العودة   منتديات عميد التعريب > >

الملاحظات

الربح من الانترنت علم النفس, علم الإجتماع. علم فلسفة و مفهوم كل منها و علاقة بعضها مع بعض بالإضافة إلى علم المنطق كل ذلك تجده هنا



إضافة رد

قديم 2010-12-29, 15:04   رقم المشاركة :1
معلومات العضو

مشرف العمادة العامة

إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
ابو هيثم is on a distinguished road
المنتدى : الربح من الانترنت
Post شروط تأسيس خطاب فلسفي نقدي حول "حقوق الإنسان


شروط تأسيس خطاب فلسفي نقدي حول "حقوق الإنسان"*


بقلم محمد أندلسي


يبدو أنه من الضروري في اللحظات التاريخية الحاسمة التي يجتازها العالم بصفة عامة، والعالم العربي الإسلامي بصفة خاصة، أن نقف لحظة تساؤل حول ما يسمى بحركة حقوق الإنسان، لأنه إذا ما جعلناها مجرد شعار، فإننا سنعرّض هذه الحركة الحقوقية رغم جاذبيتها السياسية، إلى السقوط في حبال الإيديولوجيا، مما يعرّضها للسقوط والأفول.
من هذا الاعتبار يبدو لنا أن التساؤل الفلسفي حول الإحالة إلى الحق وعودة حقوق الإنسان بصفة عامة، ليس فقط تساؤلا مشروعا على المستوى الفلسفي، من حيث أنّ فعل التفلسف يتحدّد بما هو تفكير في الكائن وأنطولوجيا للحاضر؛ ولكنه ضروري أيضا على المستوى السياسي إذا سلّمنا أن التاريخ المعاصر قد كان في معظم الأحيان مسرحا لكثير من المشاريع التحرّرية التي انقلبت إلى أضدادها، لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.
لنحلّل في البداية وباقتضاب هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة بعد ما كانت موضوعا للشبهة والرفض، لنبرز ما يمكن أن يشكّل داخلها موضوعا للسؤال والتفكير الفلسفيين. فهذه الممارسة أصبحت تشكّل اليوم بالنسبة لليسار السياسي أساسا صلبا لمواجهة الاضطهاد، وشمولية الأنظمة السياسية على أرضية الحق، أو للاعتراض على القوة باسم الحق.
فعلى مستوى العلاقات الدولية، على سبيل المثال، نجد أنّ إدانة التدخل الإمبريالي الأمريكي اليوم في أفغانستان والعراق تتم باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لا يتم بالإحالة إلى مبادئ حقوقية، بقدر ما كان يصدر عن رؤية تستشرف المستقبل من خلال منظور غائي يبشّر بقدوم الاشتراكية.
إنّ الاحتجاج على القوة باسم الحق حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو بين المجتمع والدولة، وذلك من خلال نشاط الجمعيات الحقوقية المختلفة.
إنّ أهمية هذا التحوّل الذي طرأ على المشهد السياسي المعاصر، يمكن قياسه بسهولة بالمقارنة مع ما كان يهيمن في العقود السابقة على صعيد الممارسة التحررية والحركة المطلبية. لقد كانت الإحالة هنا تتم باسم موقف ماركسي ينتقد الحق باعتباره مجرّد وهم موجّه لتكريس واقع الاستغلال والتستر عليه.
إنّ التغيير الذي طرأ على المشهد الثقافي والسياسي المعاصرين، بالانتقال من السعي لتجاوز القانون وإقامة مجتمع لا طبقي، إلى إعادة الاعتبار للقانون وإلى الحق كقيمة عليا، هو إذن تغيير نوعي هام. ويمكن الإقرار بهذا التحوّل إذا ما أمعنا النظر في فكرة الحق، وفي التمثّل الذي تكوّنه حوله وتحمله معها هذه الدعوات إلى القيم الحقوقية. إذ لا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى مجرد تطبيق الحقوق التي يتضمّنها الدستور، حتى وإن كان هذا المطلب يشكّل الخطوة الأولى في إطار نقد داخلي لقوانين الدولة، وإنّما هو في عمقه واستراتيجيته دعوة لمشروع تحرّري يتم باسم حقوق الإنسان.
إذا كانت هذه الدعوات تأخذ شكل دعوة إلى حقوق الإنسان، فمن المؤكّد أن ذلك مفهوم لأنّ الشمولية أو التوتالتارية التي صارت بمثابة الظاهرة السياسية الخاصة بالقرن العشرين، تتحدّد من حيث هي نفي كلّي لحقوق الإنسان. غير أنه مع ذلك تنطوي هذه الدعوة على تناقض، بحيث لا يمكن لمن يفكّر اليوم في موضوع حقوق الإنسان أن يتخلّى عن كلّ ما تضمّنه النقد الماركسي للحق، وخاصة تشديده على ضرورة التسلّح بموقف الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق الذي تحدّده القوانين الوضعية، والذي تبقى علاقته المتواطئة مع جهاز الدولة واضحة، تمنع من اتخاذه وبصفة دائمة قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع أو الشعب ضدّ هذه الدولة. فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني، أو بين مختلف المجتمعات، ولكي يكون بمثابة مرجع مشترك للحوار والنقاش وللتواصل، يجب أن يظهر في بعده الشمولي وكشكل من أشكال الكونية، فيما وراء المصالح السياسية والإيديولوجية الخاصة بهذا التنظيم أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذاك. بمعنى يجب على الحق أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.
وحينما نتأمّل الحق القائم، أي الحقوق المعترف بها قانونيا نلاحظ أنه وعلى المستوى العملي لا يمكن أن يدّعي هذه الكونية، لأنّه على الأقل يتعارض مع حق الأقلّيات المضطهدة، والتي تضطر إلى إدانته للاعتراف بها. لكن يجب أن نشير إلى أن نقد هذه القوانين الظالمة يتم دوما وبصفة ضمنية باسم مبادئ أخرى للحق، والذي يعبّر عن نفسه في تقليد الحق الطبيعي ، الذي عثر على تتويجه التاريخي في إعلانات حقوق الإنسان، أي الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان.
يجب أن نسجّل أوّلا، أنّ تلك الحقوق صادرة عن إعلانات وليس مؤسسات. وهي ليست مبتكرة من قبل دولة من الدول، بل هي في الأصل تصورات فلسفية تمّ تكريسها والمصادقة عليها لاحقا من قبل الدولة في مرسوم تنحصر مهمّته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق كانت موجودة على الدوام. فهذه الحقوق إذن تستمدّ قيمتها في كونها تظهر مسبقا كحقوق خارج الدولة ومفروضة عليها من فوق. لهذا الاعتبار التاريخي الذي يوجد في أصل نشأة حقوق الإنسان، تفهم اليوم العودة إلى الحق وتفعيل المطالب الحقوقية باعتبارها دفاع عن الفرد والمجتمع المدني ضدّ الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.
غير أنّ هذه الحركة التي تعمل على تنشيط الإحالة إلى حقوق الإنسان هي حركة متناقضة، وذلك من جهة، لأنّ حقوق الإنسان كانت قد اختزلت من قبل التحليل الماركسي مند صدور كتاب المسألة اليهودية إلى حقوق الإنسان الأناني المعزول عن الجماعة، وإلى حقوق تعبّر عن المصالح الخاصة بالمجتمع البورجوازي، ممّا يجعلها بحكم طابعها التاريخي–الطبقي ليست لا كونية ولا شمولية. ومن جهة أخرى، فإنّ تنصيب الإنسان كقيمة عليا وكمصدر للتقويم ولكلّ القيم من شأنه أن يكرّس تصوّرا ميتافيزيقيا للإنسان يجعل منه كائنا ذو ماهية وذو طبيعة ثابتة. وهذا يجعل الإحالة إلى حقوق الإنسان تنتمي بطريقة مباشرة إلى النزعة الإنسانية وهي أحد مخلّفات ميتافيزيقا الذاتية، بل هي مظهر إيديولوجي أساسي للمركزية الغربية، إذ باسمها تم تبرير استعمار الشعوب، وفرض الهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وباسمها اليوم، يتم تبرير التدخل في شؤون بعض الدول.
إنّ الإشكال الذي يطرح ذاته- ونحن بصدد تحديد الشروط النظرية لإمكان التفكير الفلسفي في موضوع حقوق الإنسان، ومن خلال ذلك تبيان في أي شروط يمكن للعمل الحقوقي أن يكون ذا مصداقية وفاعلية- هو كيف يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يتحرّر من التصور الماهوي للإنسان الذي يوجد في أصل إعلان حقوق الإنسان سنة 1792؛ ومن التصوّر التاريخاني للحقوق الذي يوجد في أساس فلسفات التاريخ الهيجلية والماركسية على حدّ سواء؛ وفي الوقت نفسه كيف يستطيع هذا الخطاب، أن يحافظ على البعد الكوني للحق، وعلى موقف الحذر من الحق الوضعي الذي يوجد في أساس النقد الماركسي للحق؟
إنّ توضيح هذه المفارقة يتطلّب منّا من جهة، أن نحرص على تحقيق نوع من التلاؤم بين خطاب حقوق الإنسان، وبين أبرز مكوّنات وخصائص الفكر المعاصر، والمتمثّلة أساسا في مناهضة النزعتين التاريخانية والإنسانوية.
إنّ التأصيل النظري الفلسفي لخطاب حقوق الإنسان يقتضي اليوم وضع موضع تساؤل ونقد جذريين، كلاّ من النزعة التاريخانية، والنزعة الإنسانوية، وذلك للاعتبارات التالية:
1- النزعة الأولى تستلهم ما يمكن أن نطلق عليه نظرية مكر العقل أو مكر التاريخ. وهي نظرية هيجل في فلسفة التاريخ ونجد لها امتدادا في النقد الماركسي للحق . تؤكّد هذه النظرية على أن كلّ شيء يحدث بطريقة عقلانية في التاريخ، بما في ذلك (الأحداث والأفعال) التي تبدو عبثية ولا عقلانية، مثل الأهواء والحروب والشر..والتي ليست شيئا آخر غير ما تتحقق عبره الصيرورة التاريخية. إنّ الصيغة الأساسية لهذه النظرية هي القول لا شيء يحدث في التاريخ بدون علة. والسؤال الذي يمكن طرحه هو، على أي أساس تشكّل النزعة التاريخانية هاته، إطارا نظريا غير متلائم مع خطاب حقوق الإنسان؟ والجواب هو كالتالي: إذا كان كل شيء في التاريخ قد تم بطريقة عقلانية، وأنّ كلّ شيء ضروري بحكم كونه ليس إلا لحظة داخل السيرورة التاريخية، فإذن لن يكون هناك معيار متعال على التاريخ للحكم على الوقائع التاريخية، لأنّ كل المعايير- في ظلّ هذا التصوّر التاريخاني- تعتبر تاريخية أي نسبية. بهذا المعنى نقول بأنّ هذا التصوّر يحمل دلالة مضادة للإنسية الحقوقية. لأنّه إذا كانت هناك عقلانية تعمل في قلب السيرورة التاريخية، فإنّ ما حدث، وما سيحدث، كان لا بدّ أن يحدث، في اللحظة التي حدث فيها وبالكيفية التي حدث بها. ممّا يعني إنّ النزعة التاريخانية تزيح كل تباعد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والمعقول، وبالتالي تجعل من المستحيل التمييز بين نظام الواقع وبين نظام القيم، حيث المثال والخير-كما يمكن قراءة ذلك في أعمال هيجل- قد تحققا بالضرورة بواسطة السيرورة التاريخية، لأنّ كل ما هو واقعي فهو عقلي وكلّ ما هو عقلي فهو واقعي.
هكذا فالنزعة التاريخانية بالرغم من نقدها للرؤية الأخلاقية للعالم، فهي تجرّ معها نقدا للرؤية الحقوقية للعالم، لأنّها تلغي كلّ إمكانية للاحتجاج على الواقع باسم الحق، أي باسم قيم حقوقية متصوّرة كقيمة متعالية على الواقع التاريخي للدولة. هكذا تصبح فكرة الحق الطبيعي الحديث لا معنى لها في إطار سياق نظري لا تحظى فيه فكرة ما ينبغي أن يكون بأي معنى.

إنّ هذه المسألة نجدها أيضا حاضرة بقوة في النقد الماركسي للحق. فهذا النقد يعتبر بأنّ الشيوعية تجاوز للحق. فليس هناك تلاؤم بين النظرية الماركسية وخطاب حقوق الإنسان، لأن النظرية التي تسعى إلى اكتشاف ما تنطوي عليه الادعاءات الحقوقية للأفراد والمجتمع من أوهام، لا يمكنها الاعتراف بدور القيم الحقوقية في مواجهة سيرورة الهيمنة. هذا الارتباط بين النزعة التاريخانية ورفض الحق كقيمة عليا وكمعيار معروف ولا يحتاج إلى تركيز. المهم هناك نوع من التوافق بين تراجع فلسفات التاريخ المفهومة كفلسفات تفترض أنّ للتاريخ اتجاها أو غاية محدّدة سلفا، وبين العودة النشيطة للحق.

2- النموذج الثاني الذي يجب وضعه أيضا موضع تساؤل ونقد، كشرط نظري لقيام خطاب يساري جديد حول حقوق الإنسان، هو الذي يستلهم النزعة الإنسانية L’humanisme .
لكي نفهم طبيعة هذا النقد، لا بدّ أن نبيّن طبيعة الافتراضات التي تفترضها فكرة حقوق الإنسان والتي هي بمثابة الأسس الفلسفية لما يعرف بالحقوق الطبيعية للإنسان. تفترض هذه الحقوق ثلاث فرضيات:

أ‌- تفترض أوّلا تثمينا للإنسان بما هو إنسان، أي بما هو مرجع وقيمة عليا. وهذا هو مفهوم النزعة الإنسانية.



ب‌- إذا ما حاولنا توضيح هذه النزعة الإنسانية وتحديد مضمونها، سنلاحظ أنّ الإنسية القانونية تفترض فكرة معينة عن الإنسان، وعن ماهيته، وطبيعته، ومصيره. فالإنسان الذي تتحدّث عنه حقوق الإنسان يحيلنا إلى تمثّل، بموجبه يصبح الكائن الإنساني كائنا عاقلا، وواعيا، ومسؤولا، إنه خالق أفكاره وأفعاله. تفترض حقوق الإنسان إذن القول بذاتية الإنسان، أي القول بالذاتية.
ج- كما أنّ الحقوق لكي تكون حقوقا للإنسان، ومرجعا مشتركا لمختلف الأفراد والمجتمعات، يجب عليها أن تكون متعالية على شروط انبثاقها. فلكي تتعارض حقوق الإنسان مع الحق الوضعي القائم داخل الدول، يجب أن يتم التأكيد على طابعها الكوني والشمولي، بمعنى يجب إبرازها كحقوق شاملة لكل فرد، وكائن إنساني، في أي مكان، وفي أي زمان، بغضّ النظر عن الوضع العرقي أو الجنسي أو الإثني أو الثقافي أو الاجتماعي لهذا الإنسان. بمعنى يجب التأكيد على أن حمولة تلك الحقوق تتجاوز الشروط التاريخية لإعلانها. هكذا فإذا كان الحق الوضعي المعترف به من قبل القوانين الجاري بها العمل داخل الدول، حق تاريخي متبدّل ونسبي، فلا يمكن الاعتراض والحكم عليه انطلاقا من حقوق الإنسان، إلاّ إذا كانت الإحالة إلى مقولات الحق لها دلالة ما فوق تاريخية، حيث حمولتها تتجاوز التاريخ الفعلي الواقعي.
هذه الافتراضات الثلاثة التي تنطوي عليها فكرة حقوق الإنسان والتي هي اتباعا: النزعة الإنسانية، والنزعة الذاتية، والنزعة الكونية، لا تنسجم مع روح العصر، ومع خصائص ومميزات الفكر المعاصر الذي تهيمن عليه: الماركسية، والفرويدية، والنيتشوية، والهايدغرية.
ما يميز هذه المواقف الفلسفية هو نقدها الجذري للنزعة الإنسانية التي ينظر إليها باعتبارها أحد التجليات الأساسية للميتافيزيقا الحديثة. فمن المعروف أن هذه الشروط الفلسفية التي تولّد عنها مفهوم حقوق الإنسان، لم تتوفر حديثا إلا في العصور الحديثة. أهم هذه الشروط وأساسها، ظهور الإنسان داخل الكون كقيمة عليا بحيث أصبح هو محور الحقوق ومصدرها. فمن المعروف أن الفكر القديم يجعل الطبيعة بكاملها بما فيها من كائنات نباتية وحيوانية تتمتّع بالحق، أمّا الفكر الحديث، فلقد جعل من الإنسان الموضوع القانوني الوحيد. معنى ذلك، أن شرط ظهور حقوق الإنسان، هو بزوغ هذه الذاتية القانونية ذات النزعة الإنسانية، ولقد ظهرت في إطار مدرسة الحق الطبيعي. وهكذا وكما يقول لوك فيري، ورونو، مع ظهور الإشكالية الحديثة للعقد الاجتماعي والحالة الطبيعية، لم يعد مفهوم المشروعية منفصلا عن مفهوم الذاتية، فالسلطة المشروعة هي تلك التي انبثقت من تعاقد من طرف الذوات الفاعلة التي تخضع لتلك السلطة، عندئذ ستوضع الذاتية كأصل لكلّ مشروعية.
ثانيا، هناك ارتباط بين فكرة الحقوق الذاتية هذه، وبين الشروط السياسية لإقامتها. هذا ما ستبلوره الإرادة العامة كما هي عند روسو، هذه النظرية هي التي ستذهب بالتفكير السياسي الذي تعتمده نظرية الحق الطبيعي إلى مداه البعيد، وذلك تبعا للشروط التي يمكن فيها للشعب أن يعلن بأنّه يتمتّع بالسيادة، أي على أنّه ذات فاعلة حقيقية هي صاحبة كلّ مشروعية سياسية. وراء مفهوم حقوق الإنسان إذن، يوجد مفهوم الذاتية سواء كانت هذه الذاتية ذات فردية، أو كانت شعبا بكامله. وغير خاف أنّ مفهوم الذاتية كما بيّن ذلك كانط، هو من إبداع الحداثة الفكرية، إن لم يكن هو المبدأ الأساس للفكر الحديث. لكن ما يهمّنا هنا، هو مدى التطابق بين ظرفية المنشأ، ومزعم الشمولية والكونية الذي غدت قيم الحداثة والقيم الحقوقية بصفة خاصة مرتبطة به.
إنّ ادّعاء التطابق هذا، هو الذي شكّل رهانا للنقد الماركسي والنقد الهايدغري الذي سعى إلى إماطة اللثام عن وهم الكونية والشمولية الذي تدّعيه حقوق الإنسان، وفضح ما تنطوي عليه النزعة الإنسانية من اصطفاء، وتمركز، واضطهاد، وإقصاء.
هذا ما نستشفّه من خلال النقد الذي وجّهه ماركس إلى الحق. منطلق ماركس في نقده للحقوق هو نفس منطلقه في نقد دولة الحق. فهو يروم هدم وهم قوة فوق الجميع، ومنبثقة من الشعب، ومتميّزة عن المصالح الخاصة، وعادلة بالنسبة لجميع المواطنين. نقد الحق لدى ماركس يسعى إلى إبراز الطابع الصوري والمجرّد لتلك الحقوق، والتي ليست سوى قناع لحقوق الفرد الأناني والمعزول للمجتمع البرجوازي.
ينطلق ماركس من ملاحظة سبق لهيجل أن لا حظها، وهي أنّ أكبر غلط ارتكبته الثورة الفرنسية إبّان إعلانها لحقوق الإنسان، هو أنها جعلت عضو المجتمع المدني أصلا للدولة، حيث اتخذته كأساس للعقد الاجتماعي، وهذا أدّى إلى الخلط بين البرجوازي بما هو كائن يسعى وراء مصالحه الخاصة متجاهلا كلّ غاية أخرى، وبين المواطن الذي يسعى نحو غاية عامة مشتركة. لهذا اعتبر ماركس أنّ الإنسان الذي يتحدّث عنه إعلان حقوق الإنسان ليس هو الإنسان الطبيعي ولا الكائن الكوني، وإنّما هو الفرد البرجوازي. والخطأ هنا يتمثّل في عملية إسقاط خصائص الكائن الكوني المجرّد على هذا الفرد البورجوازي، بينما هو في الواقع مجرّد ممثّل لمجتمع مدني خاص ومحدّد. إنّه نفس الخطأ الذي يرى في الدولة شكلا عاما بينما هي ليست سوى نمط هيمنة خاص لطبقة مالكة لوسائل الإنتاج في لحظة تاريخية. يدين ماركس إذن وهم الشمولية التي تدّعيها تلك الحقوق، لأنّ مضامينها تتلاءم مع مصالح الطبقة الرأسمالية ومع درجة تطوّر المجتمع الحديث. يتمثّل الطابع الوهمي للحقوق إذن في طابعها الكوني الذي تدّعيه والذي ليس سوى خداع بصري يعيد إنتاج في مجاله الخاص الطابع المقنّع للهيمنة الاقتصادية. هكذا فما ينتقده ماركس في الدولة وفي الحق، هو الوهم الذي تولّده الدولة حينما تقدّم نفسها كحكم محايد، وحينما يقدّم الحق نفسه في صورة قيم إنسانية عليا يتمتّع بها الجميع على قدم المساواة. إنّه يعارض القاعدة القانونية الشمولية بالأوضاع الملموسة والواقعية للشعب، إذ لا قيمة للتأكيد على شرعية الحقوق إذا كانت أوضاع الناس الملموسة غير متساوية.
هكذا نلاحظ بأنّ أحد الشروط الذاتية الضرورية لقيام خطاب جديد حول حقوق الإنسان، هو التجذّر الفلسفي النقدي لهذا الخطاب. فالتفكير فلسفيا في حقوق الإنسان يقتضي القيام بنوع من النقد للعقل لا يؤذّي إلى إلغاء كلّ إمكانية للإحالة إلى الإنسان بما هو إنسان، كما لا يلغي الطابع المعياري للحق بما هو شرط للحكم على الواقع. بعبارة أخرى وكنتيجة لهذا النقد الموجّه للنزعتين التاريخانية والإنسانوية، فإنّ فلسفة حقوق الإنسان ستكون إنسية قانونية دون أن تنقلب إلى ميتافيزيقا ساذجة للذاتية، من حيث أنّ تلك الميتافيزيقا قد بلغت أوجها- كما أوضح ذلك نيتشه، وهايدغر- في نسق هيجل الفلسفي الذي بحكم تأكيده على التطابق بين الواقعي والعقلي، قد منع قيام كلّ تفكير معياري في الحق، أي التفكير في ما ينبغي أن يكون عليه الحق. يلزم إذن لقيام هذا الشرط النقدي، أن يبيّن رغم مناهضته للميتافيزيقا، ما يسمح بالاحتفاظ لمفهوم الحق من معنى وقيمة. فالإحالة إلى القيم يجب أن تبقى ممكنة، ذلك لأنّ القيم شأنها شأن الأفكار الميتافيزيقية، بعد أن تخضع لعمليتي التفكيك ونزع الطابع الموضوعي الذي تدّعيه (نقد ادّعائها الأنطولوجي) تحتفظ بنوع من المشروعية. فبالرغم من أنّها تنتقد بسبب قيمة الحقيقة التي تدّعيها(أي بسبب قدرتها الوهمية على بناء الواقع) فإنّها تستمرّ في الحفاظ على ما يميّزها كأفكار منتجة للمعنى، بصفتها متطلّبات ذاتية أي متطلّبات خاصة بكلّ ذات إنسانية.
إنّ هذه الإشارات هي مجرّد تلميحات مليئة بالثغرات، وغير كافية لضمان إمكانية تنصيب نزعة النقد الجذري للعقل، وللحق الحديث، كفلسفة لحقوق الإنسان، إذ يلزم، وبصفة خاصة، إثبات كيف يمكن لهذا النقد الجذري، بنزعه للطابع الماهوي والميتافيزيقي عن الإنسان، أن يسمح بالإحالة إلى مفهوم غير ساذج للإنسانية، بما هو أفق إمكان منفتح على المستقبل.
وبدون توفر هذا الحدّ الأدنى من الإنسية المجرّدة، تبقى الدعوة إلى حقوق الإنسان غير قابلة للتأسيس وبدون معنى. لأنّ شرط قيام الحق هو الحفاظ على الاختلاف الأنطولوجي بين "الحق الوضعي" القائم و"الحق الممكن"، بين "ما هو كائن" و"ما ينبغي أن يكون". ولقد اعترف "دريدا" بأنّ العلاقة لم تتمفصل بعد، بين خطاب التفكيك الفلسفي، وخطاب حقوق الإنسان، وهو تمفصل، يعتبر ضروريا ليس فحسب لمواجهة الأنظمة الشمولية والتوتاليتارية، وإنما أيضا لتجديد وتجذير المطالب الحقوقية في مواجهة الحقوق الوضعية والقوانين القائمة.
إنّ ما أقدّمه هنا هو مشروع برنامج للعمل الحقوقي، يقوم على الافتراض التالي: هو أنّ نزعة "النقد الجذري للعقل"، والتي ليست سوى تعميق وتجذير للنقد الكانطي للعقل، تحتوي على عناصر يمكن أن تساعد في التأسيس الفلسفي لخطاب "جديد" حول حقوق الإنسان.
يمكن الاعتراض على هذا البرنامج بالدعوة إلى العودة إلى الفكر الإغريقي كبديل عن النقد الجذري التفكيكي، لحلّ التعارض بين خطاب حقوق الإنسان الذي يقوم على الذاتية الإنسانوية وعلى النزعة التاريخية، وبين خصائص الفكر المعاصر التي تقوم على النقد الجذري للذاتية والغائية التاريخية، لا سيما أنه لا وجود لدى الإغريق لأيّ نظام للذاتية، الذي أدّى إلى النفي التاريخاني للحق بعد أن بلغ أوجه في فلسفة هيجل على النحو الذي رأيناه.
يطالب هذا الموقف- الذي يدافع عنه كلّ من ليو شتراوس، وفيلي- بالبحث عن الشروط النظرية لإمكان حقوق الإنسان في فلسفة أرسطو في الحق. فتصوّر أرسطو في الحق الطبيعي يمنح للحق شكلا من التعالي وهو كما رأينا شرط ضروري للدعوة إلى الحق. فما يشكّل المعيار وما ينبغي أن يكون، هو الغاية التي تبعا لها يكون كلّ كائن هو ما هو عليه بالطبيعة. وبالتالي فالتعالي هنا هو تعال غائي للوجود المكتمل على الوجود بالقوة الذي ينزع بالطبيعة نحو ما به يتحقق اكتمال ماهيته. وبهذا المعنى فمن خلال ملاحظة الطبائع المختلفة للكائنات، وبالتالي من خلال الانفتاح على الفيزيس، يمكن أن نعيّن لها حقوقها والتي بدونها لن تعرف طبيعتها أو ماهيتها الاكتمال. هكذا يتأسس الحق كشرط لإمكان الحركة الطبيعية لكل كائن نحو ماهيته. هكذا نلاحظ كيف يتم، انطلاقا من هذا المنظور المناهض للتاريخانية بامتياز، الرجوع إلى أرسطو قصد محاولة بعث تعالي الحق الطبيعي على وضعية الحقوق القائمة التي يمكن بالفعل نقدها إذا كانت تحول دون هذا الكائن أو ذاك دون اكتمال ماهيته. وفضلا عن ذلك فإنّ هذا المنظور يعتقد أنه يحظى بامتياز بعث هذا التعالي الذي تحتاجه الحقوق، دون الحاجة إلى تأسيسها في الذات، أي بدون ميتافيزيقا.
لكن إذا سلّمنا بهذا، فإنّ الفكر الحقوقي الذي نعتقد أننا نؤسسه بهذه الطريقة يصبح غير متلائم من حيث مضمونه مع فكر حقوق الإنسان. فمادام أنه لا توجد لدى الكائنات نفس الغاية، فسيكون هناك اختلافا في الحقوق. لأنّ التصوّر الأرسطي يؤكّد وجود طبائع مختلفة تتوزّع فيما بينها ما يطلق عليه المحدثون الإنسانية، وينجم عن ذلك مثلا القول بأنّ للنساء طبيعة مختلفة عن طبيعة الرجال، وأنّ للعبد طبيعة غير متطابقة مع طبيعة السيد الحر. ومثل هذا الفكر الحقوقي يقود كما يتضح إلى تبرير التفاوت في الحقوق، وتبرير العبودية، وبصفة عامة يقود إلى مواقف مرفوضة أخلاقيا من طرف الفكر الحديث. ولقد اعترف أوبينك، وهو المتخصّص في فلسفة أرسطو، بأنّ النظريات الحديثة في الحق متفوّقة بكثير على مذهب الحق الطبيعي لدى أرسطو بالرّغم من الانتقادات التي توجّه إليها من قبل الفكر المعاصر. لهذا لا يمكن لفلسفة أرسطو أن تشكّل إطارا نظريا لتجديد التفكير في الحق، وللتأسيس الفلسفي لحقوق الإنسان.
يضاف إلى ذلك أنّ تصور أرسطو للطبيعة ينتهي إلى موقف معارض لحقوق الإنسان لأنّه يبقي فكرة الحق كمعيار متعال. فحركة الطبيعة لديه هي التي تنجز ما يعتبر معيارا: فالطبيعة المتروكة لذاتها، تحقق غاياتها تبعا لتطورها الذاتي الخاص، وبالتالي ليس الحق الطبيعي إلا الأداة التي تستعملها الطبيعة لتحقيق غاياتها. ويمكن القول مع أوبينك أنّ الطبيعة المتروكة لذاتها تستسيغ كل شيء وتكتسي قيمة مقدّسة تسمح بتبرير كلّ شيء شريطة أن يكون طبيعيا. ثمّ هذه البنية النظرية المحايثة لهذا التمثّل للحق، تستدعي بشكل غريب بنية نظرية مكر العقل الهيجلية، ألسنا أمام نظرية مكر الطبيعة كما يسجّل ذلك فيلي؟
يجب الإقرار إذن أنّ مذهب الحق الطبيعي الأرسطي، يقود فيما يتعلق بموضوع الحق، إلى صعوبات مماثلة لتلك التي تفضي إليها التاريخانية الهيجلية، إذ لا يمكن الحديث في هذا المذهب عن فصل حقيقي بين الواقع والمثال، بين الكائن وما ينبغي أن يكون، بين الحدث والمعيار، ما دام أنّ حركة الواقع (الحركة الطبيعية) هي نفسها التي تحقّق المعيار. فالعلاقة بين النظريتين علاقة استمرار وليست علاقة انفصال. ومن هنا فالمحاولات التي تسعى لإنقاذ الحق من النفي التاريخاني والتي تتغذى من الفكر اليوناني، وخصوصا الأرسطي منه، كما هو الحال بالنسبة لأعمال ليوشتراوس، ينبغي فحصها بحذر شديد.


* مداخلة ساهم بها الباحث في إطار ندوة وطنية نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان/فرع مكناس.






ابو هيثم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قديم 2010-12-29, 16:51   رقم المشاركة :2
معلومات العضو
محمد أحمد
عميد
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 8
محمد أحمد is on a distinguished road
كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي


بارك الله فيك

على معلومات قيمه ومفيده


محمد أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 2010-12-29, 17:02   رقم المشاركة :3
معلومات العضو
أسيرالشوق
الإدارة
 
الصورة الرمزية أسيرالشوق
إحصائية العضو





مستوى التقييم: 10
أسيرالشوق is on a distinguished road

مشاهدة أوسمتي

كاتب الموضوع : ابو هيثم المنتدى : الربح من الانترنت
افتراضي




أسيرالشوق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:34

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها .. ولا تعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى بأي شكل من الأشكال



ساهم معنا
تبرع لتساعد على الاستمرار ومواصلة تعريب البرامج للعالم العربي.
ساهم في صمود وبقاء ونشر اللغة العربية في العالم من أجل الأجيال القادمة.
تودع مبالغ التبرعات في احد الحسابات التالية
اسم البنك
رقم الحساب
بنك الراجحي _ من خارج السعودية
IBAN - SA2880000141608010128882
بنك الراجحى _ من داخل السعودية 141608010128882



Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimisation provided by DragonByte SEO (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لموقع منتديات عميد التعريب 2010 - 2017 ©