العقبة علامة مميزة بل فارقة في تاريخ دولة قريش في يثرب ، فالأوس والخزرج (الأنصار فيما بعد ) الذين عاقدوا محمداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ أصبحوا من أشد اتباعه إخلاصاً وأكثرهم تضحية رحبوا بالقرشيين الذين هاجروا إلى بلدهم وشاركوهم تضحية ومعايشهم ، ( كانت الأنصار إذا جزوا تحلهم قسم الرجل ثمره قسمين أحدهما أقل من الآخر ، ثم يجعلون السعف مع أقلهما ، ثم يخيرون المسلمين فيأخذون أكثرهما ويأخذ الأنصار أقلهما مع السعف حتى فتحت خيبر ) ( أخرجه البزار عن جابر رضي الله عنه ) . وفي حديث آخر ( أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قدم المدينة فآخى رسول الله ( ص ) بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه فقال له سعد : أي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان أيتهما أعجب ) ( أخرجه الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه ) أي أيتهما أعجبتك أطلقها وتتزوجها ولكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رفض هذا العرض السخي وقال : (دلوني على السوق ، فدلوه فذهب فاشترى وباع وربح ، الخ ) ( الحديث نفسه ) والأحاديث في هذا الباب عديدة وقدموا الأنصار للرسول ( ص ) الأموال والمهج وحاربوا معه ببسالة نادرة كل من عاداه وقد أشاد بهم القرآن الكريم في كثير من الآيات ، كما اعترف محمد ( ص ) لهم بالفضل وبكل ما بذلوه وأنهم أؤوه ونصروه في الوقت الذي خذله فيه طواغيت قريش ( اللهم أعز الأنصار الذين أقام الله الدين بهم ، الذين آووني ونصروني وحموني ، وهم أصحابي في الدنيا وشيعتي في الآخرة وأول من يدخل الجنة من أمتي ) ( أخرجه البخاري عن عثمان رضي الله عنه وقال الهيثمي إسناده حسن ) . وفي حديث آخر ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولموالي الأنصار ) ( رواه الطبراني عن عوف الأنصاري رضي الله عنه ) والأحاديث في هذه المعاني كثيرة وكانت مؤازرة الأوس والخزرج لمحمد ( ص ) دون أي قيد أو شرط سوى ما وعدهم به من النعيم المقيم في الجنة ( قالوا أي الأنصار : أنه قد كان لك علينا شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة ، فقد فعلنا الذي سألتنا بأن لنا شرطنا فذاكم لكم ) ( رواة البزار من طريقتين وفيهما مجالد وفيه خلاف : وبقية رجال إحداهما رجال الصحيح ) بخلاف غيرهم من القبائل التي علقت مؤزارتها لمحمد ( ص ) على شرط هو أن يكون لها الأمر من بعده ( عن العباس رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) ذهب إلى منازل بكر بن وائل ومنازل بني عامر بن صعصعة ... فبدأ بـ " كندة " وعرض عليهم الإسلام فقالت كندة أن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله ( ص ) ،إن الملك لله يجعله حيث يشاء ، فقالوا لا حاجة لنا فيما جئتنا به … ) ( أخرجه الحافظ أو نعيم عن العباس رض الله عنه ) وكان هذا يضاهي ما رد به عليه بنو عامر بن صعصعة ( قال بحيرة بن فراس : أرأيت أن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك يكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر لله يضعه حيث يشاء ، فقال له : أنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه ) ( أخرجه الحافظ أبو نعيم ابن إسحاق عن الزهري ) والأمر في لغة العرب آنذاك يعني الحكم وهذا ما يتضح من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة .*ولم يكن الأنصار ( الأوس والخزرج ) بغافلين عن المخاطر التي سوف تواجههم من جراء إتباعهم لمحمد ( ص ) ومؤازرتهم إياه ( قال العباس بن عبادة بن فضلة الأنصاري أحد بني سالم بن عوف : هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم قال أنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود فإن كنتم ترون أنكم إذا وافون له بما دعوتموه إليه على نكهة المال وقتل الأشراف فخذوه ، فهو والله عز الدنيا والآخرة قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف ) ( أورده الشيخ محمد أبو زهرة ( كان أستاذي في كلية الحقوق ) في كتاب خاتم النبيين ( ص ) ص105 من المجلد الأول د.ت. نشرته دار الفكر العربي بالقاهرة ) ولكنهم كانوا يرون أن ذلك قليل في مقابل ما ينتظرهم في جنات الفردوس التي فيها ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر ، إذن العاطفة الدينية المتأججة في صدورهم كانت هي الباعث الدافع لهم على مسارعتهم لمناصرة محمد ( ص ) بل ( قد كانت حماسة الأنصار لهذه البيعة ( أي بيعة العقبة ) شديدة وبعضهم أراد تنفيذها ومحاربة قريش في عقر دارهم لقد قال العباس بن فضلة الذي نقلنا كلامه آنفا : يا رسول الله والذي بعثك بالحق : إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بسيوفنا ، فقال رسول الله ( ص ) ، لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم ) ( الشيخ محمد أبو زهرة ، خاتم النبيين ( ص ) ، ص502 ) .*ولا شك أن سكناهم مع اليهود في منطقة واحدة أعطتهم فكرة واضحة عن نظرية النبوة والحياة الأخرى والبعث والنشور والحساب والجزاء من الله تعالى لمن يعمل صالحاً ويجاهد في سبيله وذلك كله دون غيرهم من القبائل . إذاً الأوس والخزرج ( الأنصار ) نظروا في مسألة نصرهم للرسول محمد ( ص ) نظرة دينية أساسها العاطفة أما منظور الحكم والسياسة والإمارة والإدارة وما إليها فلم يخطر لهم على بال، على الأقل في بداية الأمر . إن مسارعتهم لمعاضدة محمد ( ص ) دون قيد أو شرط ـ خلا شرط الجنة ـ يقطع بأنهم كانوا يتمتعون بـ " شخصية عاطفية " وصاحب هذه الشخصية يتعامل مع الغير ومع الحياة بشكل عام بعاطفته أكثر مما يتعامل بعقله ، وفي حالة التضارب بينهما فإنه يغلب العاطفة على العقل ولذلك فإن أقواله تتسم بالمزاجية والاندفاع ) ( د. علي كمال ، النفس وانفعالاتها وأمراضها وعلاجها ، الجزء الأول ، ص91 ،ط4 ، 1989 م ، دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع ) ولعل ما يؤكد ذلك أن محمداً ( ص) ظل في مكة ثلاثة عشر عاماً ولم يتبعه سوى بضع عشرات لأن المكيين والقرشيين خاصة كانوا أصحاب " شخصية موضوعية " أو " شخصية طبيعية " وهي التي يتملك صاحبها خصائص ( يستطيع توجيهها بشكل متوازن نحو تحقيق هدف حياتي معين ) ( المرجع السابق ، ص82 ) والهدف عند صناديد قريش الذين عادوا محمداً ( ص ) كان هو كسب الأموال واكتنازها والعيش في بلهنية ، وفي الصورة المقابلة نرى أن استجابة الأوس والخزرج لمحمد ( ص ) لم تستغرق سوى أسابيع معدودة ، فبعد بيعة العقبة أرسل محمد(ص) مصعب بن عمير وكان يسمى القارئ والمقرئ لينشر الدعوة بين جموع الأوس والخزرج فآمن بها سريعاً كل من أسعد بن زرارة وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وكانا من وجوههم ( ورجع سعد ومصعب إلى منزل سعد بن زرارة فأقاما عنده يدعون الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون ) ( أخرجه ابن أسحق عن عبد الله بن بكر عن محمد بن عمرو بن حزم وغيره ) ( فإن المجتمع ككل وخاصة البيئة الاجتماعية المحيطة بالإنسان تمارس تأثيراً حاسماً على تكوين شخصيته ) ( علوم الاجتماع ، ص263 ، الترجمة العربية ، ط 1988م ، دار التقدم ، موسكو ) إذ أنه كما يقول علماء الاجتماع يرتبط الفرد بالمجتمع عبر خيوط كثيرة ، فظروف حياته المادية تتوقف كلية على مستوى التطور الذي بلغه في العصر المعين تطور القوى المنتجة في المجتمع ، ثم أن اهتمامه الروحية ، ونمط تفكيره ومبادئه الأخلاقية إن هذا كله نتيجة للتأثير الاجتماعي ويصبغ بصبغة الأنظمة الاجتماعية القائمة والتقاليد " القومية أو الإنسانية " التي صاغتها سلسلة عديدة من الأجيال ) ( المرجع السابق ، ص262 ) .*أما عن الظروف المادية لمجتمع الأنصار ( الأوس والخزرج ) فسوف نتحدث عنها فيما بعد ، أما عن الاهتمامات فالثابت أنهم تأثروا بمواطنيهم من اليهود وهم أهل الكتاب وسمعوا منهم عن الحياة الأخرى وما فيها من بعث ونشور وحساب وجزاء ونار ... الخ وفي المبحث الخاص عن " اليهودية " ذكرنا أن لهم " مدارس " في يثرب فتجذر لدى الأوس والخزرج مزاج نفسي معين دون غيرهم من أبناء القبائل (والتكوين النفسي يتعرض لتأثير عناصر ثابتة نسبياً مثل التقاليد والسمات الطبقية أو السمات الخاصة لفئة معينة والمهنة والشعب والأمة أو أي مجموعة أخرى ، كما تمتزج السمات الثابتة للتكوين النفسي بالعادات أو نمط الحياة الموروث من الأجيال القديمة ومن البيئة ، وغالباً ما يتم اكتساب هذه السمات دون اعتراض أو تفكير ) ( ب . بروشنيف ، علم النفس الاجتماعي والتاريخ ، ترجمة سعد رحمي ، ط1 ، 1986 ، دار الثقافة الجديدة بالقاهرة ) ، ولما كان اليهود وهم أهل كتاب سماوي فقد تمتعوا بتقدم معرفي وثقافي وتراثي وعقائدي عن الأوس والخزرج فحدث من جراء ذلك إيحاء بسمو أفكارهم وديانتهم والثقة بهم ( وقد ثبت بعض القوانين التي تحدد في أية حال وفي أية ظروف يزداد مفعول الإيحاء ، ففي حالة الإيحاء الاجتماعي أقيم البرهان على تبعية مفعول الإيحاء للعمر والحالة البدنية ... الخ ولكن الأهم هو أن عوامل سيكولوجية اجتماعية خاصة تفعل فعلها في حالة الإيحاء ، وقد أثبتت بحوث اختيارية كثيرة أن الشرط الحاسم لفعالية الإيحاء هو مكانة الموحي الذي خلق عاملاً خاصاً إضافياً للتأثير هو " الثقة " بمصدر الإعلام ، إن " مفعول الثقة " يتوقف سواء على شخصية الموحي أم على الفئة الاجتماعية التي تمثلها الشخصية..) (غالينا أندرييفيا، البسيكولوجيا الاجتماعية ، ترجمة ألياس شاهين ، ص170 ، ط 1988، دار التقدم بموسكو) وبذلك تضافرت " الشخصية العاطفية " التي كان يتمتع بها الفرد في الأوس والخزرج ( الأنصار ) والمزاج النفسي الجماعي " أو المجتمعي " الذي تخلق نتيجة البيئة التي عاشوها والإيحاء الذي وصل إليهم من اليهود أصحاب الكتاب المقدس " التوراة " ـ تضافرت العوامل على سرعة الاستجابة لمحمد ( ص ) وتأييده ونصرته .*وسبق أن ذكرنا تأثر الأنصار باليهود في نظرية النبوة وقرب ظهور نبي ولا حاجة بنا إلى تكراره ._**لم تكن هذه هي العوامل المنفردة بل انضاف إليها ما تولد عن الظروف المادية التي عاشها ذلك المجتمع من انعكاسات ذلك أن الأوس والخزرج كانوا يشعرون بقدر ملحوظ من الإحباط نتيجة لسيطرة " اليهود " على مقدرات " يثرب " الاقتصادية إذ كانت الزراعة والصناعة والأموال في أيديهم ( انظر المبحث الخاص عن اليهودية في هذا الكتاب ) .*أما بخصوص مجتمعهم فقد كان ينقسم إلى أغنياء أصحاب مزارع وحيطان ( بساتين ) نخل وإلى عمال يعملون فيها بالأجر وحملت لنا كتب السيرة نتفا من أخبار أغنياء الأنصار نذكر منهم على سبيل المثال :أ ـ سعد بن الربيع رضي الله عنه وسبق أن أوردنا الحديث الذي يقول فيه " أنا أكثر أهل المدينة مالاً " .ب ـ سعد بن عبادة رضي الله عنه ـ وسوف نذكره بعد قليل ( سيد جواد فهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها ، وكان وجيهاً من الأنصار ـ ذا سيادة ورئاسة يعترف قومه له بها وكان يحمل إلى النبي(ص) كل يوم جفنة مملوءة ثريدا وكانت تدور معه حيث دار ) ( عز الدين بن الأثير ، أسد الغابة في معرفة الصحابة ، تحقيق محمد إبراهيم البنا وآخرين ، " حرف السين " المجلد الثاني ، ص356 ، كتاب الشعب ، د.ت.، دار الشعب بمصر ) .ج ـ أسعد بن حضير رضي الله عنه فقد ( كان أبوه فارس الأوس في حروبهم مع الخزرج وكان له حصن " واقم " وكان رئيس يوم بعاث وأسلم أسيد قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير بالمدينة ( عز الدين بن الأثير ، أسد العابة في معرفة الصحابة ، المجلد الأول ، ص112 ، " حرف الألف " ) وامتلاك آل " حضير " لحصن " واقم " دليل على الثراء الواسع فضلاً عن تقليد اليهود الذين عرف عنهم تلك الحصون في منطقة يثرب ، ولقد أيد " أبو هريرة قال : أنكم تقولون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ( ص ) والله الموعد ، كنت رجلاً مسكيناً أخدم رسول الله ( ص ) على ملء بطني ، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم … ) ويعني أبو هريرة رضي الله عنه بالأموال التي وردت في حديثه : المزارع والبساتين ( الحيطان ) لأنه ميز بينها وبين التجارة ( الصفق في الأسواق ) شغل المهاجرين .*لقد توافرت في منطقة يثرب عدة عوامل جعلتها صالحة للزراعة ومثابة للبساتين والمزارع ( فقد كانت الزراعة في يثرب ومنطقتها تقوم على الري الاصطناعي بصورة رئيسية .. وكانت فيها شبكة ري واسعة تقوم على استثمار المياه السطحية والجوفية .. وكانت أوديتها تفيض بمياه السيول فتروي أراضي يثرب وأخصبها وأكثرها غلة بأيدي اليهود وأحبارهم ووجهاء الأوس والخزرج .. وكان كبار الملاك يستثمرون أراضيهم بطريقة " المؤاجرة " أو " المغارسة " أو " المزارعة " بالريع الثلث أو نصف الناتج أو أقل من ذلك أو أكثر ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، المجلد الأول ، ص74 ـ 75 ) .*ذاك إذن كان مجتمع " يثرب " قبيل " بيعة العقبة " أو وقتها : ملاك أثرياء يمتلكون الأراضي الزراعية والمزارع والبساتين والحصون .. الخ أحاطوا أو أحيطوا علماً بمعتقدات اليهود واطلعوا أو طلع البعض عليها ووقف على خبرها . ومزارعون فقراء يعملون في الري والزراعة أما بالأجر أو بالحصص وسمعوا عن تلك المعتقدات بالإضافة إلى أن الشوق إلى العدالة الاجتماعية كان يؤرقهم ويقض مضاجعهم ، فوجد هؤلاء وأولئك ما كانوا ينشدونه لدى محمد ( ص ) ومن هنا جاءت الاستجابة السريعة إليه وإلى نصرته .*كان الأوس والخزرج يتميزون بخلال حميدة منها : الشهامة والمروءة والنجدة وقد تمثل في ذلك إقدامهم على نصرة عبد المطلب عندما جحده عمه " نوفل " حقه واستولى على أملاكه بـ " مكة " واستجابتهم السريعة لمحمد ( ص ) ولكن من استقراء أخبارهم نجد أن " الحنكة السياسية " كانت تنقصهم فهم لم يشترطوا على محمد ( ص ) أن يكون لهم الأمر " الحكم " من بعده كما فعل بعض القبائل وقدمنا فيما سلف تعليل بذلك كما لم يطالبوا أبا بكر رضي الله عنه بأن يوفي لهم بالعهد الذي قطعه على نفسه " سقيفة بني ساعدة " بأن يتخذ منهم وزراء ـ والبراهين على افتقار الأوس والخزرج للدربة في شئون السياسة كثيرة ومعددة تعج بها دواوين السنة الصحيحة وموسوعات التاريخ العربي الإسلامي ، ولكن هناك ملمح بارز لا يخفي بل أن شديد الوضوح وهو عدم تنبههم إلى أن الدولة التي كانت تتخلق في يثرب بلدهم كانت هي دولة القرشيين وحدهم بغير منازع أو شريك وهي نقطة بالغة الأهمية إذا أنها خدمت تلك الدولة خدمة لا تقدر ، إذ لو فطن الأنصار ذلك لكان الوضع سيختلف ، وكان ذلك من حسن الطالع للدولة الناشئة خاصة في سنواتها الأولى وهي تخطو خطواتها الوانية ـأما عن الأدلة والقرائن التي تقطع بذلك فهي عديدة ونكتفي بواقعتين ربما تكون فيهما المقنع : ـ*الأولى : في الطريق إلى " فتح مكة " نادى زعيم الأنصار " سعد بن عبادة " رضي الله عنه ، نادى أبا سفيان قائلاً : " يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً " ، وفزع أبو سفيان من قالته فزعاً شديداً وأسرع إلى محمد ونقل إليه وعيد سعد بن عبادة إلى قريش ثم أضاف : " يا رسول الله أمرت بقتل قومك ؟ … إني أنشدك فيهم فأنت أبر الناس وأوصل الناس " ولم يكن أبو سفيان هو الوحيد في ذلك بل اضطرب لتهديد ابن معاذ قرشيان آخران هما عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ـ رضي الله عنهما ـ فقالا للرسول ( ص ) " ما نأمن سعداً أن يكون منه في قريش صولة " فقال محمد ( ص ) " يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعز الله فيه قريشاً " وأرسل إلى سعد فعزله ودفع الراية إلى ابنه قيس ( أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن رباح رضي الله عنه ) ، ولقد صدق الرسول فقد كان " فتح مكة " فعلاً عزا لقريش أبد الدهر ، إذ بعده دانت للجزيرة العربية كلها لدولتها في يثرب بالسيادة .*وظل سعد بن عبادة على وهمه أن الدولة التي قامت في موطنه ليست لقريش وحدها ، لذا لم يبايع أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ بالخلافة ولا عمر رضي الله عنه من بعده ولم يصل بصلاتهما ولم يحج بحجهما وبعد أن تولى عمر الخلافة ولم يستوزر كلاهما أحداً من الأنصار ، أدرك سعد بن عبادة الحقيقة التي لم يتنبه لها عن دولة يثرب ، فلم يطق فيها وشد رحاله وسافر إلى الشام وهناك اغتيل بطريقة غامضة ـ والتصفية الجسدية للخصوم والمعارضين خاصة إذا كانوا من ذمي المكانة والخطر أمر عرفته البشرية منذ قديم وفي كل العهود والبقاع ـ وحتى لا تثير قتل سعد بن عبادة رحمه الله تعالى أي شكوك لدى قومه من الأنصار أو يسبب أي متاعب ، أشيعت عنه أسطورة واستخدم الأسطورة كان عرفاً مستقراً آنذاك ـ مفادها أن الجن هي التي اغتالته وأن البعض سمه هاتفا من الجن يصيح :نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادةإذا رمينا بسهم نافذ أدمى فؤاده
*رحم الله سعد بن عبادة فقد كان كما وصفته كتب السيرة والتواريخ سخياً جواداً شجاعاً ومن خيرة صحابة رسول الله ( ص ) ولكنه لم يكن سياسياً حصيفاً .*الأخرى : لم يدرك الأوس والخزرج أن أنصار الدولة الذين أذروهم في البداية سوف ينتهي دورهم ومها كانت أهميته وخطورته وستكون أمام الدولة مهام أخطر لابد من مواجهتها والعثور على حلول لها ، ومن بينها معالجة أعداء الأمس إما بالترغيب أو بالترهيب والنظر إلى الحلفاء الجدد .*في غزوة " حنين " أفاء الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغانم وفيرة ( كان السبي ستة آلاف رأس ، والإبل أربعة وعشرين ألفاً والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية فضة ) ( أبن سيد الناس ، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، المجلد الثاني ، ص193 ، الناشر : دار المعرفة للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان ) وإذ كانت " غزوة حنين " بعد فتح مكة بدأت الأفاق تتفتح أمام دولة قريش في يثرب للسيطرة على الجزيرة العربية ، وكانت البراعة السياسية وسعة الأفق تحتمان تأليف قلوب الخصوم السابقين واسترضاءهم ، ومد البصر باستمالة شيوخ القبائل الأخرى وهم أنصار المستقبل حتى يتوافقوا مع طموحات دولة قريش الفتية في يثرب ( وبدأ الرسول ( ص ) بالأموال فقسمها وأعطى " المؤلفة قولبهم " أول الناس : فأعطى أبا سفيان أربعين أوقية ومائة من الإبل ، وقال : أبني يزيد ، قال : أعطوه 40 أوقية ومائة من الإبل ، قال : لإبني معاوية قال : أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل أعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ) ( المرجع السابق ) أعطى غيرهم من القرشيين منهم صفوان أبن أمية وآخرين عطايا أقل ، ثم ثنى برؤس القبائل الأخرى مثل أسيد بن حارثة الثقفي ، والأفرع بن حابس التميمي ، عيينة بن حصن الفزاري ، ومالك بن عوف وغيرهم ما بين مائة وأربعين من الإبل ، وكل هؤلاء سيد مطاع من قومه ، ولم يعط الرسول ( ص ) " الأنصار " شيئا ولكنهم لم يفطنوا إلى أنه في أمور السياسة وشئون الحكم ، لكل فريق دوره المحدد الذي يجب أن يقف عنده ولا يتعداه ، وأن الدور آنذاك كان لـ " المؤلفة قولبهم " سواء من أعداء الأمس أو من مؤيدي الغد ، أو من يرجح أن يصبحوا كذلك فأنشد أحد الشعراء معبراً عن عدم الرضى بما حدث مقروناً بضيق الأفق :*وأصبح نهبي ونهب الحصين : بين عيينة والأقرعوالحصين تصغير لـ " حصان الشاعر الذي شارك معه في الغزوة وعيينة والأقرع كانا من بين الذين / تألفهم الرسول محمد ( ص ) .*( وقال أناس من الأنصار ، حين أفاء الله على رسول ما أفاء من أموال " هوازن " وهي القبيلة التي هزمت في غزوة حنين ـ فطفق النبي ( ص ) يعطي رجالاً المائة من الإبل فقالوا أي الأنصار : يغفر الله لرسول الله ( ص ) يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ( أخرجه البخاري من حيث أنس بن مالك رضي الله عنه ) .*هكذا أثبت " الأنصار " بهذه المقولة افتقارهم للنظرة السياسية الصائبة ولم يتبينوا الغرض من وراء تأليف قلوب أبي سفيان وصفوان بن أمية والأقرع وعيينة وابن مرادس وإضرابهم وأهميته القصوى للدولة القرشية ، ووصلت إلى أسماع محمد ( ص ) احتجاجهم ، فجمعهم وخاطبهم بما يتفق ومزاجهم النفسي الذي كان هو أدرى الناس به ، ولا غرو فهو ـ عليه السلام ـ القائل ( خاطبوا الناس على قدر عقولهم ) ( فلما اجتمعوا قام النبي ( ص ) فجمعهم في قبة من أدم ـ جلد ـ ولم يدع معهم غيرهم وقال : ما حديث بلغني عنكم … إني لأعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا : يا رسول الله لقد رضينا ) (أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وهو تكملة الحديث السابق ) وفي رواية أخرى (أنتم الشعار والناس الدثار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاه والبعير وتذهبون برسول الله ( ص ) إلى دياركم ؟ قالوا : بلى ، قال : الأنصار كرشي وعيبتي ، ( أي بطانتي وموضع سري وأمانتي ) لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعبهم ولولا الهجرة لكنت أمراء من الأنصار ) ( أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ) وأثمر خطاب الرسول ( ص ) ثمرته الطيبة المرجوة فجاشت منهم العواطف ورضوا بعد سخط ( … ثم بكوا فكثر بكاؤهم وبكى النبي ( ص ) معهم ) ( أخرجه الطبراني من حديث السائب بن يويد رضى الله عنه ، وقال الهيثمي فيه رشدي ابن سعد وحديثه في الرقاق وبقية رجاله ثقات ) .*وهكذا في لحظة تاريخية نادرة التقى محمد ( ص ) الأوس والخزرج ( الأنصار ) بنا لديهم من مزاج نفسي وظروف موضوعية ، لتتكامل شروط النماء والازدهار لدولة قريش في يثرب .*



الباب الرابع
المقدمات الاجتماعية

المجتمع القبلي

كان مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ينقسم إلى :
" عرب " وهم سكان المدن والمراكز الحضرية وكانوا يسمون بـ " أهل المدر " أي أصحاب البيوت المبنية و " أعراب " وهم الذين يقنطون البادية وكان يطلق عليهم " أهل الوبر " أي الذين يعيشون في الخيام . وكان العربي يغضب إذا قيل له يا أعرابي ـ والأعرابي يرضى ويسر إذا قيل له : يا عربي .

ولقد أقر القرآن الكريم هذه التفرقة في عدد من آياته . كان أهل البوادي أو الأعراب أو أهل الوبر قبائل ( يسكنون الخيام ولا يقرون في مكان ، ينتجعون الكلأ ويتبعون مساقط المياه ومنابت العشب يرحلون إليها بأنعامهم التي ينتفعون بلحومها وألبانها ويكتسون بأصوافها وأوبارها ـ وهم ـ لجدب بلادهم وانصرافهم هن أوجه الكسب الأخرى ـ كانوا يقنعون من العيش بالكفاف ولا يتفننون في المطاعم والملابس بل كانوا يعيشون على اللبن والتمر واللحم لقلة مواطن الكلأ لديهم ، ولميلهم إلى الانتقال كانوا يأنفون من الاشتغال بالزراعة ويرون أنهم لم يخلقوا إلا للقتال ولم يعدهم الدهر إلا للصراع والنزال وأنهم لا ينبغي أن يتناولوا رزقهم إلا من سيوفهم ورماحهم ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص270 ، د ، ت ، دار الحياة ، بيروت ) .

إن ما كان يميز البدوي أو الأعرابي ـ وربما لازال ـ هو إيمانه الراسخ بأن رزقه يأتي من رمحه وسيفه فحسب وأنفته الشديدة من الزراعة والصناعة ويعتقد في قرارة نفسه أنهما لا تصلحان إلا للعبيد ومن على شاكلتهم ، ولم تكن الغزوات ـ والحال كذلك ـ أمراً عارضاً في حياة القبائل بل يصح القول أنها كانت في حالة غزو مستمر وأن أوقات " اللا غزو " أو " اللا إغارة " أو " اللا حرب " هي الاستثناء أو هي هدنة لالتقاط الأنفاس لشن غارة أو غزوة قادمة وشيكاً ، ومن هنا كانت القبيلة بحاجة لأن ترهب وتخاف وبحاجة لأن تعلم القبائل الأخرى مدى قوتها ، بل أنها بحاجة لأن يعلم أبناؤها هذا ويعتقدونه ، أو ليست حياتها حرباً دائمة ) ( د. عبد المجيد زراقط ، " الفرد والجماعة في الشعر الجاهلي " بحث بـ " الفكر العربي " مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية ، كانون الأول / ديسمبر 1988 ، العدد الرابع ، السنة التاسعة ، ص4) .

كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية ولو أن البعض من المستشرقين يرى أن الأسرة هي الخلية الاجتماعية ونحن نرجح الرأي الأول باعتبار أن القبيلة هي منبع القيم الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك المجتمع لا الأسرة ، فالفرد كان يشعر بولاء مطلق لا لأسرته بل لقبيلته في المقام الأول ، فهو الذي يذود عنها في وقت الإغارة عليها بل ويستميت في الدفاع عنها ويرى الموت في سبيل ذلك شرفا رفيعا والفرار عارا فهو يشارك في غزواتها التي تشنها ضد القبائل الأخرى ، وفي مقابل ذلك فإن القبيلة تضفي عليه حمايتها حال حياته وتطالب بديته عند قتله ، وإذا تبرأت منه عد " خليعا " وفي هذا الضياع المطلق ، فالارتباط بالقبيلة مثل " الجنسية " بالنسبة لـ " المواطن " في العصر الحديث .

وإذا خلعت القبيلة واحداً من أبنائها اعتبرت غير مسئولة عما يرتكبه من أفعال ، أما إذا قتل فلا يحق لها أن تطالب بدينه ، أي أنه فقد اعتباره أو كيانه المعنوي .

كانت القبيلة تتكون من طبقتين :
الفقراء وهم أغلب أفرادها ( كانوا يعيشون عيشة الكفاف ، قانعين أحيانا وساخطين عليه أحياناً ) ( د. عبد الجواد الطيب ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص119 ، ط 1982م ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ، تونس ) يسكنون في خيام حقيرة ويلبسون الأسمال البالية ويأكلون الطعام الخشن التافه ويقومون بالأعمال الشاقة ويقع على كواهلهم المكدودة العبء الأكبر في القتال ـ في الحرب ـ .

الأغنياء وهم الذين كانوا يمتلكون قطعان الإبل والشاه وعلى درجة ملحوظة من الغنى واليسار ويسكنون خياماً جيدة تحتوي على فرش وثير ويلبسون ملابس فاخرة ويأكلون طعاماً طيباً ، وبالجملة يتمتعون بقدر من الراحة والدعة والنعيم لا يتوافر لطبقة الفقراء ، وكان من بين هذه الطبقة فئة تسمى " السادة " يمتازون بأنهم يتحملون الكثير لإصلاح ذات البين أملاً بين عشائر وبطون وأفخاذ القبيلة ذاتها أو بين قبيلة وأخرى وكثيراً ما كانت مساعي الصلح هذه تؤدي إلى أن يتحملوا التزامات مالية قد تكون باهظة أو ضئيلة مثل دفع ديات القتلى من الطرفين المتنازعين . وبجانب هاتين الطبقتين كانت توجد فئة تسمى " الموالي " وتسميهم قواميس اللغة العربية " الزعانف " ويطلق على أحدهم " الزنيم " " والتنواط " وهو الذي يناط بالقوم أو يلتصق بهم وليس منهم (اللغوي : عيسى بن إبراهيم الحميري ، نظام الغريب في اللغة ، تحقيق محمد بن علي الأكوح ، ص83 ، ط1 ، 1400هـ / 1980 م ، دار المأمون للتراث ، دمشق )
، والموالي في الغالب عرب من أبناء قبيلة أخرى تركوها والتجئوا إلى أخرى تسبغ عليهم حمايتها أو من الأسرى الذين وقعوا في أسر القبيلة إثر غارة شنتها على قبيلتهم ثم من عليهم " أسيادهم " بفك أسرهم فتحولوا إلى " موالي " وقد يكونون من " الأعاجم" الذين كانوا " أرقاء " وافتدوا أنفسهم من ناتج أعمالهم من الحرف التي كانوا يجيدونها أو من عليهم سادتهم بـ " العتق " نظير خدمات أدورها لمن يملكهم أو للقبيلة كلها كإظهار شجاعة في إحدى الغزوات أو مهارة في أحد الأعمال وبعد عتقهم يظلون " ملتصقين " بالقبيلة ، والموالي فئة " بين بين " أقل مكانة من أبناء القبيلة " الخلص " أو الصرحاء " أو المحض " وأرفع رتبة أو درجة من " العبيد " أو " الرقيق " وكان يوجد نوع من التوارث بين الموالي وسادتهم .
و" الولاء " من الأنظمة الاجتماعية التي أخذها الإسلام من عرب ما قبله ( انظر كتابنا الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ) وأحكامه مبسوطة في موسوعات الفقه الإسلامي.

وفي مقابل " الموالي " يجيء " الخلعاء " وقد أشرنا لهم فيما سلف إشارة عابرة ـ وهم الأشخاص الذين تلفظهم قبائلهم وتتبرأ منهم ومن فعالهم وقد يتم ذلك كتابة أو بموجب إعلان يذاع عادة في "الأسواق العامة" التي لها وظائف أخرى متنوعة بجانب الأنشطة التجارية ، إذ رغم ارتباط الفرد بقبيلته وقناعته بأن حياته بدونها لا قيمة لها بل وموته كذلك ، كان يوجد أشخاص يتميزون بروح التمرد ولا تعجبهم الأوضاع التي كانت تسود " مجتمع القبيلة " خاصة التمايز المالي الذي يؤدي بدوره إلى " التمايز الاجتماعي " الذي يشطره ‘إلى " أغنياء " وهم قلة مترفة أو منعمة نسبياً و " فقراء " وهم الأغلبية التي تعاني شظف العيش ، فيثورون ويتركون القبيلة ، أو أولئك الذين تطردهم القبيلة وجميعهم يسمون " الخلعاء " ( وقد تصل الأمور بالفرد طالما أنه امتلك مفهوماً جديداً للانتماء إلى جماعة إلى مغادرة القبيلة والبحث عن مصيره في إطار جماعة أخرى يختارها بنفسه ، وقد تفعل القبيلة ذلك فتطرد الخارجين على قرارتها وكان هؤلاء يسمون " الخلعاء " أو " الصعاليك " ) ( د . عبد المجيد زراقط ، الفرد والجماعة في الشعر الجاهلي ، ص77 ) .

الصعاليك أو الخلعاء هم شبان فقراء أمثال " عروة بن الورد " و " تأبط شراً " و " السليك بن السلكة " و " الشنفري " ويسمون " ذؤبان العرب " جمع ذئب لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو ، ولكن مع فقرهم كانوا نبلاء ومن نبلهم أنهم كانوا لا يهجمون إلا على الأشحاء البخلاء من الأغنياء وكانوا يسمون "العدائين" لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو في السلب والنهب ( أحمد أمين ، الصلعكة والفتوة في الإسلام ، ص47 ، سلسلة " اقرأ " ، العدد الحادي عشر بعد المائة ، ط2 ، 1981م ، دار المعارف بمصر )
وكانت ظاهرة الصلعكة إفرازاً طبيعياً للأوضاع المختلة في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام وتركز الثروة في أيدي طبقة محدودة من أبناء القبيلة وهم الأغنياء بينما أغلبية أفرادها يئنون تحت وطأة الفقر والحرمان ، ويؤيد أحمد أمين وجهة النظر هذه إذ يذكر ( وقد أنتجت الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب هذه " الصلعكة " لأن أكثرهم كان من الفقراء ولا يجدون ما يأكلون وإذا حصلوا على شيء من غارة أو نحوها فشيخ القبيلة هو الذي يأخذ من الغنيمة حصة الأسد وهم لا يأكلون إلا الفتات ) ( المرجع السابق ، نفس الصفحة )
كانت النتيجة الطبيعية لهذا كله أن فر الصعاليك من مجتمعهم النظامي ليقيموا لأنفسهم بأنفسهم مجتمعاً فوضوياً شريعته القوة ووسيلته الغزو والإغارة وهدفه السلب والنهب ( د.يوسف خليف ، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ، ص55 ، ط4 ، 1986 ، مكتبة الدراسات الأدبية ـ 8 ـ )
فعلى سبيل المثال في قبيلة " هذيل " ( أغلب أفراد هذه القبيلة كانوا من الدهماء يعيشون عيشة الكفاف قانعين أحياناً ساخطين عليه أحياناً أخرى وبعضهم أو كثير منهم كان يعد من " الصعاليك " و" الذؤبان " مثل " الأعلم " و " صخر الغي " و " أبي جندب " وغيرهم ومع هذا كان " الخلعاء " من " هذيل " أقل من غيرهم ) ( د. عبد الجواد الطيب ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص119 ) .

يأتي الصعاليك أو الخلعاء في مرتبة تالية لفئة " الموالي " التي ذكرناها ، وهم أعلى درجة من طبقة " الرقيق " أو " العبيد " التي تتكون من أسرى الغارات والحروب أو بالجلب من الخارج كالحبشة أو بالشراء من سوق " النخاسة " وكانوا يقومون بأشق الأعمال وأحقرها تلك التي كان يأنف العربي أو الأعرابي من مزاولتها حتى ولو كان من طبقة الفقراء في القبيلة والعبيد على ذلك ، ( كانوا في هذه الفترة قوة منتجة لا استهلاكية فقط ... إلى جانب كونهم كانوا يشكلون حينئذ إحدى السلع الشائعة والرابحة ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص200 )
وكانت المتاجرة بهم نافعة وتمثل دخلاً كبيراً لمن يزاولها ويذكر الإخباريون أن عبد الله بن جدعان كان من كبار " النخاسين " وكون ثروته الفاحشة من " النخاسة " ومن فائض كسب العبيد والإماء بل أنه كان لا يتورع عن تشغيل " الإماء " في الزنا ويحصل على أجورهن من ذلك كما أنه كان يبيع أولادهن من " الزنا " ( وكان الرقيق في الجاهلية من السبي والنخاسة ، وعبودية الدين ، أما الأرقاء من مصدر الأسر فهم أولئك من العرب من الرجال والنساء الذين كانوا يقعون في أيدي القبيلة في حروبها ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص168 ) .

ومع تنامي التجارة واتساع حركتها مع استشراء الربا تزايد عدد " الأرقاء " واستخدمهم رؤساء القبائل وكبار التجار مثل صناديد قريش في مكة ، في الأنشطة كافة بداية بالخدمة المنزلية والعمل الشاق في المزارع والبساتين والمهن المرهقة وفي حراسة القوال ... الخ

وفي السيرة نجد أكثر من صحابي كان يعمل ذلك مثل عداس في الطائف وسلمان الفارسي في يثرب ، وكذلك الاشتراك في الغارات التي كانت تشنها القبائل ضد يعضها البعض ولعلنا نذكر الحلف الذي عقدته قريش مع " الأحابيش " والجدل الذي ثار حول حقيقة الأخيرين ، ورغم ما كان يؤديه " الرقيق " من أعمال شاقة وخدمات متنوعة ويقدمونه من تضحيات في سبيل سادتهم فإنهم كانوا في غاية البؤس والمسغبة .
ولكن " الصعاليك " أو " الخلعاء " أو " الذؤبان " امتازوا على فئة " الموالي " وطبقة " العبيد " بالشهامة والمروءة إذ أنهم ما كانوا يستأثرون لأنفسهم بما كان ينهبونه من الأغنياء البخلاء بل كانوا يعطونه طواعية واختياراً للفقراء والمعدمين الذين حكم عليهم " المجتمع القبيل " آنذاك بالعوز والفاقة والحرمان في حين كانت طبقة محدودة قليلة العدد تتمتع وحدها بالخيرات وتعيش منعمة نبياً فـ " الصعاليك " امتازوا بـ ( نظرات إنسانية متقدمة إذ كانوا يعمدون إلى تلك المأتي لإغاثة المعوزين ) ( منذر الجبوري ، أيام العرب وأثرها في الشعر الجاهلي ، ص66 ، ط2 ، 1986م ، دار الشئون الثقافية "آفاق " ، بغداد ـ العراق ) ،
وكان من بين " الصعاليك " شعراء معروفون جسدوا كل تلك المعاني في قصائدهم ( والذي يعنينا هو أن شعر هؤلاء الصعاليك كان مثالا لشعر سياسي طريف هو شعر الثورة والكفر بأوضاع فرضت عليهم الحرمان والفقر المدقع ) ( سمير عبد الرازق قطب ، أنساب العرب ، ص284 ) .

ونحن نخالف الباحث في مذهبه أن شعر " الصعاليك " هو شعر سياسي يمثل ثورة على الأوضاع ذلك أن " الصعاليك " أو " الذؤبان " أو " الخلعاء " لم يكن لديهم الوعي الكافي لتكوين تنظيم سياسي يقود ثورة تكتسح تلك الأوضاع الجائرة التي سادت آنذاك ، ولا تعدو أن تكون قصائدهم أو أشعارهم نفثات يعبرون بها عن تمردهم وسخطهم وشتان بين التمرد والثورة وفرق بين أبيات السخط والشعر السياسي ، وفي الحق أنه من الشطط أن نطالب " الصعاليك " بوعي يرقى إلى مستوى " ثورة " ، ويؤكد باحث آخر ما نذهب إليه إذ يقول ( وينعكس في أخبار الصعاليك وشعر شعرائهم إحساس مرير بوقع الفقر في نفوسهم وشكوى صارخة من الظلم الاجتماعي وهو أن منزلتهم واستنكار للعبودية والتمييز العنصري ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص163 ) .

ويرى د. يوسف خليف أن الصلعكة ( كانت عند عروة بن الورد نزعة إنسانية نبيلة وضريبة يدفعها القوي للضعيف والغني للفقير وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الاغنياء وتجعل لهم نصيب فيه بل حقاً يغتصبونه إن لم يؤد إليهم وتهدف إلى اتحيق لون من ألوان العدالة) (د. يوسف خليف ، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ، ص49 ) ولو أننا نرى في استعمال كلمة " اشتراكية " من قبل د.خليف نوعاً من الشطط وعدم توخي الدقة العلمية المضبوطة في استعمال الألفاظ .

وأياً كان الأمر فإن ظاهرة " الصلعكة " كانت نتاجاً طبيعياً للأحوال المختلة التي اعترت " مجتمع القبيلة " والمجتمع العربي عامة في شبه الجزيرة قبل بعثة محمد ( ص ) ، وأن ذلك المجتمع قد بلغ درجة الأزمة الحادة وكان من البادي للعين الفاحصة أن استمراره على ذلك النمط كان ضرباً من المستحيل وأنه كان يسير نحو الحل الذي يتمثل في " التوحيد " بكافة صوره وفي مقدمتها التوحيد الاجتماعي والسياسي وهو ما لعبته بمهارة وبراعة فائقتين دولة القرشيين في " يثرب " .

وكما كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية فقد كانت كذلك " الوحدة السياسية " ، إذ أنها بمثابة دولة صغيرة ، لها مقومات الدولة خلا عنصر الأرض الثابتة ، وذلك بسبب تنقلها وراء مصادر المياه والكلأ ، والمقصود بالأرض الثابتة الحدود المرسومة التي لا تتعداها ، فالواقع أنه كان لكل قبيلة مستقر تتحرك في أرجائه تتبع فيه موسم المطر ومنابت العشب حتى إذا انتهى الموسم عادت أدراجها إلى موطنها الأول ، ولذلك حفظ لنا الإخباريين مواطن بعض القبائل مثل :تميم وكانت تسكن بادية البصرة ، وهذيل تسكن جبالا قرب مكة ، وكنانة كانت تسكن جنوبي الحجاز ... الخ ( أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص8 ، ط13 ، 1982م ، مكتبة النهضة المصرية ) ، إذن المقصود أن عنصر الوطن كانت القبيلة تفتقر إليه .

أما حكم القبيلة فهو موكول إلى شيخها أو رئيسها أو سيدها ، ويشترط فيه أن يتميز بصفات معينة منها : الكرم والشجاعة والحلم والدهاء وسعة الصدر والحكمة والفصاحة ...الخ وبداهة يتعين أن يكون علة قدر من سعة الرزق وكثرة المال حتى يستطيع أن يفي بالتزامات الرئاسة ( فقد كان شيخ القبيلة أن يعين الضعفاء ويفتح بيته للنزلاء والأضياف ويدفع الديات عن فقراء القبيلة ) ( د. السيد عبد العزيز سالم ، تاريخ العرب قبل الإسلام ـ 1 ـ ص363 )
وكان يعاون شيخ القبيلة في إدارة شئونها " مجلس القبيلة " وهو يتكون من أفرادها ـ الأحرار الأصلاء ـ الذين بلغوا سن الأربعين ويتمتعون بعقل راجح وعادة ما يكونون على درجة من اليسر المالي ، ويجتمع المجلس غالباً في خيمة الشيخ ويتحاور أعضاؤه بحرية تامة في الأمور التي تهم القبيلة جميعها ، ولكن ليس شيخ القبيلة ملزما بأن يأخذ رأي " مجلس القبيلة " أو ما تستقر عليه أغلبيته وهو مطلق الحرية في القرار الذي ينتهي إليه فأحيانا يتبنى رأي المجلس وأخرى يطرب به عرض الحائط والثالثة يوافق على فكرة فرد واحد منهم …

ولعل هذا منشأ الفرق الجوهري بين نظامي " الشورى " و" الديمقراطية " التي يلزم فيها الأخذ برأي الأغلبية حتى لو خالف رأي الحاكم وهناك كثير من الباحثين لا يتلفت لهذا الفرق الجوهري ويخلط بين النظامين خلطاً معيباً ويعتبرهما شيئاً واحداً .

وفي مقابل حرية شيخ القبيلة المطلقة في إصدار القرار فأن عليه تقع المسئولية كاملة فإذا اتخذ قرارا أوقع القبيلة في مأزق أو نالها من ورائه خطر فأنه يكون عرضة للإطاحة به لأنه يكون قد أثبت عدم جدارته بادارة دفة شئون القبيلة .. وهو الذي يتولى قيادة مقاتلي القبيلة في الغارات أو الغزوات ـ وربما يشاركه في ذلك فرد منها يتميز بالمهارة القتالية أو الحنكة الحربية ، يطلق عليه لدى بعض القبائل " العقيد" .
وحكم سيد القبيلة نافذ على جميع أفرادها ولا يملك أحد عصيانه ، ولزعيم القبيلة بعض الامتيازات في الغنائم التي تنتج عن الغارة أو الغزو مثل :المرباع ( = ربع الغنيمة ) ، الصفايا ( = ما يصطفه لنفسه قبل قسمة الغنائم أو الفيء ) ، النشيطة ( = ما أصيب من مال نشوب القتال ) ، الفضول ( = ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة ) وهو ما ترى مقدار ليس بالهين أو البسيط ، وبعض هذه الامتيازات أقره الإسلام وكان النبي محمد ( ص ) يختص به .

وبداهة أن القبائل في الجزيرة العربية ـ رغم كثرتها ، كانت متناثرة ولا رباط بينها سوى الغزو والغارات ، بيد أن عدداً محدوداً منها قد عقد حلفاً بينها أو نشأت بينها " مصاهرة " ولكنه الاستثناء الذي لا ينال من القاعدة الراسخة وهي أنها كانت مشتتة ومتنافرة بل ومتعادية وقد أوجد ذلك " فراغاً سياسياً استفادت منه على أكمل وجه دولة القرشيين في يثرب ( إذ في ظل هذه الظروف كان الإسلام قد نجح في إقامة نواة دولة قوية في المدينة المنورة امتد نفوذها على جميع الحجاز ومناطق أخرى من جزيرة العرب مستفيداً من الفراغ السياسي الذي كان يسود الجزيرة في ذلك الوقت ) ( د.إحسان صدقي العمد ، حركة الأسةد العنسي " بحث في المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، العدد الرابع والثلاثون ، المجلد السابق ، ربيع 1989م ، تصدر عن مجلس النشر العلمي ، جامعة الكويت ) ،
ولعله من نافلة القول أن نذكر أن تفرق قبائل الجزيرة العربي لم يكن هو العامل الوحيد لـ " الفراغ السياسي " بل كانت هناك عوامل أخرى أشرنا إليها فيما سلف ولقد أحس كثير من زعماء القبائل آنذاك بذلك " الفراغ السياسي " وحاولوا ملأه ولكن الظروف الموضوعية والقدرات الذاتية لديهم لم تؤهلهم لذلك ( قال ابن إسحق : وقدم على رسول الله ( ص ) وفد بني عامر بن الطفيل … وقال له قومه : يا أبا عامر أن الناس قد أسلموا فأسلم ، قال : والله لقد كنت آليت ألا انتهى حتى تتبع العرب عقبي ، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ) ( أورده الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير 701/774هـ ، في السيرة النبوية ، تحقيق د. مصطفى عبد الواحد ، الجزء الرابع ، ص109 ، ط 1966م دار إحياء الكتب العربية بمصر )
، فهنا نجد عامر بن الطفيل سيد بني عامر كان يؤمل في زعامة الجزيرة العربية حتى " تتبع العرب عقبة " ـ ولم يكن هو الوحيد الذي راودته تلك الفكرة بل شاركه آخرون ، ولكن يتحقق له أولهم النجاح في ملء " الفراغ السياسي " وبعد " فتح مكة " غدا واضحا لكل ذي عينين من رؤساء وشيوخ القبائل أن قريشاً أصبحت سيدة الجزيرة العربية دون منازع ، فتوافدت على يثرب " المدينة " عشرات الوفود من مختلف أرجاء الجزيرة ، تبايع محمدا ( ص ) ، حتى سمى ذلك العام بـ " عام الوفود" وتعلن ولاءها المطلق لسيد قريش وقائد دولتها ، وعن بعض وفد " بني عبد القيس " يخبرنا ابن كثير ( فلما رأوا رسول الله ( ص ) وثبوا من رواحهم فأتوا رسول الله ( ص ) فقبلوا يده ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص89 )

وتقبيل اليد قديماً وحديثاً وفي أركان الدنيا الأربعة دليل حاسم على الاعتراف بالسيادة والرئاسة . كذلك عندما قدم " أعشى بني مازن " على النبي ( ص ) خاطبه بقوله ( يا سيد الناس وديان العرب ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص143 ) ، والذين قارنوا بين محمد وسليمان ـ الملك النبي ـ عليهما السلام ( فقال قائل منا ـ هم قوم عبد الرحمن بن أبي عقيل ـ يا رسول الله ( ص ) ألا سألت ربك " ملكاً " كملك سليمان ؟ قال فضحك رسول الله ( ص ) ثم قال : فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص165 ) .

وكانت الوفود التي وردت على يثرب في أواخر العام التاسع وأوائل العاشر الهجريين " وفوداً سياسية " جاءت لتعلن ولاءها لـ " دولة قريش " وقائدها ، ولم تكن وفوداً دينية والذي يؤكد هذه الحقيقة التي تنطق بها موسوعات السيرة النبوية ، هو أن بعض تلك الوفود كان يضم من بين أعضائه نصارى ( قدم على رسول الله ( ص ) الجاورد بن عمر بن حنش بن المعلي أخو " عبد القيس " في وفد " عبد القيس " وكان نصرانياً ) ( أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، 224/310هـ ، تاريخ الرسل والملوك ، الجزء الثالث ، ص136 ، ط2 ، 1969م ، دار المعارف بمصر )

وضم " وفد تغلب " ستة عشر رجلاً مسلمين ونصارى عليهم الصلب المذهبة فنزلوا دار رملة بنت الحارث) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص178 ) أو يكون الوفد كله من " النصارى " مثل " وفد أهل نجران " ( وذكر محمد ابن اسحق أن وفد نصارى نجران " كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم .. وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم وهم " العاقب " وكان أمير القوم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، و" السيد " وكان ثمالهم أي ملجأهم وصاحب رحلهم ، وأبو حارثة بن علقمة وكان " أسقفهم " و حبرهم " ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص106 ، 107 ) .

وإذا كان بعض هذه الوفود قد دخل في الإسلام بعد مقبلة النبي ( ص ) فذلك لأن " الدين " كان أحد مكونات " الدولة القرشية " والدخول في الإسلام إعلان من الذي أسلم على خضوعه المطلق للدولة لا عن إيمان صادق ، بدليل أن كثيراً من تلك القبائل إرتد عن الإسلام وحارب دولة قريش ، ( عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت :
توفي رسول الله ( ص ) فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها : اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب فوالله ما اختلفوا في واحدة إلا طار بحظها وغنائها عن الإسلام ) ( أورده أحمد يحي بن جابر المعروف بـ " البلاذري " في كتاب فتوح البلدان ، حققه د . صلاح الدين المنجد ، القسم الأول ، ص144 ، د.ت. مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة ) .

كان ابن القبيلة يعتز بنفسه اعتزازاً كبيراً ، إذ أنه هو الذي يحدد هويته ، فبدونه يتحول إلى " دعي " وهو من ينتسب إلى غير قبيلته أو قومه ، وندر أن اعتزت أمة بأنسابها مثل العرب ، ومن ثم يمكن الجزم بأن النسب " ملمح " عربي أصيل ينفرد به العرب دون سائر الناس ( والعرب مهتمون بأسابهم محتفظون بكيانها ، ومن الضياع عند القوم أن يجهل امرؤ نسبه ، أو أن يكون دعياً أو ملصقاً أو زنيماً ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص9 ) ، ويحكي لنا الإخباريين أن " النعمان بن المنذر " أثناء مفاخرته لـ " كسرى أنو شروان " تباهي وجد جده .. الخ بينما لا يعرف أعلى من أبيه . ولكن ما الباعث على اهتمام العربي بنسبه وحفظه إياه ؟
من المعلوم أن العرب " أمة أمية " ، لم يكن يعرف القراءة والكتابة فيها إلا عدد قليل غاية القلة ، أما الباقون وهم الألوف المؤلفة فقد جهلوها حتى ولو كانوا من سراتهم ، وكانوا يطلقون علة من يعرف القراءة والكتابة بالإضافة إلى صفتين أخريين " الكامل " من هنا تنبع أهمية حفظ الأنساب وأن تعيها الذاكرة الحافظة وتختزنها جيلا وراء جيل ، إذن المجتمع العربي آنذاك كان صاحب " ثقافة شفوية " بخلاف عدد من المجتمعات المعاصرة له كانت ذات " ثقافة مدونة " أو " كتابية " سواء تم ذلك على الورق أو على الحجر أو عليهما معاً .

ولسنا في حاجة إلى أن نذكر أننا نركز اهتمامنا في المقام الأول على المجتمع العربي وسط الجزيرة العربية وغربها حيث نشأت دولة قريش ، إذ الثابت أن " العربية الجنونية " أو " اليمن " عرفت " الثقافة الموضوع " في صورها المتنوعة ، و " الثقافة الشفوية " تعتمد على الذاكرة الفردية ثم الذاكرة الجماعية ، ونظرا لأهمية النسب في حياة العربي فقد كان "حفظه " أحد روافد " الثقافة الشفوية " ، وتخصص بعض الأشخاص في هذا النوع من " الفن " إذا صح أن يوصف بذلك ، وكانت لهم مكانة ومهابة منهم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ونذكر القارئ أنه اختير عضوا لحكومة الملأ وتولى الأشناق وهي الديات والمغارم بسبب أنه كان " نسابة " أي عالم بالأنساب ومن ثم كان في مقدوره تحديد الديات والمغارم حسب مكانة المجني عليه وما إذا كان محضا أو حليفا أو لصيقا أو زنيما …الخ ومعرفة الجاني ومكانه من القبيلة التي ينتمي إليها ، وحول النسب تحلقت الظواهر الاجتماعية التي تحدقنا عنها مثل : الخلع والولاء والحلف ..الخ كذلك تترتب على " النسب " آثار اجتماعية لا يمكن التهوين من شأنها : منها الميراث ، وتحديد مكانة الفرد في القبيلة فإن كان لصيقا أو زنيما فلا يحق له أن يشارك في " مجلس القبيلة " أو يتولى راستها ، وأيضا الكفاءة في الزواج فالمولى لا يحق له الزواج من امرأة ذات نسب صريح . لأن هذه الكفاءة انتقلت إلى الفقه الإسلامي فلا يجوز لغير الهاشمي أن ينكح ( يتزوج ) هاشمية ، وكذا تحديد المهور ، إذ أن مهر العربية الصريحة يفوق بما لا يقاس مهر غيرها .


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 16:25   رقم المشاركة :8
معلومات العضو
ابو هيثم

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
Post


ومن منظور النسب ( تضم القبيلة عادة ثلاثة أصناف :

( 1 ) صرحاء النسب وهم طبقة الأشراف وهم يتفاوتون في الشرف بتفاوت بيوتهم في الحسب
( 2 ) الموالى أو اللصقاء أو الملتصقين بالقبيلة بواسطة الجوار أو الحلف أو الاصطناع
( 3 ) العبيد المسترقين وهم في الغالب أسرى الحروب والغارات ) ( د.محمد عابد الجابري ، العصبية والدولة ، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي ، ص463، د.ت.، نشر " آفاق عربية " ، بغداد ) ولكن ما هو الحسب الذي تتفاوت فيه طبقة الأشراف ذات النسب الصريح ؟ ( الحسب هو نسب شريف وخلال حميدة ، وشرف النسب عائد بدوره إلى الخلال والشرف والحسب أنما هو الخلال ، ومعنى الحسب راجع إلى الأنساب ) ( د.محمد عابد الجابري ، ص440، نقلا عن " مقدمة ابن خلدون " الجزء الثاني ، ص432 ) .

إذن النسب الصريح الشريف إذا انضافت إليه الخلال الحميدة تحقق معنى الحسب ، وكلاهما من شروط الرئاسة والسؤدد في مجتمع الجزيرة العربية ، وقد فطن " القرشيون " إلى ذلك من وقت مبكر فبجانب نسبهم الصريح الشريف حرصوا على اكتساب الخلال الحميدة والسجايا الرفيعة والأخلاق العالية والصفات الممتازة فتحقق لهم الحسب المنيف ، وتحفظ لنا كتب السيرة الألقاب التي كانت تطلق على مؤسسي " دولة قريش " والتي تقطع بأنهم كانوا يتمتعون بنسب شريف وحسب منيف أهلهم لما وصلوا إليه من مجد ، فقد كان هاشم ( من أحسن الناس وأجملهم وكانت العرب تسميه " قدح النضار " و" البدر " ) ( الإمام محمد يوسف الصالحي الشامي ، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ، الجزء الأول ، ص219 ) وكان أخوه المطلب بن مناف ( ذا شرف في قومه وفضل وكانت قريش أنما تسميه " الفضل " لسماحته وفضله ) (الإمام محمد عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص158 ) وكانوا يسمون بني مناف بـ " المغيرات " مدحاً لهم وتعظيماً :

إن المغيرات وأبناءها خير أحياء وأموات ( المرجع السابق ، ص163 ) .

أما عبد المطلب الجد المباشر لمحمد ( ص ) فلقد تعددت ألقابه فهو الفياض والفضل ومطعم الطير وشيبة الحمد : بنو شيبة الحمد الذي وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدر .

وهكذا تكامل في قيادات قريش النسب الشريف والحسب الرفيع مما لم يتح لأي قبيلة أخرى من قبائل شبه الجزيرة العربية وكان ذلك أحد الدعامات البارزة التي ساهمت في ترسيخ الدولة التي أقامها الحفيد محمد (ص ) في يثرب .

كان المجتمع المديني أو الحضري يختلف عن المجتمع البدوي ، وأن كان يشابهه في بعض الملامح ، والمراكز الحضرية في الجزيرة العربية تركزت في : مكة والطائف ويثرب واليمامة وأن وجدت أصغر منها يمكن أن يطلق على مجتمعاتها حضرية عدا ذلك " العربية الجنوبية " أو اليمن ، وتميزت المراكز الحضرية فيما بينها :
فـ " مكة " غلبت عليها التجارة واليمامة غلبت عليها الزراعة ، أما في كل من " الطائف و " يثرب " فقد اختلطت في أرجائها الزراعة والصناعة والتجارة ، ولكن الزراعة كانت هي الأكثر ، وبداهة أن هناك فروقاً بين المجتمع المديني التجاري والمجتمع المديني الزراعي مع بروز الملامح أو القسمات المشتركة التي تفرقها عن مجتمع البادية .

وفي المراكز الزراعية تنوعت الزراعة في كل واحدة منها بحسب نوع التربة ومصادر المياه والطقس .
كذلك وجدت في المجتمع الحضري بعض الصناعات اليدوية :
كانت هناك صياغة الذهب وبها امتازت "يثرب " وكان يهود بني زهرة كانوا صياغاً وتملكوا ثلاثمائة متجر للمصوغات الذهبية ، وازدهرت دباغة الجلود في " الطائف " حتى أن المياه التي كانت تتخلف عنها تفوح فيها روائح عفنة تزكم الأنوف ، كما كانت تجفف العنب " الزبيب " ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص154 ) وظهر معدن الحديد في مضارب قبيلة " بني سليم " فبرعوا في صناعته ومن ثم أطلق جيرانهم لقب " القيون " جمع قين وهو الحداد ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص200 ) كذلك كانت هناك صناعة تحويلية في مكة تخصصت في " الأدم " أي الجلود ولو أنها كانت أقل شأناً منها في الطائف ، ويذكر الإخباريين أن قريشاً عندما أرسلت عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي في الحبشة بشأن المسلمين الذين هاجروا إليها بعثت معهما بهدايا قيمة من " الأدم " إليه وإلى بطارقته ليأمر بطردهم من بلده ولكنه رفض ورد الهدايا ، أما في اليمامة فقد كانت ( مرابع بني حنيفة مناطق زراعية في معظمها واشتهرت بزراعة التمور والحبوب حتى اعتمدت عليها في تصدير " الميرة " أي الحبوب إلى مناطق أخرى في الجزيرة العربية أهمها منطقة الحجاز وبصفة خاصة قريش في مكة ) ( د.إحسان صادق العمد ، حركة مسيلمة الحنفي ، ص28 ) ولا يفهم من هذا النص اقتصار النشاط الاقتصادي في اليمامة أو اعتماده على الزراعة وحدها ( إذ ساعد موقع منازلها في اليمامة عند ملتقى الطرق التجارية البرية من الحجاز واليمن إلى شرق الجزيرة العربية والعراق وفارس ، ساعد هذا الموقع على اشتغال بني حنيفة بالتجارة بما عرف بتجارة الترانزيت فضلا عن تصدير حاصلاتها الزراعية من حبوب وتمور ، وما اشتهرت به من منسوجات ) ( المرجع نفسه ، ص31) .

وكان العربي ساكن المراكز المدنية يأنف من امتهان الزراعة والصناعة ولكن بدرجة أقل من الأعرابي نزيل البادية ، ذلك أن ظروف بيئة العربي هي التي اضطرته إلى ذلك .

انقسم المجتمع الحضري أو المديني إلى طبقتين : الأغنياء والفقراء : والأغنياء هم التجار والمرابون وملاك الزراع وكثيراً ما كان الواحد منهم يجمع بين أكثر من نشاط اقتصادي ( وتتمثل قنوات استثمار أهل مكة على سبيل المثال ـ قبل بعثة محمد في : التجارة من الشمال والجنوب " رحلة الشتاء والصيف " والمضاربات والإقراض والاقتراض بالربا الفاحش " ربا النسيئة " واستثمار الأموال في مشاريع زراعية في مناطق الواحات الغربية كالطائف والمشاركة والمخالطة بين العمل ورأس المال واقتسام الأرباح خاصة في الأعمال التجارية ، والدعارة والترويج لها ضمن محلات خاصة واستغلال الإماء في ذلك وتجارة الرقيق ) (عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص43 ، ط1 ، 1968 م ، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس ـ ليبيا ) وممن كانوا تجاراً ويملكون مزارع في " الطائف " عمرو بن العاص ) اتخذ بستاناً .. عرف بكثرة كرمه وأنواع أعنابه ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص142 ) وغيره من (أثرياء قريش استغلوا أموالهم في الطائف واشتروا فيها الأرضين وغرسوها واستثمروها واشتروا بعض المياه وبنوا لهم منازل .. اتخذوها مساكن لهم في الصيف واسهموا مع رؤساء ثقيف في أعمال تجارية وربطوا حبالهم بحبالهم وحاولوا جهد إمكانهم ربط الطائف بمكة في كل شيء ) ( المرجع نفسه ، ص153 ) .

وذكر الإخباريون أن الربا كان ظاهرة لها قاعدة مستقرة في المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام ، أما إقراض المال وأخذ الربا فيه فأن الشواهد عليه كثيرة فهي منسوبة إلى أشخاص بأسمائهم ، ويذكر العلماء أن آية تحريم الزنا نزلت في " العباس بن عبد المطلب " و " خالد بن الوليد " وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا فجاء الإسلام ، ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال رسول الله ( ص ) "ألا أن كل ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " ) (محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص86 ، ط1 ، 1982 م ، دار الرشيد ، بغداد ) ، ولقد كان من آثار الربا ظهور ما يسمى بـ " عبودية الدين " ( فقد كان الفرد لسد رمقه ويعجز عن سداد الدين فيحق للمقرض استرقاقه أو بيعه أو يبيع منه ولده ، وبعضهم كان يقترض للمضاربة في التجارة ويعجز عن سداد الدين ، قالت بريرة لعائشة : كانت على أهلي تسع أواقي في كل عام أوقية فأعينيني فاشتريها فأعتقتها ) ( محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص91 ) وعبودية الدين استمر العمل بها في صدر الإسلام قبل نزول تحريم الربا ، قال الطحاوي : كان الحر يباع في الدين في أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقتضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك ، وحكى عن مكي أن النبي ( ص ) أمر به في صدر الإسلام ( تفسير القرطبي ، طبعة دار الشعب ، ص1179 ) وفي كتابه الربا أورد المستشار محمد سعيد العشماوي حديثا عن الدار قطني ( أن النبي ( ص ) قبل نزول آية الربا وجرياً على سنة العرب قضى باسترقاق شخص يدعى ( سُرق ) كان قد عجز عن الوفاء بدينه إلى دائنه ) ( محمد سعيد العشماوي ، الربا ، ص19 ، ط1، 1988 ، دار سينا للنشر بمصر ) ، ان استمرار ظاهرة عبودية الدين حتى صدر الإسلام وقضاء محمد ( ص ) باسترقاق ( سرق ) لعجزه عن دفع دينه ـ وذلك قبل تشريع تحريم الربا ـ يقطع بتمكن تلك الظاهرة وأنها كانت إحدى القواعد الاقتصادية المتعارف عليها في تلك الفترة .

وممن ذكره الإخباريين في المرابين : عبد الله بن جدعان وسبق أن ذكرنا نتفا من أخباره ، ومسعود بن عمر الثقفي ( في الطائف ) وغيرهما في المراكز المدنية بل وفي المجتمع البدوي ، ولسنا في حاجة إلى القول أن يهود يثرب كغيرهم أساتذة في النشاط الربوي .

كانت التجارة من أهم الأنشطة الاقتصادية في تلك المراكز وقد أوضحنا كيف تحولت تجارة مكة على يد القرشيين من المحلية إلى العالمية ، ولقد ساهم في ذلك عدد من العوامل منها عقود الإيلاف التي أبرمها هاشم بن مناف واخوته ( كذلك كان لاضمحلال الملاحة في أواخر عهد الروم " القرن الخامس الميلادي " وما بعده ، أثره في ظهور البر الحجازي ، فهو طريق رحلة الشتاء والصيف من اليمن والشام واستطاعت قوافل الجمال في هذا الطريق الذي يصل الجنوب بالشمال أن تحل محل تجارة البحرين من عدن القديمة وخليجي السويس والعقبة ، وقد أفاد عرب الحجاز لا سيما قريش من هذا التحول من تجارة البحر إلى تجارة البر بل كان ذلك أحد العوامل في ازدياد أهمية مكة وعدد غيرها من محطات القوافل على طول الطريق ) ( د.سليمان حزين ، " توسع العرب وانتشار الإسلام ، الحديث الرابع ، ص70 ، من كتاب إسلاميات ، ط1990 م، دار مودي للنشر ، لندن ) .

كان حصيلة تلك الأنشطة الاقتصادية المتنوعة أن تكدست الثروات في أيدي عدد محدود من رجالات قريش في مكة ، وثقيف بالطائف ، والأوس والخزرج واليهود بيثرب ، وبني حنيفة في اليمامة ، وصناديد قريش . أما عن الطائف وأغنيائها فقد ( ذكر عن عروة بن مسعود الثقفي أنه كان من رجال الذين كان عندهم عشر نسوة عند مجيء الإسلام ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص155) والزواج من عشر نساء في وقت واحد دليل على الغنى الوفير ، ذكر أهل الأخبار أن من أغنياء الطائف مسعود بن معتب الثقفي ، قيل أن له مالاً عظيماً وأنه أحد من قيل أنه المراد من الآية " على رجل من القريتين عظيم " ( محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص85 ) وقلنا أن من بين سادة ثقيف بالطائف : مسعود بن عمير بن عجر الثقفي وأنه كان أحد المرابين وعلى الدرجة نفسها من الملاءة واليسار ( كان سكان يثرب الأصليون من العرب ، ذوي خبرة في التجارة ومهارة في الزراعة حتى نافسوا اليهود بتجارتهم وتنمية أموالهم وأصبحوا أصحاب ثروات وحصون ومعاقل ) ( عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص23 ) ، وقد ألمعنا آنفاً في المبحث الخاص بالأنصار إلى وجود أثرياء أماثل وأصحاب حيطان " بساتين " وكروم نخيل وأطم " حصون " بين الأوس والخزرج ( الأنصار فيما بعد ) .

أما عن الثروة في اليمامة فقد بلغت في أيدي سادتها حداً كبيراً إذ كانوا في أعمال الزراعة يستعينون بالعبيد ... كما استعانوا بالموالي من العجم المجوس ) ( إحسان صادق العمد ، حركة مسليمة الحنفي ، ص29 ) ، وكان يحكم قبيلة بني حنيفة " ملك " مما يدل على حسن تنظيمها السياسي وارتفاع مستواها الاقتصادي ، ( وكان ملوكها يقيمون علاقة تجارية جيدة مع فارس والحجاز واليمن ) ( المرجع نفسه ، ص31 ) .

هذه أمثلة سريعة بقدر لزومها للبحث عن الأوضاع المالية المرتفعة التي وصل إليها أفراد طبقة الأغنياء في المراكز المدنية أو الحضرية في وسط وغرب شبه الجزيرة العربية حيث تأسست دولة قريش وكان أفراد تلك الطبقة يعيشون حياة رغدة ناعمة :

في بيوت مبنية ( لا في خيام كأثرياء البوادي ) ، مفروشة بأفخر أنواع الرياش ، ويلبسون الملابس الرقيقة ، والنعال المستوردة ، ويعتمون بالعمائم الملونة المجلوبة من الخارج ، ويأكلون أطيب الأطعمة ( استقدم عبد الله بن جدعان طباخاً من فارس ليعد له " الفالوذج " التي تطلق عليها العامة " البالوظة " ويشربون ألذ المشربات ويركبون الدواب الفارهة ذات السرج المطهمة ، وفي بيوتهم العدد الوفير من العبيد والإماء إما للخدمة أو المتعة ، ويتزوجون من النساء عددا كبيرا غير محدود ، ويقضون لياليهم في قصف ولهو ومقامرة ومعاقرة الخمور وسماع غناء الجواري المدربات على الغناء والرقص ، وقد ذكر أهل الأخبار أن عبد الله بن جدعان كانت له جاريتان بارعتان في الغناء مدحهما أمية بن أبي الصلت في أشعاره وأشاد بغنائهما ، كما أن عبد الله بن جدعان كان لا يشرب إلا في كؤوس من الذهب الخالص حتى سمى " حاسي الذهب " وكان من أبرز مهام العبيد حراسة هؤلاء الأغنياء الشخصية وحراسة منازلهم ـ وتفيض كتب الأدب مثل كتاب الأغاني للأصفهاني بالعديد من الحكايات التي تقطع بثرائهم الفاحش .


* * * *

أما طلقة الفقراء كانت تضم سائر الأفراد من سكان المراكز المدنية : باقي أعضاء القبيلة حتى ولو كانوا من " الخلص " ثن الموالي ، ومن تربطهم علائق ببعض السادة مثل الحلف أو الجوار ، والأرقاء ، ولم تكن تشمل " الخلعاء " أو " الصعاليك " أو " الذؤبان " أو " أغربة " إلا فيما قل ، لأن هؤلاء كانوا عادة ينزلون البوادي ، فطبيعة حياتهم أو منهج معيشتهم لا يتوافق مع الحياة الحضرية المستقرة .

إن قريش انقسمت إلى فرقتين : ( قريش الأباطح ) و ( قريش الظواهر ) وهو تقسيم أساسه التمايز الطبقي لا العرقي أو النسبي " من النسب " فكلهم قرشيون ينتمون إلى ( النضر بن كنانة ) ، فقريش البطاح من ولد فهر من دخل مع قصي الأبطح ، وقريش الظواهر من لد فهر : بنو الأدرم بن فهر ومعيص بن لؤي ومحارب بن الحارث إبنا فهر فهؤلاء قريش الظواهر ، وسائر قريش أبطحيون إلا رهط أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه وهم هلال بن أهيب وضبة بن الحارث بن فهر ورهط سهل وسهيل ابنى البيضاء وهم هلال بن ضبة بن الحارث بن فهر فأنهم دخلوا مع قصي فهم أبطحيون ) ( سمير عبد الرازق ، أنساب العرب ، ص47 ) فهنا نجد الذين انسلخوا رهطهم ودخلوا مع قصي لحقتهم " الأبطحية " فهي إذن تفرقة في الثروة والمكانة الاجتماعية المؤسسة على المال لا على الأصل أو النسب ، كما أنها " الأبطحية " تعطي صاحبها شرفا وامتيازا حتى أن معاوية بن أبي سفيان قد افتخر بها وهو خليفة وحاكم بأمر للعالم الإسلامي في زمانه .

هكذا تبين لنا أنه في المركز المديني ينقسم أفراد القبيلة الواحدة : فيلحق أحدها أو بطن أو فخذ منها بطبقة بينما يظل الباقون في طبقة أدنى ، لأن المقياس هو " تملك أدوات الثروة ووسائل الانتاج " ، ففي " باب القسامة " روى البخاري أن رجلاً من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ثم قتله لاعتقاده أنه أهمل في أداء عمله وظل الخبر سراً حتى وصل إلى علم أبي طالب بن عبد المطلب وكان آنذاك زعيم بني هاشم فتوجه إلى القاتل ( فقال : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فأنك قتلت صاحبنا ، وأن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ( وهذه هي القسامة ... من القسم ) وأن أبيت قتلناك به ) ( رواه البخاري في صحيحه في باب القسامة ، وأورده أحمد أمين في فجر الإسلام ، ص226 ) ، فهذا هاشمي من أسمى فروع قريش يعمل أجيراً لدى قرشي من فخذ آخر وتدفع غطرسة رأس المال صاحب العمل إلى قتله لمجرد توهمه أنه تقاعس في شغله ولو كان معيار التمايز نسبياً " من النسب " لكان الهاشمي هو صاحب العمل لا الأجير ، ولكنه تفاوت طبقي أساسه المال ، بل أن أبا طالب نفسه …( كان لا مال وكان ‘ذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادي لم يشبعوا ... وكان بنو أبي طالب يصبحون رمصاً عمصاً .. وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم أول البكرة ( يعني في الصباح ) فيجلسون وينتبهون ) ( الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص242 ) هذه عبارات صريحة النص والدلالة نعا على أن أبا طالب كان يعاني بشدة من قلة المال ،حتى أن أولاده كانوا لا يجدون كفايتهم من الطعام ولا ماء يغسلون به وجوههم ويزيلون عن عيونهم الرمص والعمص ، ويبدو أن حالة أبي طالب المالية استمرت كذلك بل تدهورت حتى غداً عاجزاً عن إعالتهم مما دفع أبي طالب محمدا عليه السلام بعد عدة سنين لأن يقترح على عمه الآخر الغنى ـ العباس ـ أن يتوجها معاً إلى منزل أبي طالب ليعودا باثنين من أبنائه لتخفيف العبء عن كاهله فأخذ العباس جعفرا وكفل محمد ( ص ) علياً ، ولعله بذلك كان يرد الجميل لأبي طالب لأنه بعد وفاة جده عبد المطلب آواه وضمه إلى أسرته .

إذن مواضعات ذلك المجتمع كانت تجيز أن يلحق الفقر برجل شريف من فرع سامق في القبيلة وله مكانة أدبية مرتفعة فيها بيد أن ذلك كله كان لا يخوله حق كسب ( عضوية نادي الأغنياء ) أو حتى مجرد دخوله ، نخلص من ذلك كله أنه كان يوجد من بين طبقة الفقراء في المركز المديني أو الحضري أفراد خلص أو صرحاء من القبيلة .

أما الفقراء فقد كانوا من الموالي أو اللصقاء أو المرتبطين بحلف أو جوار مع أحد الصناديد ، ثم الرقيق أو العبيد ، وكانت عيشة هذه الطبقة في عمومها ـ على تفاوت بين فرد وآخر أو فئة و أخرى ـ صعبة أشد ما تكون الصعوبة بائسة أبلغ ما يكون البؤس . ( أما الفقراء المستضعفون فكانوا يؤلفون سواد " العرب " أو جمهور العوام وكانوا يتآلفون من رعاة الأنعام وفقراء الفلاحين والعمال وصغار الباعة والفعلة وكانوا يسكنون الخيام البسيطة أو العشش أو أكواخ حقيرة يعيشون فيها عيشة ضنكة وجوعاً مستمراً ) (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص157 ) وكانوا يقنعون من العيش بالكفاف وليست لهم طاقة كالسادة الأغنياء كي يتفننوا في المطاعم والملابس بل كانوا يتبلغون بالتافه من المآكل ويلبسون الأسمال ، بل أنهم في بعض الحالات قد لا يجدون ما يسدون به رمقهم .

إن بعض الأسر في قريش ذاتها كانت تضطر إلى " الاحتفاد " أو " الاعتفار " عندما لا تملك قوت يومها وتفصل على أن تمد أيديها إلى غيرها تطلب منه الإحسان ، وكيف أن هاشماً شجب هذه العادة القبيحة وعمل على علاجها ، ولعله من نافلة القولل أن نذكر أن ذلك الاحتفاد أو الاعتفار من أثر الخلل الاجتماعي الذي حايث المجتمع المكي والذي شطره إلى : طبقة قليلة منعمة مرفهة وأخرى معوزة مملقة خالية الوفاض مما يحفظ عليها حياتها والاثنتان من أرومة واحدة !!!

كما سبق أن أوردنا في مبحث " حلف الفضول " أن من بين أسباب عقده "التآسي في المعاش " حسبما أورده صاحب " السيرة الشامية " فهو " مشروع " لإعادة التوازن ولو نسبياً بين طبقتي الأثرياء والمعدمين ولمنع ثورة توشك أن تهب فتطيح بذلك الوضع الجائر وبالفعل قامت بعض الفئات المضطهدة المحرومة بالشروع في ذلك ( ومن بيان أهل الأخبار عن الذين كانوا قد اعتصموا في " جبل تهامة " أنهم كانوا من الخارجين على الأعراف ومن الرقيق الآبق ، تجمعوا في هذا المكان المرتفع وتحصنوا وأخذوا يغتصبون من المارة ، وبقوا على هذا الحال حتى ظهر الرسول ( ص ) على أعدائه فوجدوا إذ ذلك أنهم لن يتمكنوا بعد ظهور الرسول من الاستمرار في التحرش بالمارة والتحرز بهذا الجبل وأن ظروفا جديدة قد ظهرت ستؤمن لهم سبل العيش ، وأن الرسول سيعفو عنهم ويفغر لهم ما وقع منهم قبل الإسلام فجاءوا إليه وأسلموا عنده وكتب لهم كتاب أمان بذلك ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب ، الجزء الرابع ، ص267 ) هذه مجموعة من الفقراء والعبيد الآبقين لم تطق صبرا على العيش الذليل الضيق فانتفضت وثارت على الأعراف الجائرة واعتصمت " بجبل تهامة " وأخذت تقطع الطريق على السابلة وتنهب ما تقع أيديهم عليه وظلت على ذلك إلى أن ظهر الرسول محمد ( ص ) على من عاداه ، وعلم أولئك المنتفضون أن ظرفا جديدا قد حدث أي أن هناك تنظيما سياسيا قد تخلق أو بمعنى آخر أن دولة قد تأسست لن تسمح لهم بالاستمرار في "خروجهم " ومن ناحية أخرى نمى إلى علمهم المبادئ الاجتماعية العادلة التي كان محمد ( ص ) يدعو إليها ، فانتهوا فيما بينهم إلى أنه لابد من الانصياع لسلطة تلك الدولة ومن ناحية أخرى الاستفادة من العدالة الاجتماعية التي تنشرها .

يرى العميد د.طه حسين أن مرآة الحياة " الجاهلية " يجب أن تلتمس من القرآن ، أي أنك إذا أردت أن تكون فكرة كاملة عن حياة العرب قبل الإسلام ( يسميها العميد : الجاهلية ) فـ ( أدرسها في القرآن ، فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي ، ونص القرآن ثابت لا شك فيه ) ( د.طه حسين ، في الشعر الجاهلي ، ص16 ، ط1 ، 1344هـ / 1926 م، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة ) ، والقرآن الكريم يحدثنا أن بعض العرب كان يئد أولاده خشية العوز والإملاق ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ، نحن نرزقهم وإياكم ) ( سورة الإسراء الآية / 31 ) ومن البديهي أن الذي كان يقدم على تلك الفعلة الشنعاء ، انما كان من الفقراء المستضعفين لا من الأغنياء المترفين ، ووصول الأمر بالعض ليفعل ذلك دليل أكيد على انحداره لحد هاوية العسر الشديد إذ أنه لم يجد ما يطعم به أولاده ففضل قتلهم على موتهم جوعاً بين يديه ، واضطراب الأحوال الاجتماعية في مجتمع مكة واختلال أحواله ووجود النسبة الغالبة فيه من المعوزين المملقين جعل هؤلاء يسارعون إلى الاستجابة لنداء محمد ( ص ) ، بمحو الفوارق الطبقية والتمايز الاجتماعي ( روى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد جلس المستضعفون من أصحابه : عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وصهيب ابن سنان وبلال بن رباح وأبو فكيهة ، وعامر بن فهيرة وأشباههم من المسلمين ، فتهزأ قريش بهم ، ويقول بعضهم لبعض : هؤلاء جلساؤه قد من الله عليهم من بيننا ) ( أحمد يحي المعروف بالبلاذري في أنساب الأشراف ، الجزء الأول ، ص156 ، ط1 ، 1959م ، سلسلة " ذخائر العرب " سنة 1927 م ، أخرجه معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية بالاشتراك مع دار المعارف بمصر ) ، ولم يكن المستضعفون من الرجال وحدهم هم الذين استجابوا لمحمد ( ص ) ، بل فعلها كذلك عدد من النساء منهن : سمية أم عمار بن ياسر ، ولبينة جارية بني المؤمل من رهط عدي بن كعب ، وزنيرة جارية أبي جهل ، والنهدية مولدة نهد بن زيد ثم صارت لامرأة من بني عبد الدار وأم عبيس أمة لبني زهرة ) ( المرجع نفسه ، ص198 ) ، هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن تردي الأحوال الاجتماعية بلغ حداً اضطر النساء للثورة مع ملاحظة وضع المرأة ووعيها حينذاك ، وهؤلاء العبيد والإماء كانوا في ملك أفخاذ وبطون بارزة من قريش مثل : بني عبد الدار ، بني مخزوم ، بني زهرة ، بني عدي ، بني تيم ، بني جمح ...الخ ولا شك أن ما عانوه من ظلم اجتماعي فادح أوقعه عليهم سادتهم المترفون دفعهم إلى الهرولة للاستجابة إلى الصيحة التي أطلقها محمد ( ص ) والتي انتهت في آخر الشوط إلى إقامة الدولة في " يثرب " خاصة وأن تلك الصيحة كانت مضخمة بروح العدالة الاجتماعية والمساواة .

* * * *

ولم يكن حال طبقة الفقراء أحسن منها في المراكز المدينية أو الحضرية الأخرى ، بيد أن المصادر ( كتب التراث ) ركزت على مكة لأنها شهدت ظهور البعثة المحمدية ثم على يثرب مهد دولة القرشيين ، ولكننا مع ذلك نجد نتفاً إخبارية عن حال المستضعفين في باقي المراكز المدنية ، مثل : كانت نسبة العبيد والموالي مرتفعة في " اليمامة " لشدة الحاجة إليهم لأداء الخدمة الشاقة في المزارع وتجارة الترانزيت وصناعة المنسوجات ، ولقد سجل الشاعر " جرير الخطفي " هذه الحقيقة في شعره
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
( إحسان صادق العمد ، حركة مسيلمة الحنفي ، ص29 ) .

ويرجح د.صالح أحمد العلي قلة عدد العبيد في يثرب لأن الصناعات كان يقوم بها اليهود مثل النجارة والحدادة وصياغة الذهب أو النساء في البيوت مثل الغزل والنسيج وخياطة الملابس ( ومن المحتمل اشتغال العبيد ببعض الصناعات غير أنه لا يوجد دليل على كثرة العبيد في " المدينة " ) ( د.صالح أحمد العلي ، الدولة في عهد الرسول ( ص ) ، المجلد الأول ، ص27 ) وهو رأي يأخذ به على علاته أو بتعبير آخر يتعين ألا نسلم به تسليماً مطلقاً بل علينا أن نمحصه ، ذلك أن " يثرب " كانت منطقة زراعية تحتاج إلى عبيد لفلاحتها ، بيد أن نص الدكتور العلي تحدث عن استخدام العبيد في مجال الصناعة فحسب ، فقد جاء في كتب السيرة النبوية أن " سليمان الفارسي " رضي الله عنه كان عبدا مملوكا كاليهودي يعمل في حائطه ( بستانه ) في يثرب ولما دخل الإسلام نصحه الرسول ( ص ) أن يكاتب على العتق أي يدفع له مالا نظير تحريره من رق العبودية ففعل وعاونه الرسول في ذلك ( د.حسن إبراهيم حسن ، زعماء الإسلام ، ص95 ، ط3 ، 1980 ، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة ) هذا مثل يدل على استخدام الرقيق في المزارع والبساتين والكروم وإذ أن الرقعة الزراعية في " منطقة يثرب " لم تكن ضيقة فلا شك أنها احتاجت لعدد ملحوظ إلى الكثرة من الأرقاء هذا بخلاف الأنشطة الأخرى ونعني بها الأنشطة الصناعية .

كذلك في " الطائف " التي امتازت بكثرة زروعها وبساتينها يتحتم أن يكون ( الثقفيون ) سادتها قد جلبوا عبيدا ليشتغلوا لهم في مستغلاتهم الزراعية خاصة وأنهم حضر مستقرون متقدمون بالقياس إلى بقية أهل الحجاز وفاقوا غيرهم في الزراعة ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص151 ، المرجع السابق ) ، إن الصفات التي استبغها عليهم د.جواد علي في النص المذكور تجعلنا نؤكد أنه من الصعب نفي استعانتهم بـ " الرقيق" في مزارعهم ، وينقل إلينا الإخباريين من كتب السية المحمدية أن محمدا ( ص ) عندما توجه إلى " الطائف " يدعو ثـقـفياً إلى الإسلام قابل هناك ( عداساـ غلام إي عبد ـ عتبة وشيبة ابني ربيعة ) وهو من أهل " نينوي " وكان يعمل لهما في مزارعهما وأنه قدم للنبي ( قطفا ) من عنب بأمر سيديه من أنتاج كرومهما هناك ( أبو القاسم السهيلي 508/581هـ ، الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام ، نحقيق طه عبد الرؤوف سعد ، الجزء الثاني ، ص179 ، ط 1391هـ/1971م ، من منشورات مكتبة ومطبعة عباس عبد السلام شقرون بمصر ) .

تلك الواقعة تدل على أن استخدام العبيد في مزارع " الطائف " كان أمراً شائعاً .

* * * *
هذه هي الطبقة الأخرى طبقة الفقراء المستضعفين التي تضم المملقين المعوزين من أبناء القبيلة الصرحاء الخلص ، ويجانبهم الموالي ومن على شاكلتهم من الملتصقين والمستجيرين والمتحالفين ثم الرقيق من عبيد وإماء وهم عصب الإنتاج في الأنشطة الاقتصادية كافة ، ومع ذلك كانوا يعيشون حياة كلها قساوة وشظف ومسغبة مما يقطع أن المجتمع العربي المديني الحضري دخل في مأزق وأنه لابد من البحث عن حل من قبل فئات الطبقة التي تحمل عبء هذا المأزق ، لقد وجد أفرادها بكل فئاتها الخلاص مما تعانيه في المسارعة للاستجابة للنداء الذي جهر به محمد ( ص ) لا لما كان يحمله من قسمات واضحة للعدالة الاجتماعية فحسب بل لأن هذا النداء جاء في أوانه ونضجت كل الظروف الموضوعية لانبعاثه من ناحية ولقبوله من الناحية الأخرى ـ فهو النداء الذي تداعى في الختام إلى قيام دولة قريش في يثرب على يد المنادي عليه السلام ، والقارئ المتمعن لوقائع تلك الحقبة سوف يتبين أن أفراد هذه الطبقة كان لهم دور بارز في شد أزرها في البداية بتحمل جميع أنواع الضغوط من قبل خصومها لو أدها في المهد ويورد لنا الإخباريين أسماء هؤلاء المستضعفين وقصصهم التي تبين مقاومتهم العنيدة لأعداء محمد عليه السلام ودعوته نذكر منهم : الأرقم ابن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود وخباب بن الأرت ، وصهيب وسلمان وعمار وبلال وأبو فكيهة وعامر بن فهيرة وغيرهم ـ رضوان الله عليهم ، ولذلك ظل محمد ( ص ) حتى آخر لحظة من حياته يقدرهم ويعرف لهم فضلهم فيما قدموه مبكرا ، إن موسوعات السيرة النبوية حافلة بالعديد من الأمثلة على ذلك ( روى أن خالد بن الوليد أغلظ لعمار بن ياسر وانطلق عمار يشكو إلى الرسول ، وجاء خالد يشكو وأغلظ له القول والرسول ساكت لا يتكلم ، فبكى عمار وقال : يا رسول الله ألا تراه ؟ فرفع الرسول رأسه وقال : من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله ) ( د.حسن إبراهيم حسن ، زعماء الإسلام ، ص90 ، المرجع السابق ) ، خالد بن الوليد أحد رجالات قريش المعدودين ومن بني مخزوم أحد فروعها البارزة ومن أغنيائها وكان شريكا للعباس بن عبد المطلب ، عم النبي ( ص) ويتمتع بمواهب عسكرية فذة إذ قيل عنه أنه ( لم يهزم قط لا في " الجاهلية " ولا في " الإسلام " ) ، بيد أن محمدا ( ص ) لم يعبأ بذلك والتفت إلى ما قدمه عمار في الأيام الصعبة الأولى ، هؤلاء المستضعفون عندما ترسخت أقدام الدولة في يثرب كان محمد يقدمهم على صناديد قريش من أمثال أبي سفيان فكان يأذن لهم بالدخول قبلهم ذلك وفاء منه لما أسدوه من خدمات عظيمة تجل عن الوصف في البدايات المبكرة للمسيرة .

لقد كانت طبقة الفقراء أصدق حساً تجاه نداء محمد ( ص ) فقد عرفت بفطرتها الطبيعية أنه النداء الذي تكاملت له الشروط وآذنت بانبعاثه ، ولا غرو تلك الطبقة ذاتها كانت نتاجاً شرعياً أو مولوداً شرعياً للمجتمع الحضري ـ خاصة في مكة ـ ويرى د.حمود العدوي أن ( الدعوة وصاحبها كانت محكومة إلى حد كبير بطبيعة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية السائدة … ولم تكن مجرد تعبير عن مفاهيم دينية وغيبية مثالية بحتة منبثقة عن مفاهيم مجردة ومنفصلة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي السائد … لقد كانت هي التعبير المباشر إلى حد وبشكل ما عن الطبقة الاجتماعية المسحوقة من عبيد وفقراء وصعاليك … فلم يكن الخلاف والعداء والمقاومة الشرسة التي لقيها محمد وأتباعه من قبل الأرستقراطيات السياسية والاقتصادية في المجتمع المكي القديم هو عداء وخلاف ديني بقدر ما أنه كان خلافاً وتناقضاً اجتماعياً وطبقياً في الأساس … ويؤكد هذه الحقيقة التاريخية انتشار مبادئ الدعوة في أوساط الفئات والطبقات المقهورة من العبيد والموالي وفقراء وصعاليك المجتمع المكي ) ( د.حمود العدوي ، المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي ـ دراسة عن المجتمع اليمني ، فصل عنوانه " تناقضات المجتمع المكي القديم " وبقصد المؤلف بـ " القديم " السابق على ظهور الإسلام ، ص163/164 ،ط2 ، سبتمبر 1989م ، د.ن ) والذي يؤكد ما ذهبنا إليه وأيدنا فيه حسين مروة وحمود العدوي أن الغالبية الساحقة من الذين استجابوا لمحمد (ص ) هم من طبقة المسحوقين من المجتمع المكي والذين كانوا سخرية وهزء صناديد قريش ويحدثنا القرآن الكريم أن خصوم الرسل وهم ( الملأ ) كانوا يطلقون على المستضعفين الذين يتبعون الرسل لقب (الأراذل ) .

ويؤكد " علم اجتماع المعرفة " حقيقة علمية هي أن الأفكار والآراء والعقائد والمعتقدات ما هي إلا إفراز أو نتاج للواقع المادي ، والمقصود بهذا الواقع تركيبة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وتبرز ( أهمية المصالح الاقتصادية في تكوين المعتقدات والآراء والقيم الإنسانية ) (البروفيسور دنكن ميشيل ، معجم علم الاجتماع ، ترجمة ومراجعة د,إحسان محمد الحسن في باب " علم الاجتماع المعرفة " ، ص243 ، ط2 ، مارس ( آذار ) 1986 م،دار الطليعة ، بيروت ) ، ويرى إميل دوركهايم ـ عالم الاجتماع المشهور أنها (وليد التركيب الاجتماعي لمجتمعنا فهي جزء منه وغالبا ما تؤيده وتسنده وتعكس الظواهر الأساسية للحياة الاجتماعية ) ( المرجع السابق ، الصفحة نفسها ) ، ويصدق هذا التوصيف على المجتمع المكي آنذاك ـ بصفة خاصة ـ ونذكر هنا بما سبق أن سطرناه وهو أن عاملا آخر قد امتاز به ذلك المجتمع وهو تسرب أفكار إليه من الديانتين الساميتين الإبراهيميتين : الموسوية والعيسوية اللتين كانتا تتمتعان بحضور ثابت الأركان في منطقة الحجاز ومنها مكة ـ من بين تلك الأفكار فكرة ظهور نبي منتظر أطل أو أظل زمانه ، وهذا العامل من المقطوع به أنه ساهم بفعالية شديدة في الترحيب بدعوة محمد ( ص ) إذ من المهم أن نلاحظ كيف ترتبط الحياة الفكرية في فترة تاريخية معينة بالقوى الاجتماعية والسياسية القائمة ..

وأضاف كارل مانهايم إليها مجموعة أخرى من الكيانات الاجتماعية مثل الأجيال والطوائف الدينية والمهن والكنائس والمدارس ..) ( د.محمد عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، باب " علم الاجتماع المعرفة " ص460 ، ط1 ، 1988م، دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ) أي أن الآراء والعقائد والأفكار والمعتقدات التي تسود مجتمعاً معيناً في فترة زمنية محددة لا تتأثر فحسب بالبني الاقتصادية والسياسية بل تضاف إليها ما يصدر عن بعض كيانات ذلك المجتمع مثل الطوائف والكنائس والمهن .. فهذه بدورها تؤثر على سائر بنيات المجتمع ولو أنها في الوقت نفسه تتأثر بها إلى حد ما ، فإذا طبقنا هذه الحقيقة العلمية التي أكدها علماء الاجتماع وخاصة في " علم اجتماع المعرفة " ، إذا طبقناها على المجتمع المكي السابق على البعثة المحمدية نجد أن العقائد والأفكار والمعتقدات والقيم التي ذاعت أو حتى ظهرت فيه هي انبثاق بطريق مباشر من واقعه الاقتصادي الاجتماعي وأيضاً وبدرجة ما عما كانت تبثه فيه الديانتان المتغلغلتان فيه وهما اليهودية والنصرانية ( سبق أن شرحنا ذلك ) من أفكار ومعتقدات ، ومن بينها أو أبرزها فكرة ظهور نبي منتظر قد أطل أو أظل زمانه .

الباب الرابع
المقدمات الاجتماعية
المجتمع القبلي
كان مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ينقسم إلى :
" عرب " وهم سكان المدن والمراكز الحضرية وكانوا يسمون بـ " أهل المدر " أي أصحاب البيوت المبنية و " أعراب " وهم الذين يقنطون البادية وكان يطلق عليهم " أهل الوبر " أي الذين يعيشون في الخيام . وكان العربي يغضب إذا قيل له يا أعرابي ـ والأعرابي يرضى ويسر إذا قيل له : يا عربي .
ولقد أقر القرآن الكريم هذه التفرقة في عدد من آياته .
كان أهل البوادي أو الأعراب أو أهل الوبر قبائل ( يسكنون الخيام ولا يقرون في مكان ، ينتجعون الكلأ ويتبعون مساقط المياه ومنابت العشب يرحلون إليها بأنعامهم التي ينتفعون بلحومها وألبانها ويكتسون بأصوافها وأوبارها ـ وهم ـ لجدب بلادهم وانصرافهم هن أوجه الكسب الأخرى ـ كانوا يقنعون من العيش بالكفاف ولا يتفننون في المطاعم والملابس بل كانوا يعيشون على اللبن والتمر واللحم لقلة مواطن الكلأ لديهم ، ولميلهم إلى الانتقال كانوا يأنفون من الاشتغال بالزراعة ويرون أنهم لم يخلقوا إلا للقتال ولم يعدهم الدهر إلا للصراع والنزال وأنهم لا ينبغي أن يتناولوا رزقهم إلا من سيوفهم ورماحهم ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص270 ، د ، ت ، دار الحياة ، بيروت ) .
إن ما كان يميز البدوي أو الأعرابي ـ وربما لازال ـ هو إيمانه الراسخ بأن رزقه يأتي من رمحه وسيفه فحسب وأنفته الشديدة من الزراعة والصناعة ويعتقد في قرارة نفسه أنهما لا تصلحان إلا للعبيد ومن على شاكلتهم ، ولم تكن الغزوات ـ والحال كذلك ـ أمراً عارضاً في حياة القبائل بل يصح القول أنها كانت في حالة غزو مستمر وأن أوقات " اللا غزو " أو " اللا إغارة " أو " اللا حرب " هي الاستثناء أو هي هدنة لالتقاط الأنفاس لشن غارة أو غزوة قادمة وشيكاً ، ومن هنا كانت القبيلة بحاجة لأن ترهب وتخاف وبحاجة لأن تعلم القبائل الأخرى مدى قوتها ، بل أنها بحاجة لأن يعلم أبناؤها هذا ويعتقدونه ، أو ليست حياتها حرباً دائمة ) ( د. عبد المجيد زراقط ، " الفرد والجماعة في الشعر الجاهلي " بحث بـ " الفكر العربي " مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية ، كانون الأول / ديسمبر 1988 ، العدد الرابع ، السنة التاسعة ، ص4) .
كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية ولو أن البعض من المستشرقين يرى أن الأسرة هي الخلية الاجتماعية ونحن نرجح الرأي الأول باعتبار أن القبيلة هي منبع القيم الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك المجتمع لا الأسرة ، فالفرد كان يشعر بولاء مطلق لا لأسرته بل لقبيلته في المقام الأول ، فهو الذي يذود عنها في وقت الإغارة عليها بل ويستميت في الدفاع عنها ويرى الموت في سبيل ذلك شرفا رفيعا والفرار عارا فهو يشارك في غزواتها التي تشنها ضد القبائل الأخرى ، وفي مقابل ذلك فإن القبيلة تضفي عليه حمايتها حال حياته وتطالب بديته عند قتله ، وإذا تبرأت منه عد " خليعا " وفي هذا الضياع المطلق ، فالارتباط بالقبيلة مثل " الجنسية " بالنسبة لـ " المواطن " في العصر الحديث .
وإذا خلعت القبيلة واحداً من أبنائها اعتبرت غير مسئولة عما يرتكبه من أفعال ، أما إذا قتل فلا يحق لها أن تطالب بدينه ، أي أنه فقد اعتباره أو كيانه المعنوي .
كانت القبيلة تتكون من طبقتين :
الفقراء وهم أغلب أفرادها ( كانوا يعيشون عيشة الكفاف ، قانعين أحيانا وساخطين عليه أحياناً ) ( د. عبد الجواد الطيب ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص119 ، ط 1982م ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ، تونس ) يسكنون في خيام حقيرة ويلبسون الأسمال البالية ويأكلون الطعام الخشن التافه ويقومون بالأعمال الشاقة ويقع على كواهلهم المكدودة العبء الأكبر في القتال ـ في الحرب ـ .
الأغنياء وهم الذين كانوا يمتلكون قطعان الإبل والشاه وعلى درجة ملحوظة من الغنى واليسار ويسكنون خياماً جيدة تحتوي على فرش وثير ويلبسون ملابس فاخرة ويأكلون طعاماً طيباً ، وبالجملة يتمتعون بقدر من الراحة والدعة والنعيم لا يتوافر لطبقة الفقراء ، وكان من بين هذه الطبقة فئة تسمى " السادة " يمتازون بأنهم يتحملون الكثير لإصلاح ذات البين أملاً بين عشائر وبطون وأفخاذ القبيلة ذاتها أو بين قبيلة وأخرى وكثيراً ما كانت مساعي الصلح هذه تؤدي إلى أن يتحملوا التزامات مالية قد تكون باهظة أو ضئيلة مثل دفع ديات القتلى من الطرفين المتنازعين .
وبجانب هاتين الطبقتين كانت توجد فئة تسمى " الموالي " وتسميهم قواميس اللغة العربية " الزعانف " ويطلق على أحدهم " الزنيم " " والتنواط " وهو الذي يناط بالقوم أو يلتصق بهم وليس منهم (اللغوي : عيسى بن إبراهيم الحميري ، نظام الغريب في اللغة ، تحقيق محمد بن علي الأكوح ، ص83 ، ط1 ، 1400هـ / 1980 م ، دار المأمون للتراث ، دمشق ) ، والموالي في الغالب عرب من أبناء قبيلة أخرى تركوها والتجئوا إلى أخرى تسبغ عليهم حمايتها أو من الأسرى الذين وقعوا في أسر القبيلة إثر غارة شنتها على قبيلتهم ثم من عليهم " أسيادهم " بفك أسرهم فتحولوا إلى " موالي " وقد يكونون من " الأعاجم" الذين كانوا " أرقاء " وافتدوا أنفسهم من ناتج أعمالهم من الحرف التي كانوا يجيدونها أو من عليهم سادتهم بـ " العتق " نظير خدمات أدورها لمن يملكهم أو للقبيلة كلها كإظهار شجاعة في إحدى الغزوات أو مهارة في أحد الأعمال وبعد عتقهم يظلون " ملتصقين " بالقبيلة ، والموالي فئة " بين بين " أقل مكانة من أبناء القبيلة " الخلص " أو الصرحاء " أو المحض " وأرفع رتبة أو درجة من " العبيد " أو " الرقيق " وكان يوجد نوع من التوارث بين الموالي وسادتهم .
و" الولاء " من الأنظمة الاجتماعية التي أخذها الإسلام من عرب ما قبله ( انظر كتابنا الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ) وأحكامه مبسوطة في موسوعات الفقه الإسلامي.
وفي مقابل " الموالي " يجيء " الخلعاء " وقد أشرنا لهم فيما سلف إشارة عابرة ـ وهم الأشخاص الذين تلفظهم قبائلهم وتتبرأ منهم ومن فعالهم وقد يتم ذلك كتابة أو بموجب إعلان يذاع عادة في "الأسواق العامة" التي لها وظائف أخرى متنوعة بجانب الأنشطة التجارية ، إذ رغم ارتباط الفرد بقبيلته وقناعته بأن حياته بدونها لا قيمة لها بل وموته كذلك ، كان يوجد أشخاص يتميزون بروح التمرد ولا تعجبهم الأوضاع التي كانت تسود " مجتمع القبيلة " خاصة التمايز المالي الذي يؤدي بدوره إلى " التمايز الاجتماعي " الذي يشطره ‘إلى " أغنياء " وهم قلة مترفة أو منعمة نسبياً و " فقراء " وهم الأغلبية التي تعاني شظف العيش ، فيثورون ويتركون القبيلة ، أو أولئك الذين تطردهم القبيلة وجميعهم يسمون " الخلعاء " ( وقد تصل الأمور بالفرد طالما أنه امتلك مفهوماً جديداً للانتماء إلى جماعة إلى مغادرة القبيلة والبحث عن مصيره في إطار جماعة أخرى يختارها بنفسه ، وقد تفعل القبيلة ذلك فتطرد الخارجين على قرارتها وكان هؤلاء يسمون " الخلعاء " أو " الصعاليك " ) ( د . عبد المجيد زراقط ، الفرد والجماعة في الشعر الجاهلي ، ص77 ) .
الصعاليك أو الخلعاء هم شبان فقراء أمثال " عروة بن الورد " و " تأبط شراً " و " السليك بن السلكة " و " الشنفري " ويسمون " ذؤبان العرب " جمع ذئب لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو ، ولكن مع فقرهم كانوا نبلاء ومن نبلهم أنهم كانوا لا يهجمون إلا على الأشحاء البخلاء من الأغنياء وكانوا يسمون "العدائين" لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو في السلب والنهب ( أحمد أمين ، الصلعكة والفتوة في الإسلام ، ص47 ، سلسلة " اقرأ " ، العدد الحادي عشر بعد المائة ، ط2 ، 1981م ، دار المعارف بمصر ) وكانت ظاهرة الصلعكة إفرازاً طبيعياً للأوضاع المختلة في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام وتركز الثروة في أيدي طبقة محدودة من أبناء القبيلة وهم الأغنياء بينما أغلبية أفرادها يئنون تحت وطأة الفقر والحرمان ، ويؤيد أحمد أمين وجهة النظر هذه إذ يذكر ( وقد أنتجت الحالة الاجتماعية في جزيرة العرب هذه " الصلعكة " لأن أكثرهم كان من الفقراء ولا يجدون ما يأكلون وإذا حصلوا على شيء من غارة أو نحوها فشيخ القبيلة هو الذي يأخذ من الغنيمة حصة الأسد وهم لا يأكلون إلا الفتات ) ( المرجع السابق ، نفس الصفحة ) كانت النتيجة الطبيعية لهذا كله أن فر الصعاليك من مجتمعهم النظامي ليقيموا لأنفسهم بأنفسهم مجتمعاً فوضوياً شريعته القوة ووسيلته الغزو والإغارة وهدفه السلب والنهب ( د.يوسف خليف ، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ، ص55 ، ط4 ، 1986 ، مكتبة الدراسات الأدبية ـ 8 ـ ) فعلى سبيل المثال في قبيلة " هذيل " ( أغلب أفراد هذه القبيلة كانوا من الدهماء يعيشون عيشة الكفاف قانعين أحياناً ساخطين عليه أحياناً أخرى وبعضهم أو كثير منهم كان يعد من " الصعاليك " و" الذؤبان " مثل " الأعلم " و " صخر الغي " و " أبي جندب " وغيرهم ومع هذا كان " الخلعاء " من " هذيل " أقل من غيرهم ) ( د. عبد الجواد الطيب ، هذيل في جاهليتها وإسلامها ، ص119 ) .
يأتي الصعاليك أو الخلعاء في مرتبة تالية لفئة " الموالي " التي ذكرناها ، وهم أعلى درجة من طبقة " الرقيق " أو " العبيد " التي تتكون من أسرى الغارات والحروب أو بالجلب من الخارج كالحبشة أو بالشراء من سوق " النخاسة " وكانوا يقومون بأشق الأعمال وأحقرها تلك التي كان يأنف العربي أو الأعرابي من مزاولتها حتى ولو كان من طبقة الفقراء في القبيلة والعبيد على ذلك ، ( كانوا في هذه الفترة قوة منتجة لا استهلاكية فقط ... إلى جانب كونهم كانوا يشكلون حينئذ إحدى السلع الشائعة والرابحة ) ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص200 ) وكانت المتاجرة بهم نافعة وتمثل دخلاً كبيراً لمن يزاولها ويذكر الإخباريون أن عبد الله بن جدعان كان من كبار " النخاسين " وكون ثروته الفاحشة من " النخاسة " ومن فائض كسب العبيد والإماء بل أنه كان لا يتورع عن تشغيل " الإماء " في الزنا ويحصل على أجورهن من ذلك كما أنه كان يبيع أولادهن من " الزنا " ( وكان الرقيق في الجاهلية من السبي والنخاسة ، وعبودية الدين ، أما الأرقاء من مصدر الأسر فهم أولئك من العرب من الرجال والنساء الذين كانوا يقعون في أيدي القبيلة في حروبها ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص168 ) . ومع تنامي التجارة واتساع حركتها مع استشراء الربا تزايد عدد " الأرقاء " واستخدمهم رؤساء القبائل وكبار التجار مثل صناديد قريش في مكة ، في الأنشطة كافة بداية بالخدمة المنزلية والعمل الشاق في المزارع والبساتين والمهن المرهقة وفي حراسة القوال ... الخ وفي السيرة نجد أكثر من صحابي كان يعمل ذلك مثل عداس في الطائف وسلمان الفارسي في يثرب ، وكذلك الاشتراك في الغارات التي كانت تشنها القبائل ضد يعضها البعض ولعلنا نذكر الحلف الذي عقدته قريش مع " الأحابيش " والجدل الذي ثار حول حقيقة الأخيرين ، ورغم ما كان يؤديه " الرقيق " من أعمال شاقة وخدمات متنوعة ويقدمونه من تضحيات في سبيل سادتهم فإنهم كانوا في غاية البؤس والمسغبة .
ولكن " الصعاليك " أو " الخلعاء " أو " الذؤبان " امتازوا على فئة " الموالي " وطبقة " العبيد " بالشهامة والمروءة إذ أنهم ما كانوا يستأثرون لأنفسهم بما كان ينهبونه من الأغنياء البخلاء بل كانوا يعطونه طواعية واختياراً للفقراء والمعدمين الذين حكم عليهم " المجتمع القبيل " آنذاك بالعوز والفاقة والحرمان في حين كانت طبقة محدودة قليلة العدد تتمتع وحدها بالخيرات وتعيش منعمة نبياً فـ " الصعاليك " امتازوا بـ ( نظرات إنسانية متقدمة إذ كانوا يعمدون إلى تلك المأتي لإغاثة المعوزين ) ( منذر الجبوري ، أيام العرب وأثرها في الشعر الجاهلي ، ص66 ، ط2 ، 1986م ، دار الشئون الثقافية "آفاق " ، بغداد ـ العراق ) ، وكان من بين " الصعاليك " شعراء معروفون جسدوا كل تلك المعاني في قصائدهم ( والذي يعنينا هو أن شعر هؤلاء الصعاليك كان مثالا لشعر سياسي طريف هو شعر الثورة والكفر بأوضاع فرضت عليهم الحرمان والفقر المدقع ) ( سمير عبد الرازق قطب ، أنساب العرب ، ص284 ) .
ونحن نخالف الباحث في مذهبه أن شعر " الصعاليك " هو شعر سياسي يمثل ثورة على الأوضاع ذلك أن " الصعاليك " أو " الذؤبان " أو " الخلعاء " لم يكن لديهم الوعي الكافي لتكوين تنظيم سياسي يقود ثورة تكتسح تلك الأوضاع الجائرة التي سادت آنذاك ، ولا تعدو أن تكون قصائدهم أو أشعارهم نفثات يعبرون بها عن تمردهم وسخطهم وشتان بين التمرد والثورة وفرق بين أبيات السخط والشعر السياسي ، وفي الحق أنه من الشطط أن نطالب " الصعاليك " بوعي يرقى إلى مستوى " ثورة " ، ويؤكد باحث آخر ما نذهب إليه إذ يقول ( وينعكس في أخبار الصعاليك وشعر شعرائهم إحساس مرير بوقع الفقر في نفوسهم وشكوى صارخة من الظلم الاجتماعي وهو أن منزلتهم واستنكار للعبودية والتمييز العنصري ) ( برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص163 ) . ويرى د. يوسف خليف أن الصلعكة ( كانت عند عروة بن الورد نزعة إنسانية نبيلة وضريبة يدفعها القوي للضعيف والغني للفقير وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الاغنياء وتجعل لهم نصيب فيه بل حقاً يغتصبونه إن لم يؤد إليهم وتهدف إلى اتحيق لون من ألوان العدالة) (د. يوسف خليف ، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ، ص49 ) ولو أننا نرى في استعمال كلمة " اشتراكية " من قبل د.خليف نوعاً من الشطط وعدم توخي الدقة العلمية المضبوطة في استعمال الألفاظ .
وأياً كان الأمر فإن ظاهرة " الصلعكة " كانت نتاجاً طبيعياً للأحوال المختلة التي اعترت " مجتمع القبيلة " والمجتمع العربي عامة في شبه الجزيرة قبل بعثة محمد ( ص ) ، وأن ذلك المجتمع قد بلغ درجة الأزمة الحادة وكان من البادي للعين الفاحصة أن استمراره على ذلك النمط كان ضرباً من المستحيل وأنه كان يسير نحو الحل الذي يتمثل في " التوحيد " بكافة صوره وفي مقدمتها التوحيد الاجتماعي والسياسي وهو ما لعبته بمهارة وبراعة فائقتين دولة القرشيين في " يثرب " .
وكما كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية فقد كانت كذلك " الوحدة السياسية " ، إذ أنها بمثابة دولة صغيرة ، لها مقومات الدولة خلا عنصر الأرض الثابتة ، وذلك بسبب تنقلها وراء مصادر المياه والكلأ ، والمقصود بالأرض الثابتة الحدود المرسومة التي لا تتعداها ، فالواقع أنه كان لكل قبيلة مستقر تتحرك في أرجائه تتبع فيه موسم المطر ومنابت العشب حتى إذا انتهى الموسم عادت أدراجها إلى موطنها الأول ، ولذلك حفظ لنا الإخباريين مواطن بعض القبائل مثل :
تميم وكانت تسكن بادية البصرة ، وهذيل تسكن جبالا قرب مكة ، وكنانة كانت تسكن جنوبي الحجاز ... الخ ( أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص8 ، ط13 ، 1982م ، مكتبة النهضة المصرية ) ، إذن المقصود أن عنصر الوطن كانت القبيلة تفتقر إليه .
أما حكم القبيلة فهو موكول إلى شيخها أو رئيسها أو سيدها ، ويشترط فيه أن يتميز بصفات معينة منها : الكرم والشجاعة والحلم والدهاء وسعة الصدر والحكمة والفصاحة ...الخ وبداهة يتعين أن يكون علة قدر من سعة الرزق وكثرة المال حتى يستطيع أن يفي بالتزامات الرئاسة ( فقد كان شيخ القبيلة أن يعين الضعفاء ويفتح بيته للنزلاء والأضياف ويدفع الديات عن فقراء القبيلة ) ( د. السيد عبد العزيز سالم ، تاريخ العرب قبل الإسلام ـ 1 ـ ص363 ) وكان يعاون شيخ القبيلة في إدارة شئونها " مجلس القبيلة " وهو يتكون من أفرادها ـ الأحرار الأصلاء ـ الذين بلغوا سن الأربعين ويتمتعون بعقل راجح وعادة ما يكونون على درجة من اليسر المالي ، ويجتمع المجلس غالباً في خيمة الشيخ ويتحاور أعضاؤه بحرية تامة في الأمور التي تهم القبيلة جميعها ، ولكن ليس شيخ القبيلة ملزما بأن يأخذ رأي " مجلس القبيلة " أو ما تستقر عليه أغلبيته وهو مطلق الحرية في القرار الذي ينتهي إليه فأحيانا يتبنى رأي المجلس وأخرى يطرب به عرض الحائط والثالثة يوافق على فكرة فرد واحد منهم … ولعل هذا منشأ الفرق الجوهري بين نظامي " الشورى " و" الديمقراطية " التي يلزم فيها الأخذ برأي الأغلبية حتى لو خالف رأي الحاكم وهناك كثير من الباحثين لا يتلفت لهذا الفرق الجوهري ويخلط بين النظامين خلطاً معيباً ويعتبرهما شيئاً واحداً .
وفي مقابل حرية شيخ القبيلة المطلقة في إصدار القرار فأن عليه تقع المسئولية كاملة فإذا اتخذ قرارا أوقع القبيلة في مأزق أو نالها من ورائه خطر فأنه يكون عرضة للإطاحة به لأنه يكون قد أثبت عدم جدارته بادارة دفة شئون القبيلة .. وهو الذي يتولى قيادة مقاتلي القبيلة في الغارات أو الغزوات ـ وربما يشاركه في ذلك فرد منها يتميز بالمهارة القتالية أو الحنكة الحربية ، يطلق عليه لدى بعض القبائل " العقيد" .
وحكم سيد القبيلة نافذ على جميع أفرادها ولا يملك أحد عصيانه ، ولزعيم القبيلة بعض الامتيازات في الغنائم التي تنتج عن الغارة أو الغزو مثل :
المرباع ( = ربع الغنيمة ) ، الصفايا ( = ما يصطفه لنفسه قبل قسمة الغنائم أو الفيء ) ، النشيطة ( = ما أصيب من مال نشوب القتال ) ، الفضول ( = ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة ) وهو ما ترى مقدار ليس بالهين أو البسيط ، وبعض هذه الامتيازات أقره الإسلام وكان النبي محمد ( ص ) يختص به .
وبداهة أن القبائل في الجزيرة العربية ـ رغم كثرتها ، كانت متناثرة ولا رباط بينها سوى الغزو والغارات ، بيد أن عدداً محدوداً منها قد عقد حلفاً بينها أو نشأت بينها " مصاهرة " ولكنه الاستثناء الذي لا ينال من القاعدة الراسخة وهي أنها كانت مشتتة ومتنافرة بل ومتعادية وقد أوجد ذلك " فراغاً سياسياً استفادت منه على أكمل وجه دولة القرشيين في يثرب ( إذ في ظل هذه الظروف كان الإسلام قد نجح في إقامة نواة دولة قوية في المدينة المنورة امتد نفوذها على جميع الحجاز ومناطق أخرى من جزيرة العرب مستفيداً من الفراغ السياسي الذي كان يسود الجزيرة في ذلك الوقت ) ( د.إحسان صدقي العمد ، حركة الأسةد العنسي " بحث في المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، العدد الرابع والثلاثون ، المجلد السابق ، ربيع 1989م ، تصدر عن مجلس النشر العلمي ، جامعة الكويت ) ، ولعله من نافلة القول أن نذكر أن تفرق قبائل الجزيرة العربي لم يكن هو العامل الوحيد لـ " الفراغ السياسي " بل كانت هناك عوامل أخرى أشرنا إليها فيما سلف ولقد أحس كثير من زعماء القبائل آنذاك بذلك " الفراغ السياسي " وحاولوا ملأه ولكن الظروف الموضوعية والقدرات الذاتية لديهم لم تؤهلهم لذلك ( قال ابن إسحق : وقدم على رسول الله ( ص ) وفد بني عامر بن الطفيل … وقال له قومه : يا أبا عامر أن الناس قد أسلموا فأسلم ، قال : والله لقد كنت آليت ألا انتهى حتى تتبع العرب عقبي ، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ) ( أورده الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير 701/774هـ ، في السيرة النبوية ، تحقيق د. مصطفى عبد الواحد ، الجزء الرابع ، ص109 ، ط 1966م دار إحياء الكتب العربية بمصر ) ، فهنا نجد عامر بن الطفيل سيد بني عامر كان يؤمل في زعامة الجزيرة العربية حتى " تتبع العرب عقبة " ـ ولم يكن هو الوحيد الذي راودته تلك الفكرة بل شاركه آخرون ، ولكن يتحقق له أولهم النجاح في ملء " الفراغ السياسي " وبعد " فتح مكة " غدا واضحا لكل ذي عينين من رؤساء وشيوخ القبائل أن قريشاً أصبحت سيدة الجزيرة العربية دون منازع ، فتوافدت على يثرب " المدينة " عشرات الوفود من مختلف أرجاء الجزيرة ، تبايع محمدا ( ص ) ، حتى سمى ذلك العام بـ " عام الوفود" وتعلن ولاءها المطلق لسيد قريش وقائد دولتها ، وعن بعض وفد " بني عبد القيس " يخبرنا ابن كثير ( فلما رأوا رسول الله ( ص ) وثبوا من رواحهم فأتوا رسول الله ( ص ) فقبلوا يده ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص89 ) وتقبيل اليد قديماً وحديثاً وفي أركان الدنيا الأربعة دليل حاسم على الاعتراف بالسيادة والرئاسة . كذلك عندما قدم " أعشى بني مازن " على النبي ( ص ) خاطبه بقوله ( يا سيد الناس وديان العرب ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص143 ) ، والذين قارنوا بين محمد وسليمان ـ الملك النبي ـ عليهما السلام ( فقال قائل منا ـ هم قوم عبد الرحمن بن أبي عقيل ـ يا رسول الله ( ص ) ألا سألت ربك " ملكاً " كملك سليمان ؟ قال فضحك رسول الله ( ص ) ثم قال : فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص165 ) .
وكانت الوفود التي وردت على يثرب في أواخر العام التاسع وأوائل العاشر الهجريين " وفوداً سياسية " جاءت لتعلن ولاءها لـ " دولة قريش " وقائدها ، ولم تكن وفوداً دينية والذي يؤكد هذه الحقيقة التي تنطق بها موسوعات السيرة النبوية ، هو أن بعض تلك الوفود كان يضم من بين أعضائه نصارى ( قدم على رسول الله ( ص ) الجاورد بن عمر بن حنش بن المعلي أخو " عبد القيس " في وفد " عبد القيس " وكان نصرانياً ) ( أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، 224/310هـ ، تاريخ الرسل والملوك ، الجزء الثالث ، ص136 ، ط2 ، 1969م ، دار المعارف بمصر ) وضم " وفد تغلب " ستة عشر رجلاً مسلمين ونصارى عليهم الصلب المذهبة فنزلوا دار رملة بنت الحارث) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص178 ) أو يكون الوفد كله من " النصارى " مثل " وفد أهل نجران " ( وذكر محمد ابن اسحق أن وفد نصارى نجران " كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم .. وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم وهم " العاقب " وكان أمير القوم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، و" السيد " وكان ثمالهم أي ملجأهم وصاحب رحلهم ، وأبو حارثة بن علقمة وكان " أسقفهم " و حبرهم " ) ( ابن كثير ، المرجع السابق ، ص106 ، 107 ) .
وإذا كان بعض هذه الوفود قد دخل في الإسلام بعد مقبلة النبي ( ص ) فذلك لأن " الدين " كان أحد مكونات " الدولة القرشية " والدخول في الإسلام إعلان من الذي أسلم على خضوعه المطلق للدولة لا عن إيمان صادق ، بدليل أن كثيراً من تلك القبائل إرتد عن الإسلام وحارب دولة قريش ، ( عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : توفي رسول الله ( ص ) فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها : اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب فوالله ما اختلفوا في واحدة إلا طار بحظها وغنائها عن الإسلام ) ( أورده أحمد يحي بن جابر المعروف بـ " البلاذري " في كتاب فتوح البلدان ، حققه د . صلاح الدين المنجد ، القسم الأول ، ص144 ، د.ت. مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة ) .
كان ابن القبيلة يعتز بنفسه اعتزازاً كبيراً ، إذ أنه هو الذي يحدد هويته ، فبدونه يتحول إلى " دعي " وهو من ينتسب إلى غير قبيلته أو قومه ، وندر أن اعتزت أمة بأنسابها مثل العرب ، ومن ثم يمكن الجزم بأن النسب " ملمح " عربي أصيل ينفرد به العرب دون سائر الناس ( والعرب مهتمون بأسابهم محتفظون بكيانها ، ومن الضياع عند القوم أن يجهل امرؤ نسبه ، أو أن يكون دعياً أو ملصقاً أو زنيماً ) ( سمير عبد الرازق القطب ، أنساب العرب ، ص9 ) ، ويحكي لنا الإخباريين أن " النعمان بن المنذر " أثناء مفاخرته لـ " كسرى أنو شروان " تباهي وجد جده .. الخ بينما لا يعرف أعلى من أبيه .
ولكن ما الباعث على اهتمام العربي بنسبه وحفظه إياه ؟
من المعلوم أن العرب " أمة أمية " ، لم يكن يعرف القراءة والكتابة فيها إلا عدد قليل غاية القلة ، أما الباقون وهم الألوف المؤلفة فقد جهلوها حتى ولو كانوا من سراتهم ، وكانوا يطلقون علة من يعرف القراءة والكتابة بالإضافة إلى صفتين أخريين " الكامل " من هنا تنبع أهمية حفظ الأنساب وأن تعيها الذاكرة الحافظة وتختزنها جيلا وراء جيل ، إذن المجتمع العربي آنذاك كان صاحب " ثقافة شفوية " بخلاف عدد من المجتمعات المعاصرة له كانت ذات " ثقافة مدونة " أو " كتابية " سواء تم ذلك على الورق أو على الحجر أو عليهما معاً .
ولسنا في حاجة إلى أن نذكر أننا نركز اهتمامنا في المقام الأول على المجتمع العربي وسط الجزيرة العربية وغربها حيث نشأت دولة قريش ، إذ الثابت أن " العربية الجنونية " أو " اليمن " عرفت " الثقافة الموضوع " في صورها المتنوعة ، و " الثقافة الشفوية " تعتمد على الذاكرة الفردية ثم الذاكرة الجماعية ، ونظرا لأهمية النسب في حياة العربي فقد كان "حفظه " أحد روافد " الثقافة الشفوية " ، وتخصص بعض الأشخاص في هذا النوع من " الفن " إذا صح أن يوصف بذلك ، وكانت لهم مكانة ومهابة منهم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ونذكر القارئ أنه اختير عضوا لحكومة الملأ وتولى الأشناق وهي الديات والمغارم بسبب أنه كان " نسابة " أي عالم بالأنساب ومن ثم كان في مقدوره تحديد الديات والمغارم حسب مكانة المجني عليه وما إذا كان محضا أو حليفا أو لصيقا أو زنيما …الخ ومعرفة الجاني ومكانه من القبيلة التي ينتمي إليها ، وحول النسب تحلقت الظواهر الاجتماعية التي تحدقنا عنها مثل : الخلع والولاء والحلف ..الخ كذلك تترتب على " النسب " آثار اجتماعية لا يمكن التهوين من شأنها : منها الميراث ، وتحديد مكانة الفرد في القبيلة فإن كان لصيقا أو زنيما فلا يحق له أن يشارك في " مجلس القبيلة " أو يتولى راستها ، وأيضا الكفاءة في الزواج فالمولى لا يحق له الزواج من امرأة ذات نسب صريح . لأن هذه الكفاءة انتقلت إلى الفقه الإسلامي فلا يجوز لغير الهاشمي أن ينكح ( يتزوج ) هاشمية ، وكذا تحديد المهور ، إذ أن مهر العربية الصريحة يفوق بما لا يقاس مهر غيرها .
ومن منظور النسب ( تضم القبيلة عادة ثلاثة أصناف :
( 1 ) صرحاء النسب وهم طبقة الأشراف وهم يتفاوتون في الشرف بتفاوت بيوتهم في الحسب
( 2 ) الموالى أو اللصقاء أو الملتصقين بالقبيلة بواسطة الجوار أو الحلف أو الاصطناع
( 3 ) العبيد المسترقين وهم في الغالب أسرى الحروب والغارات ) ( د.محمد عابد الجابري ، العصبية والدولة ، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي ، ص463، د.ت.، نشر " آفاق عربية " ، بغداد ) ولكن ما هو الحسب الذي تتفاوت فيه طبقة الأشراف ذات النسب الصريح ؟ ( الحسب هو نسب شريف وخلال حميدة ، وشرف النسب عائد بدوره إلى الخلال والشرف والحسب أنما هو الخلال ، ومعنى الحسب راجع إلى الأنساب ) ( د.محمد عابد الجابري ، ص440، نقلا عن " مقدمة ابن خلدون " الجزء الثاني ، ص432 ) .
إذن النسب الصريح الشريف إذا انضافت إليه الخلال الحميدة تحقق معنى الحسب ، وكلاهما من شروط الرئاسة والسؤدد في مجتمع الجزيرة العربية ، وقد فطن " القرشيون " إلى ذلك من وقت مبكر فبجانب نسبهم الصريح الشريف حرصوا على اكتساب الخلال الحميدة والسجايا الرفيعة والأخلاق العالية والصفات الممتازة فتحقق لهم الحسب المنيف ، وتحفظ لنا كتب السيرة الألقاب التي كانت تطلق على مؤسسي " دولة قريش " والتي تقطع بأنهم كانوا يتمتعون بنسب شريف وحسب منيف أهلهم لما وصلوا إليه من مجد ، فقد كان هاشم ( من أحسن الناس وأجملهم وكانت العرب تسميه " قدح النضار " و" البدر " ) ( الإمام محمد يوسف الصالحي الشامي ، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ، الجزء الأول ، ص219 ) وكان أخوه المطلب بن مناف ( ذا شرف في قومه وفضل وكانت قريش أنما تسميه " الفضل " لسماحته وفضله ) (الإمام محمد عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص158 ) وكانوا يسمون بني مناف بـ " المغيرات " مدحاً لهم وتعظيماً :
إن المغيرات وأبناءها خير أحياء وأموات ( المرجع السابق ، ص163 ) .
أما عبد المطلب الجد المباشر لمحمد ( ص ) فلقد تعددت ألقابه فهو الفياض والفضل ومطعم الطير وشيبة الحمد : بنو شيبة الحمد الذي وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدر .
وهكذا تكامل في قيادات قريش النسب الشريف والحسب الرفيع مما لم يتح لأي قبيلة أخرى من قبائل شبه الجزيرة العربية وكان ذلك أحد الدعامات البارزة التي ساهمت في ترسيخ الدولة التي أقامها الحفيد محمد (ص ) في يثرب .
كان المجتمع المديني أو الحضري يختلف عن المجتمع البدوي ، وأن كان يشابهه في بعض الملامح ، والمراكز الحضرية في الجزيرة العربية تركزت في : مكة والطائف ويثرب واليمامة وأن وجدت أصغر منها يمكن أن يطلق على مجتمعاتها حضرية عدا ذلك " العربية الجنوبية " أو اليمن ، وتميزت المراكز الحضرية فيما بينها :
فـ " مكة " غلبت عليها التجارة واليمامة غلبت عليها الزراعة ، أما في كل من " الطائف و " يثرب " فقد اختلطت في أرجائها الزراعة والصناعة والتجارة ، ولكن الزراعة كانت هي الأكثر ، وبداهة أن هناك فروقاً بين المجتمع المديني التجاري والمجتمع المديني الزراعي مع بروز الملامح أو القسمات المشتركة التي تفرقها عن مجتمع البادية .
وفي المراكز الزراعية تنوعت الزراعة في كل واحدة منها بحسب نوع التربة ومصادر المياه والطقس .
كذلك وجدت في المجتمع الحضري بعض الصناعات اليدوية :
كانت هناك صياغة الذهب وبها امتازت "يثرب " وكان يهود بني زهرة كانوا صياغاً وتملكوا ثلاثمائة متجر للمصوغات الذهبية ، وازدهرت دباغة الجلود في " الطائف " حتى أن المياه التي كانت تتخلف عنها تفوح فيها روائح عفنة تزكم الأنوف ، كما كانت تجفف العنب " الزبيب " ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص154 ) وظهر معدن الحديد في مضارب قبيلة " بني سليم " فبرعوا في صناعته ومن ثم أطلق جيرانهم لقب " القيون " جمع قين وهو الحداد ( حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الأول ، ص200 ) كذلك كانت هناك صناعة تحويلية في مكة تخصصت في " الأدم " أي الجلود ولو أنها كانت أقل شأناً منها في الطائف ، ويذكر الإخباريين أن قريشاً عندما أرسلت عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي في الحبشة بشأن المسلمين الذين هاجروا إليها بعثت معهما بهدايا قيمة من " الأدم " إليه وإلى بطارقته ليأمر بطردهم من بلده ولكنه رفض ورد الهدايا ، أما في اليمامة فقد كانت ( مرابع بني حنيفة مناطق زراعية في معظمها واشتهرت بزراعة التمور والحبوب حتى اعتمدت عليها في تصدير " الميرة " أي الحبوب إلى مناطق أخرى في الجزيرة العربية أهمها منطقة الحجاز وبصفة خاصة قريش في مكة ) ( د.إحسان صادق العمد ، حركة مسيلمة الحنفي ، ص28 ) ولا يفهم من هذا النص اقتصار النشاط الاقتصادي في اليمامة أو اعتماده على الزراعة وحدها ( إذ ساعد موقع منازلها في اليمامة عند ملتقى الطرق التجارية البرية من الحجاز واليمن إلى شرق الجزيرة العربية والعراق وفارس ، ساعد هذا الموقع على اشتغال بني حنيفة بالتجارة بما عرف بتجارة الترانزيت فضلا عن تصدير حاصلاتها الزراعية من حبوب وتمور ، وما اشتهرت به من منسوجات ) ( المرجع نفسه ، ص31) .
وكان العربي ساكن المراكز المدنية يأنف من امتهان الزراعة والصناعة ولكن بدرجة أقل من الأعرابي نزيل البادية ، ذلك أن ظروف بيئة العربي هي التي اضطرته إلى ذلك .
انقسم المجتمع الحضري أو المديني إلى طبقتين : الأغنياء والفقراء : والأغنياء هم التجار والمرابون وملاك الزراع وكثيراً ما كان الواحد منهم يجمع بين أكثر من نشاط اقتصادي ( وتتمثل قنوات استثمار أهل مكة على سبيل المثال ـ قبل بعثة محمد في : التجارة من الشمال والجنوب " رحلة الشتاء والصيف " والمضاربات والإقراض والاقتراض بالربا الفاحش " ربا النسيئة " واستثمار الأموال في مشاريع زراعية في مناطق الواحات الغربية كالطائف والمشاركة والمخالطة بين العمل ورأس المال واقتسام الأرباح خاصة في الأعمال التجارية ، والدعارة والترويج لها ضمن محلات خاصة واستغلال الإماء في ذلك وتجارة الرقيق ) (عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص43 ، ط1 ، 1968 م ، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس ـ ليبيا ) وممن كانوا تجاراً ويملكون مزارع في " الطائف " عمرو بن العاص ) اتخذ بستاناً .. عرف بكثرة كرمه وأنواع أعنابه ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص142 ) وغيره من (أثرياء قريش استغلوا أموالهم في الطائف واشتروا فيها الأرضين وغرسوها واستثمروها واشتروا بعض المياه وبنوا لهم منازل .. اتخذوها مساكن لهم في الصيف واسهموا مع رؤساء ثقيف في أعمال تجارية وربطوا حبالهم بحبالهم وحاولوا جهد إمكانهم ربط الطائف بمكة في كل شيء ) ( المرجع نفسه ، ص153 ) .
وذكر الإخباريون أن الربا كان ظاهرة لها قاعدة مستقرة في المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام ، أما إقراض المال وأخذ الربا فيه فأن الشواهد عليه كثيرة فهي منسوبة إلى أشخاص بأسمائهم ، ويذكر العلماء أن آية تحريم الزنا نزلت في " العباس بن عبد المطلب " و " خالد بن الوليد " وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا فجاء الإسلام ، ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال رسول الله ( ص ) "ألا أن كل ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " ) (محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص86 ، ط1 ، 1982 م ، دار الرشيد ، بغداد ) ، ولقد كان من آثار الربا ظهور ما يسمى بـ " عبودية الدين " ( فقد كان الفرد لسد رمقه ويعجز عن سداد الدين فيحق للمقرض استرقاقه أو بيعه أو يبيع منه ولده ، وبعضهم كان يقترض للمضاربة في التجارة ويعجز عن سداد الدين ، قالت بريرة لعائشة : كانت على أهلي تسع أواقي في كل عام أوقية فأعينيني فاشتريها فأعتقتها ) ( محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص91 ) وعبودية الدين استمر العمل بها في صدر الإسلام قبل نزول تحريم الربا ، قال الطحاوي : كان الحر يباع في الدين في أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقتضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك ، وحكى عن مكي أن النبي ( ص ) أمر به في صدر الإسلام ( تفسير القرطبي ، طبعة دار الشعب ، ص1179 ) وفي كتابه الربا أورد المستشار محمد سعيد العشماوي حديثا عن الدار قطني ( أن النبي ( ص ) قبل نزول آية الربا وجرياً على سنة العرب قضى باسترقاق شخص يدعى ( سُرق ) كان قد عجز عن الوفاء بدينه إلى دائنه ) ( محمد سعيد العشماوي ، الربا ، ص19 ، ط1، 1988 ، دار سينا للنشر بمصر ) ، ان استمرار ظاهرة عبودية الدين حتى صدر الإسلام وقضاء محمد ( ص ) باسترقاق ( سرق ) لعجزه عن دفع دينه ـ وذلك قبل تشريع تحريم الربا ـ يقطع بتمكن تلك الظاهرة وأنها كانت إحدى القواعد الاقتصادية المتعارف عليها في تلك الفترة .
وممن ذكره الإخباريين في المرابين : عبد الله بن جدعان وسبق أن ذكرنا نتفا من أخباره ، ومسعود بن عمر الثقفي ( في الطائف ) وغيرهما في المراكز المدنية بل وفي المجتمع البدوي ، ولسنا في حاجة إلى القول أن يهود يثرب كغيرهم أساتذة في النشاط الربوي .
كانت التجارة من أهم الأنشطة الاقتصادية في تلك المراكز وقد أوضحنا كيف تحولت تجارة مكة على يد القرشيين من المحلية إلى العالمية ، ولقد ساهم في ذلك عدد من العوامل منها عقود الإيلاف التي أبرمها هاشم بن مناف واخوته ( كذلك كان لاضمحلال الملاحة في أواخر عهد الروم " القرن الخامس الميلادي " وما بعده ، أثره في ظهور البر الحجازي ، فهو طريق رحلة الشتاء والصيف من اليمن والشام واستطاعت قوافل الجمال في هذا الطريق الذي يصل الجنوب بالشمال أن تحل محل تجارة البحرين من عدن القديمة وخليجي السويس والعقبة ، وقد أفاد عرب الحجاز لا سيما قريش من هذا التحول من تجارة البحر إلى تجارة البر بل كان ذلك أحد العوامل في ازدياد أهمية مكة وعدد غيرها من محطات القوافل على طول الطريق ) ( د.سليمان حزين ، " توسع العرب وانتشار الإسلام ، الحديث الرابع ، ص70 ، من كتاب إسلاميات ، ط1990 م، دار مودي للنشر ، لندن ) .
كان حصيلة تلك الأنشطة الاقتصادية المتنوعة أن تكدست الثروات في أيدي عدد محدود من رجالات قريش في مكة ، وثقيف بالطائف ، والأوس والخزرج واليهود بيثرب ، وبني حنيفة في اليمامة ، وصناديد قريش . أما عن الطائف وأغنيائها فقد ( ذكر عن عروة بن مسعود الثقفي أنه كان من رجال الذين كان عندهم عشر نسوة عند مجيء الإسلام ) ( د.جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الرابع ، ص155) والزواج من عشر نساء في وقت واحد دليل على الغنى الوفير ، ذكر أهل الأخبار أن من أغنياء الطائف مسعود بن معتب الثقفي ، قيل أن له مالاً عظيماً وأنه أحد من قيل أنه المراد من الآية " على رجل من القريتين عظيم " ( محسن خليل ، الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي ، ص85 ) وقلنا أن من بين سادة ثقيف بالطائف : مسعود بن عمير بن عجر الثقفي وأنه كان أحد المرابين وعلى الدرجة نفسها من الملاءة واليسار ( كان سكان يثرب الأصليون من العرب ، ذوي خبرة في التجارة ومهارة في الزراعة حتى نافسوا اليهود بتجارتهم وتنمية أموالهم وأصبحوا أصحاب ثروات وحصون ومعاقل ) ( عيسى أيوب الباروني ، الرقابة المالية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ، ص23 ) ، وقد ألمعنا آنفاً في المبحث الخاص بالأنصار إلى وجود أثرياء أماثل وأصحاب حيطان " بساتين " وكروم نخيل وأطم " حصون " بين الأوس والخزرج ( الأنصار فيما بعد ) .
أما عن الثروة في اليمامة فقد بلغت في أيدي سادتها حداً كبيراً إذ كانوا في أعمال الزراعة يستعينون بالعبيد ... كما استعانوا بالموالي من العجم المجوس ) ( إحسان صادق العمد ، حركة مسليمة الحنفي ، ص29 ) ، وكان يحكم قبيلة بني حنيفة " ملك " مما يدل على حسن تنظيمها السياسي وارتفاع مستواها الاقتصادي ، ( وكان ملوكها يقيمون علاقة تجارية جيدة مع فارس والحجاز واليمن ) ( المرجع نفسه ، ص31 ) .
هذه أمثلة سريعة بقدر لزومها للبحث عن الأوضاع المالية المرتفعة التي وصل إليها أفراد طبقة الأغنياء في المراكز المدنية أو الحضرية في وسط وغرب شبه الجزيرة العربية حيث تأسست دولة قريش وكان أفراد تلك الطبقة يعيشون حياة رغدة ناعمة :
في بيوت مبنية ( لا في خيام كأثرياء البوادي ) ، مفروشة بأفخر أنواع الرياش ، ويلبسون الملابس الرقيقة ، والنعال المستوردة ، ويعتمون بالعمائم الملونة المجلوبة من الخارج ، ويأكلون أطيب الأطعمة ( استقدم عبد الله بن جدعان طباخاً من فارس ليعد له " الفالوذج " التي تطلق عليها العامة " البالوظة " ويشربون ألذ المشربات ويركبون الدواب الفارهة ذات السرج المطهمة ، وفي بيوتهم العدد الوفير من العبيد والإماء إما للخدمة أو المتعة ، ويتزوجون من النساء عددا كبيرا غير محدود ، ويقضون لياليهم في قصف ولهو ومقامرة ومعاقرة الخمور وسماع غناء الجواري المدربات على الغناء والرقص ، وقد ذكر أهل الأخبار أن عبد الله بن جدعان كانت له جاريتان بارعتان في الغناء مدحهما أمية بن أبي الصلت في أشعاره وأشاد بغنائهما ، كما أن عبد الله بن جدعان كان لا يشرب إلا في كؤوس من الذهب الخالص حتى سمى " حاسي الذهب " وكان من أبرز مهام العبيد حراسة هؤلاء الأغنياء الشخصية وحراسة منازلهم ـ وتفيض كتب الأدب مثل كتاب الأغاني للأصفهاني بالعديد من الحكايات التي تقطع بثرائهم الفاحش .
* * * *
أما طلقة الفقراء كانت تضم سائر الأفراد من سكان المراكز المدنية : باقي أعضاء القبيلة حتى ولو كانوا من " الخلص " ثن الموالي ، ومن تربطهم علائق ببعض السادة مثل الحلف أو الجوار ، والأرقاء ، ولم تكن تشمل " الخلعاء " أو " الصعاليك " أو " الذؤبان " أو " أغربة " إلا فيما قل ، لأن هؤلاء كانوا عادة ينزلون البوادي ، فطبيعة حياتهم أو منهج معيشتهم لا يتوافق مع الحياة الحضرية المستقرة .
إن قريش انقسمت إلى فرقتين : ( قريش الأباطح ) و ( قريش الظواهر ) وهو تقسيم أساسه التمايز الطبقي لا العرقي أو النسبي " من النسب " فكلهم قرشيون ينتمون إلى ( النضر بن كنانة ) ، فقريش البطاح من ولد فهر من دخل مع قصي الأبطح ، وقريش الظواهر من لد فهر : بنو الأدرم بن فهر ومعيص بن لؤي ومحارب بن الحارث إبنا فهر فهؤلاء قريش الظواهر ، وسائر قريش أبطحيون إلا رهط أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه وهم هلال بن أهيب وضبة بن الحارث بن فهر ورهط سهل وسهيل ابنى البيضاء وهم هلال بن ضبة بن الحارث بن فهر فأنهم دخلوا مع قصي فهم أبطحيون ) ( سمير عبد الرازق ، أنساب العرب ، ص47 ) فهنا نجد الذين انسلخوا رهطهم ودخلوا مع قصي لحقتهم " الأبطحية " فهي إذن تفرقة في الثروة والمكانة الاجتماعية المؤسسة على المال لا على الأصل أو النسب ، كما أنها " الأبطحية " تعطي صاحبها شرفا وامتيازا حتى أن معاوية بن أبي سفيان قد افتخر بها وهو خليفة وحاكم بأمر للعالم الإسلامي في زمانه .
هكذا تبين لنا أنه في المركز المديني ينقسم أفراد القبيلة الواحدة : فيلحق أحدها أو بطن أو فخذ منها بطبقة بينما يظل الباقون في طبقة أدنى ، لأن المقياس هو " تملك أدوات الثروة ووسائل الانتاج " ، ففي " باب القسامة " روى البخاري أن رجلاً من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ثم قتله لاعتقاده أنه أهمل في أداء عمله وظل الخبر سراً حتى وصل إلى علم أبي طالب بن عبد المطلب وكان آنذاك زعيم بني هاشم فتوجه إلى القاتل ( فقال : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فأنك قتلت صاحبنا ، وأن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ( وهذه هي القسامة ... من القسم ) وأن أبيت قتلناك به ) ( رواه البخاري في صحيحه في باب القسامة ، وأورده أحمد أمين في فجر الإسلام ، ص226 ) ، فهذا هاشمي من أسمى فروع قريش يعمل أجيراً لدى قرشي من فخذ آخر وتدفع غطرسة رأس المال صاحب العمل إلى قتله لمجرد توهمه أنه تقاعس في شغله ولو كان معيار التمايز نسبياً " من النسب " لكان الهاشمي هو صاحب العمل لا الأجير ، ولكنه تفاوت طبقي أساسه المال ، بل أن أبا طالب نفسه …( كان لا مال وكان ‘ذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادي لم يشبعوا ... وكان بنو أبي طالب يصبحون رمصاً عمصاً .. وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم أول البكرة ( يعني في الصباح ) فيجلسون وينتبهون ) ( الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص242 ) هذه عبارات صريحة النص والدلالة نعا على أن أبا طالب كان يعاني بشدة من قلة المال ،حتى أن أولاده كانوا لا يجدون كفايتهم من الطعام ولا ماء يغسلون به وجوههم ويزيلون عن عيونهم الرمص والعمص ، ويبدو أن حالة أبي طالب المالية استمرت كذلك بل تدهورت حتى غداً عاجزاً عن إعالتهم مما دفع أبي طالب محمدا عليه السلام بعد عدة سنين لأن يقترح على عمه الآخر الغنى ـ العباس ـ أن يتوجها معاً إلى منزل أبي طالب ليعودا باثنين من أبنائه لتخفيف العبء عن كاهله فأخذ العباس جعفرا وكفل محمد ( ص ) علياً ، ولعله بذلك كان يرد الجميل لأبي طالب لأنه بعد وفاة جده عبد المطلب آواه وضمه إلى أسرته .
إذن مواضعات ذلك المجتمع كانت تجيز أن يلحق الفقر برجل شريف من فرع سامق في القبيلة وله مكانة أدبية مرتفعة فيها بيد أن ذلك كله كان لا يخوله حق كسب ( عضوية نادي الأغنياء ) أو حتى مجرد دخوله ، نخلص من ذلك كله أنه كان يوجد من بين طبقة الفقراء في المركز المديني أو الحضري أفراد خلص أو صرحاء من القبيلة .
أما الفقراء فقد كانوا من الموالي أو اللصقاء أو المرتبطين بحلف أو جوار مع أحد الصناديد ، ثم الرقيق أو العبيد ، وكانت عيشة هذه الطبقة في عمومها ـ على تفاوت بين فرد وآخر أو فئة و أخرى ـ صعبة أشد ما تكون الصعوبة بائسة أبلغ ما يكون البؤس . ( أما الفقراء المستضعفون فكانوا يؤلفون سواد " العرب " أو جمهور العوام وكانوا يتآلفون من رعاة الأنعام وفقراء الفلاحين والعمال وصغار الباعة والفعلة وكانوا يسكنون الخيام البسيطة أو العشش أو أكواخ حقيرة يعيشون فيها عيشة ضنكة وجوعاً مستمراً ) (برهان الدين دلو ، جزيرة العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، ص157 ) وكانوا يقنعون من العيش بالكفاف وليست لهم طاقة كالسادة الأغنياء كي يتفننوا في المطاعم والملابس بل كانوا يتبلغون بالتافه من المآكل ويلبسون الأسمال ، بل أنهم في بعض الحالات قد لا يجدون ما يسدون به رمقهم .
إن بعض الأسر في قريش ذاتها كانت تضطر إلى " الاحتفاد " أو " الاعتفار " عندما لا تملك قوت يومها وتفصل على أن تمد أيديها إلى غيرها تطلب منه الإحسان ، وكيف أن هاشماً شجب هذه العادة القبيحة وعمل على علاجها ، ولعله من نافلة القولل أن نذكر أن ذلك الاحتفاد أو الاعتفار من أثر الخلل الاجتماعي الذي حايث المجتمع المكي والذي شطره إلى : طبق


ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 17:00   رقم المشاركة :9
معلومات العضو
محمد أحمد
عميد
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
محمد أحمد is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي


بارك الله فيك

على معلومات قيمه ومفيده


محمد أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 17:28   رقم المشاركة :10
معلومات العضو
أسيرالشوق
الإدارة
 
الصورة الرمزية أسيرالشوق
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
أسيرالشوق is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي




أسيرالشوق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2011-02-04, 09:26   رقم المشاركة :11
معلومات العضو
جمال رمزي
الإدارة
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
جمال رمزي is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي رد: النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية




جمال رمزي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:41

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها .. ولا تعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى بأي شكل من الأشكال



ساهم معنا
تبرع لتساعد على الاستمرار ومواصلة تعريب البرامج للعالم العربي.
ساهم في صمود وبقاء ونشر اللغة العربية في العالم من أجل الأجيال القادمة.
تودع مبالغ التبرعات في احد الحسابات التالية
اسم البنك
رقم الحساب
بنك الراجحي _ من خارج السعودية
IBAN - SA2880000141608010128882
بنك الراجحى _ من داخل السعودية 141608010128882



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimisation provided by DragonByte SEO (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لموقع منتديات عميد التعريب 2010 - 2017 ©